آخر الأخبارشهر جمادى الثانية

حديث الجمعة 654: حاجة أجيالنا النِّسائيَّة في هذا العصر لترسَّم خُطى الزَّهراء (ع) – كلمة حول أحداث السَّاحةُ العربيَّة الأخيرة (أحداث سوريا)

مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول حديث الجمعة (654) التاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 10 جمادى الآخرة 1446هـ الموافق: 12 ديسمبر 2024 م

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّد الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ الهُداةِ الميامين.

السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.

لا زلنا مع موسمِ الصِّدِّيقةِ الزَّهراء (عليها السَّلام)، هذا الموسمُ الغنيُّ بالعطاءاتِ الفكريَّةِ والرُّوحيَّةِ والأخلاقيَّةِ والسُّلوكيَّةِ والاجتماعيَّة والرِّساليَّة.

ونجاحُ الموسم حينما تنجح برامج الإحياء:

– حينما ينجح خطابُ الموسم.

– حينما تنجح إدارات الموسم.

– حينما ينجح جمهور الموسم.

هناك كثافة في مجالس الإحياء في المآتم وفي البيوت.

ولكن العبرة ليست بهذه الكثافة.

العبرة بمستوى العطاء.

وماذا يعني مستوى العطاء؟

يعني ارتقاء مستوى الخطاب.

ويعني ارتقاء مستوى الامتثال والتَّطبيق.

إذا انخفض مستوى الخطاب كانت المعطيات منخفضة، وإذا انخفض مستوى الامتثال كان الإحياء شكليًّا.

قد يُقال: إنَّ المطلوب إحياء ذكرى الصِّدِّيقة الزَّهراء (عليها السَّلام) ولادةً وشهادة، وهذا يتحقَّق في إقامة المجالس.

هذا كلام صحيح، ولكن ماذا يعني إحياء ذكرى الصِّدِّيقة الزَّهراء (عليها السَّلام)؟

إنَّه عنوانٌ في غاية الأهمِّيَّة والخطورة.

فالزَّهراء (عليها السَّلام) هي الإسلام المتجسِّد في كلِّ مضامينه، في كلِّ قِيَمِهِ وأخلاقِهِ، في كلِّ ممارساتِهِ ومعطياته، في كلِّ جهادِهِ وتضحياتِهِ.

فكم هي حاضرة هذه المضامينُ في موسم الزَّهراء (عليها السَّلام)، وكم هي حاضرةٌ هذه القيمُ والأخلاقُ، وكم هي حاضرة هذه الممارساتُ والمعطياتُ، وكم هو حاضر هذا الجهاد، وكم هي حاضرة هذه التضحيات؟

وكيف يؤسِّس موسمُ الصِّديقةِ الزَّهراءِ (عليها السَّلام) لهذا الحضور؟

كما قلنا:

من خلال خطابٍ ناجح.

ومن خلال تمثُّلٍ ناجح.

فإذا استطاع الموسمُ من خلال خطابه أنْ ينفتح على أجيال المرأة المسلمة في هذا العصر انفتاحًا واعيًا، وانفتاحًا فاعلًا كان موسمًا ناجحًا.

صحيح أنَّ الصِّدِّيقة الزَّهراء (عليها السَّلام) لكلِّ الأجيالِ رجاليَّة ونسائيَّة، إلَّا أنَّها وهي تحمل هذا العنوان الكبير (سيِّدةَ نساءِ العالمين)، كما قال عنها أبوها سيِّد المرسلين (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، مطلوبٌ أنْ تكون النَّموذج الأعلى لكلِّ نساء العالم، ممَّا يفرض استحضارَها في كلِّ الأعصر والأزمنة؛ لتكون القدوة في صناعة الأجيال النِّسائيَّة.

وكم الحاجة كبيرةٌ وملحَّةٌ أنْ تترسَّم أجيالنا النِّسائيَّة في هذا العصر خُطى الصِّدِّيقة الزَّهراء (عليها السَّلام).

هنا تُطرح إشكاليَّةٌ تقول:

الزَّهراء (عليها السَّلام) نموذج من التَّاريخ، صاغته ضرورات ذلك الزَّمان، وهي ضرورات مغايرةٌ تمامًا لضروراتِ عصرنا الحاضر، فكيف نستعير نموذجًا من التَّاريخ تشكَّل وِفق حيثيَّات تلك المرحلة التَّاريخيَّة ليكون هذا النَّموذج عنوانًا تترسَّمه أجيال العصر الحاضر، هذه الأجيال التي تشكَّلت وِفْق متطلَّبات عصريَّة، ووِفق معايير جديدة ممَّا يخلق تعقيدات صعبة جدًّا أمام أجيال المرأة المعاصرة. فكلُّ شيئ تغيَّر في حياةِ هذه المرأة: الأزياء، العادات، الحاجات، الضَّرورات، التَّحدِّيات، …

فحينما نستعير لها نموذجًا من التَّاريخ بكلِّ موروثاته وضروراته، سوف يتشكَّل في حياة المرأة المعاصرة الكثير من التَّأزمات، والكثير من التناقضات، والكثير من المفارقات.

كيف نعالج هذه الإشكاليَّة؟

كيف نؤسِّس لضرورة أنْ تكون الصِّدِّيقة الزَّهراء (عليها السَّلام) هي النَّموذج الصَّالح لكلِّ الأجيال إلى أخر أشواط البشريَّة؟

كما كان أبوها سيِّد الأنبياء (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو النَّموذج الأرقى لكلِّ البشريَّة من بداية البشريَّة وحتى نهايتها.

وكما كان بعلُها أمير المؤمنين (عليه السَّلام).

وكما كان الأئمَّةُ من ذريتها (عليهم السَّلام).

هم المثل العليا حتى نهاية التَّاريخ.

أمَّا كيف نعالج الإشكاليَّةَ الآنفة المطروحة؟

فنقول:

أوَّلًا: نسلِّم بوجود متغيَّراتٍ عصريَّةٍ كبيرة جدًّا قد حدثت، وقد أنتجت العصورُ المتأخِّرة ضروراتٍ جديدةً، وأنَّ المرأة في العصرِ الحاضرِ غير المرأةِ في عصر الرِّسالة، لها تفكيرها المتغيِّر، ولها حاجاتها التي فرضها هذا العصر، فلا يمكن التَّغافل عن هذه المتغيِّرات وهذه المستجِدَّات وإلَّا حدثت تأزُّمات صعبة في حياة المرأة.

وبناءً على هذه الرُّؤية فإنَّ المشروع الذي يُراد له أنْ يصوغ المرأة في هذه العصور الجديدة مطلوبٌ منه أنْ يضع في حسابه كلَّ المتغيِّراتِ والمستجدَّاتِ، وكلَّ الحاجاتِ والضَّروراتِ المتجدِّدةِ.

 

ثانيًا: إذا كان الزَّمانُ متغيِّرًا، وإذا كانت الضَّروراتُ متجدِّدةً حسب هذه التَّغيُّرات فإنَّ هناك مكوِّناتٍ وحاجات وضرورات ثابتة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل.

من هذه المكوِّناتِ والحاجاتِ والضَّروراتِ:

(1) العقيدة الإيمانيَّة (الإيمانُ بالله، الإيمانُ بأنبياء الله، الإيمانُ بالآخرةِ والحسابِ والجنَّةِ والنَّارِ) هذه ضرورات عقائديَّة وُجدت منذ وُجد الإنسان، وتبقى ما بقى الإنسان.

(٢) الثقافةُ الإيمانيَّة: هي الأخرى ضرورةٌ في كلِّ الأزمنةِ، وفي كلِّ الأمكنة.

كانت ضرورة في عصر آدم، وفي عصر نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وفي عصر خاتم الأنبياء، وهي ضرورة مهما تغيَّر الزَّمان والمكان.

(۳) القِيَمُ الرُّوحيَّةُ والأخلاقيَّة، هذه القِيَم تشكِّلُ ضروراتٍ في الأزمنة والأمكنة.

وهل مأساة العصور المتأخِّرة إلَّا غياب المُثُل والقِيَم الرُّوحيَّة والأخلاقيَّة، وما لم يعالج هذا الغياب فسوف يبقى إنسانُ هذا العصر في أزماتِهِ الكبيرة.

(٤) العبادة الرَّبانيَّة: فمنذ خُلق هذا الإنسان، وخُلقَ قبله الجانّ صدر تكليفُ العبادة لله الواحدِ القهَّار، وهل انحرفت حياة الإنسان إلَّا حينما عَبَد الشَّيطانَ وترك عبادة الرَّحمان، إذن لا يمكن أنْ تنتهي الحاجة إلى عبادة الله، لتُستبدل بعبادة الشَّيطان والهَوى والطَّاغوت.

(5) فقه الحياة المستمد من شريعة الله تعالى لا تنتهي الحاجة إليه ما دامت الحياةُ قائمة، ولا يغني عنه ما يبتكره عقلُ الإنسانِ من قوانين تحمل كلَّ القصور والعجز والفشل والخلل والارتباك.

(6) الدَّعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وإصلاح الواقع الثَّقافي والأخلاقي والتَّربوي والاجتماعي والسِّياسي عناوين كبرى لا تنتهي الحاجة إليها في كلِّ الأزمنة والأمكنة.

هذه ضرورات ثابتة لا تنتهي الحاجةُ إليها في كلِّ الأعصر والأزمنة.

 

ثالثًا: وحينما تُطرحُ الصِّدِّيقةُ الزَّهراءُ (عليها السَّلام) مثلاً أعلى لكلِّ أجيالِ المرأة، فهل تمثِّل تلك المكوِّنات الآنفة في أرقى مستوياتها:

– مكوِّنات العقيدة الإيمانيَّة.

– مكوِّنات الثَّقافة الإيمانيَّة.

– مكوِّنات القِيَم الرُّوحيَّة والأخلاقيَّة.

– مكوِّنات العبادة الرَّبانيَّة.

– مكوِّنات الرُّؤية الفقهيَّة.

– مكوِّنات الحركيَّة الرِّساليَّة.

فالانفتاح على الصِّدِّيقة الزَّهراء (عليها السَّلام) انفتاح على كلِّ هذه المكوِّنات.

فلا غنى عن الصِّدِّيقة الزَّهراء (عليها السَّلام) في كلِّ الأزمنة والأعصر.

وسوف تبقى الزَّهراء (عليها السَّلام) النَّموذج الذي يقود مشروع النُّهوض بالمرأة في كلِّ عصر وزمان وفي كلِّ أرض ومكان.

 

كلمة أخيرة

تزدحمُ السَّاحةُ العربيَّة بأحداثٍ بالغةِ الحساسيَّةِ والخطورةِ، ما حدث في سوريا فتح شهيَّةَ الكيانِ الغاصبِ على التَّمدُّدِ والاتِّساع، فها هو زحفهم على الأراضي السُّوريَّة، وها هو بطُشهم يتصاعدُ، وها هو عدوانُهم الطائش يستمر، ففي غزَّة يقتلون ويدمِّرُون، يقتلون أطفالًا ونساءً وشيوخًا وكلَّ من تطالُهُ أسلحتهم الفتَّاكة، ولم يستثنوا دور عبادةٍ وملاجئ ومستشفيات، هكذا أبرزوا كلَّ شراستِهم وعدوانِهم وقمعِهم ولؤمِهم وحقدِهم ولم يتجنَّ عليهم القرآن حينما قال عنهم:

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ …﴾. (سورة المَائـِدَة: الآية 82)

هم بالأمسِ حينما حاربوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم)، وحاربوا المسلمين ومارسوا كلَّ المكرِ والعِداءِ للمسلمين. فكلُّ الحروب التي شُنَّت على المسلمين في ذلك العصر كان لليهود ضلع فيها، بصورة مباشرة وغير مباشرة، متوسِّلين بكلِّ الوسائل.

هكذا تآمروا على الإسلام والمسلمين بالأمس ولا زالوا يتآمرون، وكلَّ الواقع في هذا العصر شاهدٌ على هذا التآمر، وامتدادهم الجائر على الأراضي السُّوريَّة في زحمة الأحداث عنوانٌ واضحٌ على مشروعهم التَّوسُّعي الخطير، فهل يستيقظ العرب والمسلمون ليتوحَّدوا في مواجهة هذا المشروع المرعب الذي لا تقف أمامه أيَّةُ خطوطٍ حمراء، ولا أيَّة قِيَم؛ لأنَّ هؤلاء لا يؤمنون بوجود أيَّة خطوط حمراء، ولا يؤمنون بأيَّة قِيَم، إلَّا قِيَم الغدر، والسُّوء والمكر والفساد في الأرض.

ففي أيَّة بقعةٍ تطأها أقدامُهم الملوَّثة سوف يعيثون، ويفسدون، ويدمِّرُون، فكم عبثوا وأفسدوا، ودمَّروا في فلسطين، وفي لبنان، وها هي مؤسَّسات العدل الدُّوليَّة تصرخ مطالبة بإدانتهم ومحاكمتهم.

وان كانت هناك أصوات في العالم تدافع عنهم مباركة كلَّ بطشِهم، وكلَّ طيشِهم، وكلَّ عبثِهم، وكلَّ عدوانِهم.

هكذا تنقلب المعايير في هذا العصر الموبوء، وهكذا يموت الضَّمير، وتموت القِيَم.

هنا ضرورة أن يستيقظ العقل عند أمَّتنا العربيَّة والإسلاميَّة، وعند أنظمتنا، وعند شعوبنا، هنا ضرورة أنْ تتوحَّد المواقف، هنا ضرورة أن يرتفع الصَّوت المدافع عن قضايا أمَّتنا، وقضايا شعوبنا في هذا الزَّمن البائس، وفي هذا العصر المشحون بالتحدِّيات، هنا يأتي دور الخطاب الأمين على قضايا أمَّتنا وشعوبنا، وبقدر ما يستيقظ هذا الخطاب، وبقدر ما يكون الخطاب راشدًا وجريئًا، تكون الحراسة لكلِّ المسارات ولكلِّ الأهداف الصَّالحة، فنحن في زمن الزَّيف والغبش والتَّشويش، وطمس الحقائق.

فكم هو دور الكلمة الواعية البصيرة؟

وكم هو دور الكلمة الكفوءة الجريئة؟

وآخر دعوانا أنْ الحمد للهِ ربِّ العالمين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى