حديث السبتملف شهر رمضان

حديث السبت (4): حديث في استقبال ليلة القدر – نحن على أعتاب العشر الأواخر من هذا الشَّهر الفضيل

مسجد الإمام الصَّادق (ع) – القفول حديث - السَّبت الرمضاني تاريخ: السَّبت، 21 شهر رمضان 1446هـ الموافق: 22 مارس 2025 م

حديث في استقبال ليلة القدر

ونحن نستقبل ليلة القدر

هنا بعضُ عناوين:

العنوان الأوَّل: لماذا سُمِّيت ليلة القدر؟

هنا ثلاثة تفسيرات:

التَّفسير الأوَّل: من القَدَر بمعنى القضاء

لأنَّها اللَّيلة التي يُقضى فيها بما يكون في السَّنة بأجمعها.

  • عن الإمام الرِّضا (عليه السَّلام): «…، و﴿فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ﴾.([1])

…، وَيُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنْ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أوْ مَضَرَّةٍ أوْ مَنْفَعَةٍ، أوْ رِزْقٍ أوْ أجَلٍ؛ ولِذَلِك سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، …».([2])

التَّفسير الثَّاني: من القَدْر بمعنى الشَّرف، وعظيم الشَّأنِ، من قولهم: من قولهم رجل لهُ قدْرٌ عِند النَّاس، أي: منزلة، وشرف.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ …﴾.([3])

أي ما عظَّموه حقَّ تعظيمه.

فسُميت هذه اللَّيلة ليلة القدر:

– لشرفها وعِظَم شأنها.

– أو لأنَّ للطَّاعاتِ فيها قدرًا عظيمًا.

– أو لأنَّه أُنزل فيها كتابٌ لهُ قدْر إلى رسولٍ ذي قدْر.

التَّفسير الثَّالث: مِن القدْر بمعنى الضِّيق لأنَّ الأرض تضيق فيها بالملائكة.

ولا مانع أن تكون المعاني الثَّلاثة مقصودة.

 

العنوان الثَّاني: في تعيين ليلة القدر

(1) آراء المذاهب الأخرى

– إنَّها في تمام السَّنة

– إنَّها مجموع شعبان وشهر رمضان

– إنَّها أوَّل شهر رمضان

– إنَّها ليلة النِّصف من شهر رمضان

– إنَّها في العشر الأواخر

– إنَّها ليلة 27 من شهر رمضان

 

(2) رأي الشِّيعة الإماميَّة

(إنَّها في شهر رمضان)

والرِّوايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السَّلام)

– بعضها يُطلق ولا يُحدِّد

– وبعضها يحصرها في العشر الأواخر

– وبعضها يُعيِّنها في ليالي خاصَّة

(ليلة 19، ليلة 21، ليله 23، ليلة 27)

– أشهر الرِّوايات والأقوال أنَّها ليلة 23.

  • رُوي عن الإمام الباقر (عليه السَّلام) كما جاء في الوسائل:

«إِنَّ الْجُهَنِيَّ أَتَى النَّبِيَّ (صلَّى الله عليه وآله) فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِبِلًا وَغَنَمًا وَغِلَّةً فَأُحِبُّ أَنْ تَأْمُرَنِي بِلَيْلَةٍ أَدْخُلُ فِيهَا فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.

فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) فَسَارَّهُ فِي أُذُنِهِ.

فَكَانَ الْجُهَنِيُّ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ دَخَلَ بِإِبِلِهِ وَغَنَمِهِ وَأَهْلِهِ إِلَى المدينةِ».([4])

  • وفي رواية عن الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) وقد سُئل عن ليلة القدر فقال:

«تِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَثَلَاثٌ وَعِشْرِينَ.

[فقال السَّائل]: فَإِنْ أَخَذَتْ إِنْسَانًا الفَتْرَةُ أَوْ عِلَّةٌ مَا المُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ؟

فَقَالَ: ثَلَاثٌ وَعِشْرِينَ».([5]

                                             

العنوان الثَّالث: دلالات ليلة القدر

أوَّلًا: ليلة القدر هي ليلة القرآن فيجب أن نعمق علاقتنا بالقرآن

– تلاوةً

– انصهارًا

– تدبُّرًا

– تمثُّلًا

– فاعليَّة

 

ثانيًا: ليلة القدر ليلة العروج الرُّوحي

ولكي تؤدِّي هذه اللَّيلة دورها في إنتاج هذا العروج مطلوب أن نتوفَّر على:

(1) طهارة القلب

(2) حضور القلب

(3) خلوص النيَّة

(4) طهارة البطن عن الحرام

(5) عدم الإسراف في الأكل

(6) تجنب المعاصي والذُّنوب

 

ثالثًا: ليلة القدر هي ليلة التقويم والمحاسبة والتَّوبة

أفضل أعمال هذه اللَّيلة

– المحاسبة والمراجعة والتَّقويم

– التَّوبة والإنابة إلى الله

و(للتَّوبة النَّصوح شروطها).

 

رابعًا: البرنامج الشَّامل لهذه الَّليلة

(1) الممارسات العباديَّة

(2) التَّفقه في الدِّين

(3) التَّواصل الاجتماعي، وتصفية الخلافات، وقضاء حوائج الإخوان

(4) النَّشاطات الدِّينيَّة

 

كلمة أخيرة

نحن على أعتاب العشر الأواخر من هذا الشَّهر الفضيل بكلِّ بركاتِها وفيوضاتِها الكبيرة.

ونحن نتنسم نفحاتِ ليلةِ القدرِ العظيمة.

وحيث تتَّجهُ القلوبُ إلى عيدِ الفطر المبارك بكلِّ فُيوضاتِهِ الرَّبَّانيَّة الكريمة، وبكلِّ عطاءاتِه المشحونةِ بالخيرِ والبركاتِ.

فهلْ يشهدُ هذا الوطن عيدًا يملأ القلوبَ بالفرحةِ والبهجةِ والرِّضا والاطمئنانِ؟

وهلْ نجد أحبَّةً لنا عاشوا طويلًا نزلاءَ السُّجون أن نجدَهُم بيننا، يُشاركوننا فرحةَ العيد السَّعيد؟

هكذا تتَّجهُ قلوبُ الآباءِ والأمَّهاتِ، وقلوبُ الزَّوجات والأولاد والأخوات.

تتَّجهُ هذه القلوبُ مملوءةً بالأملِ الكبير.

وكم هو مفجعٌ لهذه القُلوبِ أنْ يموت في داخلها هذا الأملُ، ليتحوَّل دموعًا وحَسَراتٍ.

لا أظنُ أنَّ هذا خيارٌ رشيد، ولا أظن أنَّ هذا قرارٌ صائب، مهما كانت الحِساباتُ والقناعاتُ.

اعتدنا غيرَ ذلك لتكبر الفرحةُ، وتتعانق القلوبُ، وتنتهي المكدِّرات وتصمت الآهات، وتسكت الدُّموعُ.

ما أسوأَ أنْ تمتلأ العيون بالدُّموعِ في يومٍ أراده الله أنْ يكونَ يومًا تنتشي فيه الأرواح، وتنشط فيه الأفراح، وتنتهي فيه الأتراح.

وقد آن الأوانُ أنْ تعالج كلَّ الأزمات في أوطاننا الحبيبة، إنَّه الخيار ولا خيار غيره، إنَّه الأمل ولا أملَ غيره، إنَّه القرار ولا قرار غيره.

إذا أردنا للشُعوبِ أنْ تكون مخلصةً كلَّ الإخلاص للأنظمةِ وللأوطانِ، فلتقارب همومَها وآلامها وكلَّ قضاياها.

والمقاربة لا تعني كلمات، ولا تعني خطابات، ولا تعني شعارات.

وإنَّما تعني معالجاتٍ جريئة وجادَّةً وصادقةً لكلِّ الأزمات ولكلِّ المكدِّراتِ.

ومَنْ يتحمَّل هذه المسؤوليَّة؟

يتحمَّلها الأنظمة الحاكمة أوَّلًا وثانيًا وثالثًا وعاشًرا.

وتبقى مسؤوليَّة الشعوب أنْ تُساند كلَّ الخيارات الصَّائبة التي تشكِّل خياراتِ إصلاح وبناء لكلِّ أزماتِ الأوطان.

ولستُ هنا في صدد مقاربةِ ما يعيشُه شعبنا في وطننا هذا من هموم، ومن الطَّبيعي أن تكون هناك هموم مطلوب مقاربتها بكلّ صراحة وبكلِّ أريحيَّة.

وإذا أردت أن أطرح نموذجًا عاجلًا فهي أزمة البطالة على رأسِ قائمة الأزمات.

لماذا يتعلم أبناؤنا؟

لماذا يتخصَّصُوا؟

لكي يعيشوا البطالة والعطالة؟!

لكي يجدوا المواقع والوظائف يملأها وافدون وأجانب؟!

لسنا ضدَّ الاستفادة من كلِّ الخبرات الخارجيَّة إذا كانت تشكِّل حاجة وضرورة لهذا الوطن.

أمَّا إذا توفَّر في أبناء هذا الوطن مَنْ يملك الكفاءات والقدرات والتَّخصُّصات فحرام أنْ تبقى هذه الاستعدادات معطَّلة وضائعة، أو لا تملك ما يوفِّر لها الحد الأدنى من لقمة العيش.

فكيف إذا تمَّ إرهاق المواطن بضرائب…؟

وكيف إذا تمَّ رفع الدَّعم عن الكهرباء والمحروقات؟

وكيف إذا تفاقم الغلاء وارتفعت الأسعار؟

إذا كان هناك عجزٌ ودَينٌ عام على الدَّولة فيجب أنْ يُعالج هذا العجزُ وهذا الدَّينُ بعيدًا عن جيوب المواطنين الذين أرهقتهم أوضاعُ المعيشة.

نحن مع أيِّ مشروع يتَّجه إلى معالجة أزمات الاقتصاد، ولكن يجب أن لا يكون هذا العلاج على حساب المواطنين والعاطلين.

ولا أعتقد أنَّ الدَّولة لا تملك الخيارات البعيدة عن إرهاق المواطنين؛ والتي تدفع بالمزيد من الأزمات في حياتهم المعيشيَّة.

هكذا يتشكَّل التَّقارب بين الأنظمة والشُّعوب.

وهكذا تنتهي مكدِّرات الأوطانِ.

وهكذا تُعالج الأزمات.

فلا يهدف الخطابُ حينما يتعاطى مع هذه القضايا إنتاج التَّوتُّرات، فليس هذا هو هاجس الخطاب، وإنَّما الهاجسُ كلُّ الهاجس هو حمايةُ الوطنِ من كلِّ المؤزِّمات، وتجسيرُ العلاقاتِ، وتجذيرُ الثِّقة، وإنتاج المحبَّة، وخلقُ الاستقرار.

هذه العناوين التي تؤسِّس لبناء الأوطان، ورفاه الشُّعوب، وصلاح الأنظمة ما دامت النَّوايا صادقة، وما دمت الكلمات واثقة.

أمَّا الصَّمت، وأمَّا المدارات مهما كانت المبرِّرات فهو خيارٌ ضارٌّ، ومُجذِّر للأزماتِ، وهذا ليس في صالح الأنظمة، وليس في صالح الشُّعوب، وبالتَّالي ليس في صالح الأوطان.

سدَّد الله الخطى، وأصلح النَّوايا، وقارب بين القلوب، وحمى الله هذا الوطن وكلَّ أوطانِ المسلمين من كلِّ المحن والفتن وجميع المكدِّرات.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

 

 

[1]– سورة الدُّخَان: الآية 4.

[2] – الحرُّ العاملي: وسائل الشِّيعة 10/242، (ب 1: وجوب صومه)، ح 13319/ 6.

[3]– سورة الأَنۡعَام: الآية 91.

[4]– الحر العاملي: وسائل الشِّيعة 10/359، ح (13605) 16.

وجاءت الرِّواية في إقبال الأعمال هكذا:

«إِنَّ الْجُهَنِيَّ أَتَى النَّبِيَّ (صلَّى الله عليه وآله) فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِبِلًا وَغَنَمًا وَغِلَّةً فَأُحِبُّ أَنْ تَأْمُرَنِي بِلَيْلَةٍ أَدْخُلُ فِيهَا فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.

فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) فَسَارَّهُ فِي أُذُنِهِ.

قَالَ: فَكَانَ الْجُهَنِيُّ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ دَخَلَ بِإِبِلِهِ وَغَنَمِهِ وَأَهْلِهِ وَوُلْدِهِ وَغِلْمَتِهِ فَكَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا أَصْبَحَ خَرَجَ بِأَهْلِهِ وَغَنَمِهِ وَإِبِلِهِ إِلَى مَكَانِهِ».

ابن طاووس: إقبال الأعمال، ص 207.

[5]– الحر العاملي: وسائل الشِّيعة 10/357، ح (13597) 8.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى