حديث الجمعةشهر شوال

حديث الجمعة 581: بعد الموسم العباديِّ – كلمة أخيرة (أزمة الوباء)

هذا الحديث للعلَّامة السَّيِّد عبد الله الغريفي، قد أُلقي في تاريخ: (18 شوال 1441 هـ – الموافق: 11 يونيو 2020 م)، وقد تمَّ تفريغه من تسجيل مرئيٍّ، وتنسيقه بما يتناسب وعرضه مكتوبًا للقارئ الكريم.

ما بعد الموسم العباديِّ
أعوذ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الغويِّ الرَّجيم
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصَّلوات على سيِّد الأنبياء والمرسلين، سيِّدنا، ونبيِّنا، وحبيبنا، وقائدنا، محمَّد وعلى آله الطَّيِّبين الطَّاهرين.

السَّلام عليكم أيُّها الأحبَّة، جميعًا ورحمة الله وبركاته.

ماذا بعد الموسم؟
عادةً بعد كلِّ موسم عباديٍّ يُطرح هذا السُّؤال: وماذا بعد الموسم؟

عشنا موسمًا عباديًّا كبيرًا، عندنا الشَّهر الفضيل المبارك بكلِّ عطاءاته، وبكلِّ فيوضاته، وبكلِّ بركاته. كان هذا الموسم من أغنى المواسم العباديَّة والرُّوحيَّة، موسم تجاريٌّ كبير مع الله سبحانه وتعالى، ويعدُّ من أغنى المواسم.

المواسم العباديَّة المركزيَّة
عندنا مجموعة مواسم تعتبر مواسمَ عباديَّة مركزيَّة، كـ:
1-موسم الحجِّ
2- موسم العمرة
3-موسم الزِّيارة
4-موسم المناسبات
5- ويأتي على رأس هذه المواسم موسم شهر رمضان المبارك
شهر رمضان المبارك من أغنى المواسم

هذا يعتبر من أغنى المواسم الرُّوحيَّة، والإيمانيَّة، والعباديَّة، وإنْ كان النَّاس يتفاوتون في استثمار هذه المواسم، بين مَن ينخفض عنده الاستثمار انخفاضًا كبيرًا!، وبين مَن تتوسَّط عنده عمليَّة الاستثمار، وبين مَن يرتقي ارتقاءً كبيرًا في استثمار الموسم العباديِّ.

إذًا نحن مع موسم من أغنى المواسم، موسم شهر الله تعالى، موسم شهر رمضان هو من أغنى المواسم الرُّوحيَّة، والعباديةَّ.

من عطاءات موسم شهر رمضان المبارك
هذا الموسم – كما غيره من المواسم – له عطاءات كبيرة، لمَن استطاع أنْ يستثمرَ هذا الموسم.
موسم شهر الله الفضيل.

اذكر نمطين أساسين من العطاءات، هناك نمطان من عطاءات الشَّهر الفضيل:
النَّمط الأوَّل – من العطاءات -: هو غفران الذُّنوب، وامتلاك رصيد كبير من الحسنات
الشَّهر الفضيل لمَن يعيشه، ويتعاطى معه، ويتعامل معه بوعي، يُحقِّق له رصيدًا كبيرًا من الحسنات، ورصيدًا كبيرًا من الطَّاعات، يكفي إذا نقرأ مقاطع سريعة من خطبة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) كيف تتحدَّث عن هذا الرَّصيد الكبير من عطاءات الشَّهر الفضيل:

1-كُلُّ نَفَس تسبيح!
كم يحقِّق لنا هذا من رصيد من الحسنات!
قد يكون كلُّ نَفَس، وعدد الأنفاس لا تُحصى، والإنسان في نَفَس مستمرٍّ، فكلُّ نَفَس يخرج، وكلُّ نَفَس يدخل هو تسبيح، هو عبادة، هو طاعة تُسجَّل للإنسان.
إذًا، كم هو رصيد الإنسان من الطَّاعات، ومن الحسنات من خلال التَّسبيح التَّنفُّسيِّ فقط؟!
كلُّ نَفَس تسبيح!

2-النَّوم عبادة!
وأنت نائم في شهر رمضان المبارك تحقِّق عبادة، تُسجِّل رصيدًا من الحسنات.

3-حسن الخلق ثبات على الصِّراط.

4-فريضة واحدة تعادل سبعين فريضة في غير شهر رمضان المبارك!

5-التَّطوُّع بصلاة براءة من النَّار!

6-الصَّلاة على النَّبيِّ وآله (صلَّى الله عليه وآله) تُثْقِل الميزان!

7-تلاوة آية واحدة من كتاب الله تُعادل ختمة كاملة في غيره من الشُّهور!

إذًا، كم نحن – من خلال أعمالنا في شهر رمضان المبارك – نسجِّل رصيدًا كبيرًا من الحسنات؟!

فإذًا، النَّمط الأوَّل من عطاءات الشَّهر الفضيل هو تسجيل الحسنات، والتَّوافر على رصيد كبير من الحسنات، والتَّوافر على رصيد كبيرٍ من الطَّاعات.
هذا النمط الأوَّل من عطاءات الشَّهر الفضيل.

النَّمط الثَّاني – من عطاءات الشَّهر الفضيل -: الولادة الجديدة
الإنسان بعد شهر رمضان المبارك يعتبر مولودًا جديدًا.
هنا الحديث عن ولادة روحيَّة.
هنا الحديث عن ولادة فكريَّة.
هنا الحديث عن ولادة سلوكيَّة.
أنت إنسان جديد بعد شهر رمضان المبارك.
جديد في ثقافتك.
جديد في روحانيَّتك.
جديد في أخلاقيَّتك.
جديد في نَمَط سلوكك.
إذًا، هنا ولادة، نسمِّيها ولادة روحيَّة.
أنت مولود جديد بكلِّ مكوِّناتك الفكريَّة، والعاطفيَّة، والنَّفسيَّة، والسُّلوكيَّة.
أنت مولود ولادة روحيَّة جديدة.
هذه الولادة خَلَقَت عندك وعيًا جديدًا.
موسم شهر رمضان المبارك يصنع الوعي.
يصنع الأفكار.
يصنع المفاهيم.
يصنع التَّصوُّرات.
هذا الشَّهر الفاعل المؤثِّر، يصنع منِّي وجودًا فكريًّا ثقافيًّا جديدًا.
مرتكزات بناء الشَّخصيَّة وعي، وجدان، سلوك، هذه مكوِّنات أيِّ شخصيَّة.
إذا صنعنا الوعي، وصنعنا الوجدان، وصنعنا السُّلوك، صنعنا الشَّخصيَّة، الشَّخصيَّة المتكاملة.
هناك قد تكون شخصيَّات مزدوجة: قد يكون الوعي إسلاميًّا نظيفًا بينما يكون الوجدان منحرِفًا، أو قد يكون الوعي والوجدان سَلِيمَيْنِ بينما يكون السُّلوك منحرِفًا، وقد تكون المفاهيم غير سليمة!
إذًا، حتَّى يتكامل بناء الشَّخصيَّة نكون في حاجة إلى أنْ نصنع وعيَ الشَّخصيَّة، وفي حاجة أنْ نصنع وجدان الشَّخصيَّة، وفي حاجة أنْ نصنع سلوك الشَّخصيَّة، الوعي هو مجموعة المفاهيم، ومجموعة التَّصوُّرات.
شهر الله المبارك يصنع المفاهيم، مفاهيم الإيمان، ومفاهيم التَّقوى، ومفاهيم العقيدة.
الصَّوم الفاعل طبعًا يصنع، يهندِس فكرَ الإنسان هندسةً إيمانيَّة.

هو شهر الله يصنع وجدانًا إيمانيًّا، وجدانًا روحيًّا، وجدانًا عقيديًّا.
ما معنى الوجدان الرُّوحيِّ؟
ما معنى الوجدان الإيمانيِّ؟
هي مجموعة المشاعر في داخل الإنسان.
مجموعة العواطف في داخل الإنسان.
هذه المشاعر قد تنحرف، قد تزيغ.
هنا العبادة تُقوِّم المشاعر.
تحفظ استقامة المشاعر.
هنا العبادة تقوِّي المشاعر.
تحفظ استقامة المشاعر.
تغذِّي المشاعر.
تنهض بالمشاعر.
المشاعر فيما تعنيه من عواطف.
فيما تعنيه من حبٍّ، وبغض.
فيما تعنيه من تعلًّق بالله سبحانه وتعالى.
انصهار، وذَوبان مع الله سبحانه.
هذه مشاعر، هذه عواطف.
العلاقة من الآخر هذه مشاعر، هذه عواطف.
الصِّيام كما يصنع الموسم الرَّمضانيَّ، كما يصنع وعي الإنسان في مفاهيمه، وأفكاره.
يصنع هذا الدَّاخل الوجدانيَّ.
يصنع هذا الدَّاخل العاطفيَّ بكلِّ مساحاته.
بكلِّ امتداداته.
بكلِّ فاعليَّاته.
وكذلك موسم الصِّيام يصنع السُّلوك – هذه النقطة الأهم -، كما الصِّيام يصنع وعينا، وكما الصِّيام يصنع مشاعرنا، ووجداننا، وعواطفنا.
الصِّيام يصنع السُّلوك.
يصنع الحركة.
يصنع الامتداد العمليَّ.
ربَّما لا يُحقِّق الصِّيام شيئًا كبيرًا إذا صنع الوعي، وصنع العواطف إلَّا أنَّه لم يصنع السُّلوك.
القيمة تتمركز حينما يستطيع الصِّيام أنْ يصنع سلوك الإنسان.
أنْ يصنع تقوى الإنسان.
أنْ يصنع ورع الإنسان، ولذلك النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) حينما سألهُ الإمامُ أميرُ المؤمنين (عليه السَّلام): ما أفضل عمل في هذا الشَّهر؟
قال: «… الورع عن محارم الله» (الوافي 11/368، الفيض الكاشاني).
إذا استطاع الصِّيام أنْ يصنع ورعًا عن محارم الله تعالى، واستطاع الصَّيام أنْ يصنع سلوكًا منضبطًا، واستطاع الصِّيام أنْ يصنع تقوًى.
إذًا، هذا هو الصِّيام الحقيقيُّ، وإلَّا كان صيامًا فاشلًا.
فإذا استطاع الصِّيام أنْ يضبط سلوك الإنسان في خطِّ الله سبحانه.
في خطِّ الإيمان.
في خطِّ الطَّاعة.
في خطِّ الاستقامة.
فإنَّه قد حقَّق مُعْطًا كبيرًا من مُعطيات هذا الشَّهر الفضيل.
فإذًا، كما أنَّ الصِّيام يوفِّر للإنسان رصيدًا كبيرًا جدًّا من الحسنات، كذلك الصِّيام يصنع الإنسان الصَّائم الحقيقيَّ صنعًا جديدًا؛ لتتشكَّل عنده ولادة جديدة، وشخصيَّة جديدة.
إذًا، هذان النَّمطان أهمُّ ما ينتجه الشَّهر الفضيل، رصيد من الحسنات، بناء الشَّخصيَّة بناءً جديدًا.
بعد شهر رمضان المبارك مطلوب أنْ نحافظ على هاذين الرَّصيدين، هذين المستويين من عطاءات الشَّهر، أنْ نحافظ على رصيدنا من الحسنات، ألَّا يتلاشى، ألَّا يسقط، ألَّا يحترق، وأنْ نحافظ على شخصيَّتنا الجديدة، ولادتنا الجديدة، هذا هو المطلوب بعد الموسم العباديِّ، وإلَّا إذا استطعنا أنْ نصنع وجودًا جديدًا، وأنْ نكون رصيدًا من الحسنات إلَّا أنَّ هذا الرصيد من الحسنات تلاشى واحترق، إلَّا أنَّ هذا الرَّصيد من البناء الجديد تلاشى، وانتهى، إذا ما حقَّقنا الهدف الأساس من هذا الموسم.

فمطلوب أنْ نحافظ على هذين النَّمطين من العطاءات، أنْ نحافظ على الأرباح، على رصيدنا من الحسنات، وأنْ نحافظ على بناء شخصيَّتنا الجديدة.

هناك مَن يفرِّطون في الحفاظ على هذه المكاسب، هناك مَن يفرط، ربَّما يستنفر طاقاته في شهر رمضان المبارك، ويوفِّر له رصيدًا كبيرًا من الحسنات، يغيِّر الكثير من أوضاعه الفكريَّة، والسُّلوكيَّة، والعاطفيَّة، ولكن ما إنْ ينتهي شهر رمضان المبارك حتَّى ينهار من جديد، فتسقط الحسنات، تتلاشى الحسنات، ينهار البناء بناء الشَّخصيَّة، وهناك نمط آخر يحافظون على مستويات العطاء، يحافظون على مستويات العطاء مع تفاوت، هناك مَن يحافظ على مستوى راقٍ من عطاءات الشَّهر الفضيل.
هناك مَن يحافظ على مستوى متوسِّط.
وهناك مَن يحافظ على مستوى منخفض.
المطلوب أنْ نحافظ على عطاءات الشَّهر الفضيل بمستويات مرتفعة.
مطلوب أنْ نحافظ على هذه المستويات بمستويات مرتفعة، وهناك تكامل بين الحِفاظ على الرَّصيد من الحسنات، والحفاظ على بناء الشَّخصيَّة.
إذا انهار الرَّصيد من الحسنات تنهار الشَّخصيَّة، وإذا انهارت الشَّخصيَّة ينهار الرَّصيد من الحسنات. إذًا، هناك تلازم بين أنْ نحافظ على بنائِنا وبناء شخصيَّتنا فكريًّا ثقافيًّا وجدانيًّا سلوكيًّا، وبين ما نمتلك من رصيد من الحسنات.
هذا مطلوب جدًّا.

قد يُطرح سؤالٌ هنا:
كيف نحافظ على هذا العطاء الرَّمضانيِّ في بُعْدَيْهِ؟
كيف نحافظ على رصيدنا من الحسنات؟
وكيف نحافظ على مستوى شخصيَّتنا الإيمانيَّة الجديدة التي صنعها موسم الشَّهر الفضيل؟
كيف نحافظ على هاذين النَّمطين من العطاءات؟
الحفاظ على هذه العطاءات يعتمد على عاملين أَساسَيْنِ، أتحدَّث عن هَذين العاملين بإيجاز، وبشكل مضغوط جدًّا.
نحن مطلوب بعد كلِّ موسم عباديٍّ أنْ نحافظ على ديمومة العطاءات.
مطلوب بعد كلِّ عبادة، بعد كلِّ صلاة، بعد كلِّ تلاوة، بعد كلِّ دعاء أنْ نحافظ على عطاءات هذا العمل.
القيمة ليس أنْ تعمل، القيمة كيف تحافظ على العطاءات.
كثيرون يعملون، ولكنَّهم لا يستطيعون أنْ يحافظوا على عطاءات العمل.

السُّؤال المُلِحُّ والكبير: كيف نحافظ على عطاءات الشَّهر الفضيل؟
هناك عاملان أساسان لبقاء واستمرار العطاءات.
هناك عاملان أساسان لاستمرار عطاءات الشَّهر الفضيل.
العامل الأوَّل: أنْ نتوفَّر على صوم ناجح في الشَّهر الفضيل
هذا يؤسِّس لاستمرار العطاءات.
إذا مارسنا الموسم بشكل سليم هذا يمركز العطاءات، ويجعلها دائمة، ومستمرَّة، أمَّا إذا كانت المعايشة متدنِّية، إذا كانت معايشة الموسم معايشة فاشلة، فليست هناك عطاءات لتستمرَّ.
إذا من أجل أنْ تستمرَّ العطاءات لا بدَّ أنْ نؤسِّس لمعايشة ناجحة مع الموسم الفضيل.
ونجاح الموسم ونجاح المعايشة، ونجاح الصِّيام، يحتاج إلى:

أوًّلًا: فهم فقهيٍّ
أنت كيف تصوم صومًا صحيحًا إذا كنت لا تملك فهمًا فقهيًّا؟!
الفهم الفقهيُّ ينتج لنا صومًا صحيحًا من النَّاحية الشَّرعيَّة.

ثانيًا: الوعي بأهداف الصَّوم
هذا الوعي هو الذي يرتقي بمستوى صيامنا.
الوعي يرتقي بمستوى الصِّيام.
الوعي يرتقي بمستوى الصَّلاة.
الوعي يرتقي بمستوى الحجِّ.
الوعي يرتقي بمستوى الدُّعاء.
الوعي يرتقي بمستوى تلاوة القرآن الكريم.
الوعي يرتقي بمستوى الذِّكْر.
إذًا، حتَّى نرتقي بمستوى أيِّ عبادة لا بدَّ أنْ نملك وعي العبادة.
فإذا مَلَكْنا وعي الموسم العباديِّ، ووعي الصِّيام، فإنَّنا نرتقي بمستوى الصِّيام.
فإذًا، إنتاج صيام ناجح يحتاج إلى وعيٍ، إلى فهم فقهيٍّ؛ من أجل تصحيح العبادة، ونحتاج إلى وعيٍ بالأهداف؛ من أجل الارتقاء بمستوى العبادة، ونحتاج إلى روحانيَّة العبادة.
هنا درجة الانصهار، درجة التَّفاعل، يمكن يملك الإنسانُ مستوًى فقهيًّا كبيرًا، ويمتلك مستوًى وعيٍ كبيرٍ، ولكنَّه لا يعيش انصهارًا وجدانيًّا مع الصَّلاة!
لا يعيش انصهارًا وجدانيًّا مع التِّلاوة!
لا يعيش انصهارًا وجدانيًّا مع الدُّعاء، مع الصِّيام، مع الحجِّ!
إذًا، هذا الانصهار هو جزءٌ أساس في بناء التَّكوُّن، والتَّعاطي مع العبادة، ومع الموسم.
ثمَّ تبقي النقطة الأهم، وهي الالتزام العمليُّ، صناعة التَّقوى، ومن خلالها يتمُّ قَبول العمل، قَبول الصَّلاة مرتبط بالتَّقوى.
قَبول الصِّيام مرتبط بالتَّقوى.
قَبول الحجِّ مرتبط بالتَّقوى.
إذًا، العامل الأوَّل الذي يعطي لموسم الصِّيام ديمومة، وبقاء هو أنْ نصنع موسمًا ناجحًا.
إذا استطعنا أنْ نصنع موسمًا ناجحًا من خلال فهم فقهيٍّ، ومن خلال وعيٍ، ومن خلال روحانيَّةٍ، ومن خلال التزامٍ، فإنَّنا أسَّسنا لديمومة الموسم.
أنت بإنتاجك موسمًا ناجحًا تؤسِّس لبقاء الموسم، تؤسِّس لعطاءات الموسم، هذا العامل الأوَّل؛ للحفاظ على عطاءات الشَّهر الفضيل.

العامل الثَّاني – وهو مهمٌّ أيضًا -: أنْ نؤسِّس لاستمرار عطاءات الشَّهر الفضيل من خلال بعض الوسائل
كيف؟
كيف أمارس بعض الأعمال التي تخلِّي عطاءات شهر رمضان المبارك مستمرَّة، ودائمة؟
احتاج:
الوسيلة الأولى: إلى اجتناب الأمور التي تُحرق الطَّاعات
أنا كوَّنت لي رصيدَ مليارات من الحسنات، في شهر رمضان المبارك كوَّنت لي مليارات من الحسنات، لكن عمل واحد بعد الشَّهر يحرقها!
إذًا، حتَّى أبقيها، مطلوب أنْ أتجنَّب كلَّ ما يُحرق الطَّاعات.
أتجنَّب كلَّ ما يحرق الحسنات.
أتجنَّب كلَّ ما يصادر الأعمال.
إذًا مطلوب حتَّى أُحافظ على ديمومة هذا العطاء أنْ أجتنب كلَّ ما يحرق الطَّاعات، والحسنات.
مثلًا تلوُّث القلب، القلب المملوء بالحقد، القلب المملوء بالضَّغينة، القلب المملوء بالحسد، هذا قلب يحرق الطَّاعات، يحرق الحسنات!
إذًا حتَّى أحافظ على رصيدي من الحسنات يجب أنْ أحافظ على نقاء القلب بشكل دائم، كلَّما كان القلب نقيًّا، وكلَّما كان القلب طاهرًا كان يشكِّل حراسة كبيرة للرَّصيد من الطَّاعات، والحسنات.
إذًا، تلوُّث القلب يهدِّد، يدمِّر، يفشل، يسقط عطاءات الموسم.

ارتكاب المعاصي ربَّما معصية تحرق رصيدًا كبيرًا من الطَّاعات، غِيبة، حِقد، ظُلم، اعتداء على الآخرين.
صحيح أنت كوَّنت لك مليارًا من الحسنات لكن عندما تأتي الغِيْبَة، فإنَّها تُحرق رصيدًا كبيرًا من الطَّاعات، فحتَّى نحافظ على ديمومة الطَّاعات، والحسنات مطلوب جدًّا أنْ نتجنَّب كلَّ الأمور التي تحرق الطَّاعات، ومنها تلوُّث القلب، وارتكاب المعاصي.

هذه الوسيلة الأولى.
الوسيلة الثَّانية – للحفاظ على ديمومة العطاءات الرَّمضانيَّة المباركة -: مطلوب استمرار التَّعبئة الرُّوحيَّة
الرُّوح بحاجة إلى التَّعبئة بشكل دائم.
القلب بحاجة إلى تعبئة بشكل دائم.
السُّلوك يحتاج إلى تعبئة بشكل دائم.
يعني مطلوب أنْ أُحافظ على الصَّلاة بشكل دائم.
الصَّلاة مصدر شحنٍ روحيٍّ.
الصَّلاة مصدر حراسة لكلِّ العطاءات، لكلِّ السُّلوك، لكلِّ القِيم.
إذًا، ديمومة الصَّلاة، والحفاظ على الصَّلاة، ووعي الصَّلاة، وروحانيَّة الصلاة هذا يشكِّل حراسة قيمومة على العطاءات.
استمرار الذِّكْر، ذِكْر الله تعالى: ﴿الذينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (سورة آل عمران: الآية 191).
إذًا، الذِّكر الدَّائم – أيضًا – يحافظ على الرَّصيد.
حاول أنْ تكون في ذِكْر دائم وأنت جالس، وأنت مستلقٍ، وأنت تتحرَّك، وفي أيِّ موقع من مواقع حياتك أَكْثِر من ذِكْر الله تعالى سواء الذِّكْر اللَّسانيِّ، أو الذِّكر القَلْبيِّ، أو الذِّكْر العقليِّ.
هناك ذْكْر عقليٌّ، أتأمَّل في الكون، أتأمَّل في إبداعات الله تعالى، هذا ذِكْر، ومن أعظم أنواع الذِّكر.
هناك ذِكْر القلب.
وهناك ذِكْر السُّلوك.
وهناك ذِكْر اللِّسان.
فاستمرار الذِّكر حصانة، وحماية لديمومة العطاءات الرَّمضانيَّة.
تلاوة القرآن الكريم حراسة، حماية، حفاظ على رصيد الطَّاعات.
إذًا، الوسيلة الأولى: أنْ نتجنَّب كلَّ ما يصادر هذا الرَّصيد من معاصي، من تلوُّثات قَلبيَّة.
الوسيلة الثَّانية: أنْ نستمرَّ في عمليَّة الشَّحن الرُّوحيِّ، والشَّحن الفكريِّ، والشَّحن الإيمانيِّ، والشَحن السُّلوكي.
الوسيلة الثَّالثة: التَّحصين الدَّائم من خلال المراقبة الدَّائمة، والمحاسبة الدَّائمة
حين نمارس محاسبة بشكل مستمرٍّ يوميًّا، فإنَّنا نحرس الطَّاعات، نحرس العطاءات.
المحاسبة جلسة وقوف مع الذَّات، نقد الذَّات، نقد السُّلوك، نقد التَّصرُّفات، هذه محاسبة، هذه مراقبة، فإذا استطعنا أنْ نتوافر على مراقبة جادَّة وحقيقيَّة، واستطعنا أنْ نتوافر على محاسبة جادَّة وحقيقيَّة، فإنَّنا نحصِّن بذلك عطاءات الشَّهر.
فإذًا، أمامنا ثلاث وسائل؛ لتحصين عطاءات الشَّهر:
الوسيلة الأولى: اجتناب ما يحرق العطاءات.
الوسيلة الثَّانية: استمرار التَّعبئة من خلال الصَّلاة، والذِّكر، والتِّلاوة، وأي وسيلة أخرى.
الوسيلة الثَّالثة: استمرار التَّحصين من خلال المراقبة، والمحاسبة.

كلمة أخيرة (أزمة الوباء)
لا زالت أزمة الوباء تفرض نفسها بقوَّة، ولازالت الإصابات تنذر بالخطر، فهنا أوجِّه بكلِّ حبٍّ، وإخلاص هذا النِّداء.

1-تقديم الشُّكر للطَّواقم الطِّبيَّة
في البدء أُقدِّم الشِّكر، والتَّقدير لكلِّ الأطباء والممرِّضين، والمتطوِّعين على ما يبذلون من جهود كبيرة، معرِّضين حياتهم للكثير من المخاطر، ولعل نسبة من هذه المخاطر بسبب إهمال النَّاس، وعدم تقيُّدهم بالتَّوجيهات المطلوبة!
2-كلمات لعموم النَّاس
وهذه بعض كلمات موجَّهة إلى عامَّة النَّاس، أقول – وبكلِّ محبَّة، ومن منطلق التَّكليف الشَّرعيِّ -:
‌أ-مطلوب جدًّا، الالتزام بكلِّ الاحترازات، والتَّوجيهات الصِّحيَّة.
‌ب- مطلوب جدًّا الابتعاد عن أيِّ شكل من أشكال التَّجمُّعات غير المسموح بها، وحتَّى العائليَّة منها.
‌ج-مطلوب جدًّا التَّعاون مع الجهات المتصدِّية لهذا الوباء.
‌د-مطلوب جدًّا عدم التَّستر على أعراض هذا الوباء.
‌ه-مطلوب جدًّا عدم ممارسة أيِّ عمل يساهم في انتشار هذا الوباء.
‌و-مطلوب جدًّا عدم التَّرويج إلى لغة التَّساهل في مواجهة هذا الوباء.
وتبقى ضرورة التَّأكيد على قيمة الدُّعاء، واللُّجوء إلى الله تعالى.
وهو سبحانه الشَّافي، والمعافي، ومنه تعالى نستمدُّ العونَ، والسَّداد، والفَرَجَ العاجلَ العاجلَ بإذنِه.
إنَّه سبحانه لطيف بعباده.
ففي قَلْب المِحن والشَّدائد يجب أنْ نعيش الثِّقة، بلطف الله، ورحمته، وفَرَجِه، وهكذا يجب أنْ يتوازن الخوف والرَّجاء.
مطلوب أنْ نخاف!
ومطلوب أنْ نعيش الأمل، وأنْ نعيش الرَّجاء، وألَّا نعيش اليأس، والقنوط، والانكسار، والانهيار.
وهكذا يجب أنْ يتوازن الخوف، والرَّجاء في نفوس النَّاس؛ لكي تتشكَّل في داخلهم القدرة على مواجهة أزمة هي من أخطر الأزمات، وهل المَلجأ في الأزمات إلَّا إليه وحدَه وحدَه، والله المسدِّد، والمعين، والرَّؤوف، والرَّحيم.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصَّلوات على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطَّيِّبين الطَّاهرين.
والسَّلام عليكم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى