حديث الجمعةشهر صفر

حديث الجمعة:189: شعار المجلس العلمائيّ لهذا العام(1) – العلاقات مع الأنظمة الحاكمة بين الرسوخ والاهتزاز – هل يجوز أن يغلق بيت من بيوت الله؟

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله ربِّ العالمين وأفضل الصّلوات على سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين…


شعار المجلس العلمائيّ لهذا العام:
«اقرأ إسلامك» هو شعار المجلس العلمائيّ لهذا العام.
كيف نفهم هذا الشعار؟ وكيف نمارس هذا الشعار؟
أيّ شعارٍ يُطرح لابد من التعامل معه على مستويين: مستوى الفهم ومستوى التطبيق..


إذا غاب الفهم الصحيح للشعار، انحرف الشعار عن أهدافه، وإذا غاب التطبيق تحوّل الشعار كلامًا نظريًا لا قيمة له..
قال الله تعالى: «الَّذِين َقَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمّ َاسْتَقَامُوا».
وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ».
وتأسيسًا على هذا التزاوج بين الفهم والممارسة نحاول أن نقف بعض الوقت مع شعار المجلس العلمائيّ «اقرأ إسلامك»:
أوّلاً: كيف نفهم هذا الشعار؟
ماذا تعني القراءة هنا؟
هل تعني المطالعة في كتاب؟
القراءة تعني «حركة التعاطي مع مصادر المعرفة والثقافة»..
هذه الحركة من التعاطي مع مصادر المعرفة والثقافة هي التي تشكّل (وعي الإنسان) و(فهم الإنسان) (فاقرأ إسلامك) افهم إسلامك، اعرف إسلامك، املك وعيًا بإسلامك، املك بصيرة بإسلامك..
ثانيًا: كيف نمارس هذا الشعار؟
أن نمنهج حركة التعاطي مع مصادر المعرفة..


ما هي مصادر المعرفة بالإسلام؟
(1) القرآن الكريم: المصدر الأوّل لمعرفة الإسلام…..
وكيف تتعرّف على ثقافة الدين من خلال القرآن:
أ‌- المواظبة على قراءة القرآن مع التدبّر في آياته «أَفَلا يَتَدَبَرونَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» (لا خير في قراءة لا تدبّر فيها).
ب‌-  قراءة كتب التفسير (كلّ حسب مستواه).
ج- حضور الدروس القرآنيّة.
د- الاستماع إلى المحاضرات القرآنيّة (توجد مواقع متعدّدة لهذه المحاضرات القرآنيّة).


نتابع باقي المصادر في الحديث القادم إن شاء الله


العلاقات مع الأنظمة الحاكمة بين الرسوخ والاهتزاز:
لا يوجد شعبٌ ما في أيّ بلدٍ لا يريد أن تترسّخ علاقته مع نظامه الحاكم، إلاّ إذا كان هناك خللٌ ناتج من طبيعة الممارسات الصّادرة عن الحكم…
قد يقال: لماذا نتّهم الأنظمة دائمًا، فربما يكون الخلل ناتجُ من طبيعة الممارسات الصّادرة عن الشعب أو عن بعض الفئات في الشعب؟
هذا احتمالٌ ممكن، ولكن لمّا كانت الأنظمة الحاكمة هي الطرف الماسك بالملفات ولا توجد أسباب عقلائيّة تدفع الشعوب – وهي الطرف المتضرر – إلى تأزيم العلاقة مع الأنظمة- إذا كانت ممارسات الأنظمة عادلة وسليمة….


إذا كانت الشعوب قد توفّر لها الأمن والاستقرار والحريّة والعدالة، وممارسة  حقّها السّياسيّ وتوفّر لها السكن ولقمة العيش المجزيّة….
ووجدت دينها وقيمها وأخلاقها بخير…
فهل يبقى مبررٌ عقلائيّ لأن توتّر علاقاتها مع الأنظمة…..
إلاّ أن نفترض حال من العبثيّة تدفع في اتجاه التأزيم والصراع، وهذا افتراض من النادر جدًا أن يتحقّق…..
ربّما يتساءل البعض: أيّ مصلحة للأنظمة الحاكمة أن تؤزّم العلاقات مع الشعوب، فهذا يكلّفها الكثير الكثير من إمكانات الأمن وقدرات الحكم، ثمّ إنّها بذلك تفقد ثقة شعوبها وحبّهم وولائهم… فهل يعقل أن تمارس الأنظمة سياسات التأزيم والتوتّر وإرباكات الأمن؟


نجيب عن ذلك بالقول:
ربّما لا تقصد كثير من الأنظمة الحاكمة تأزيم العلاقات مع الشعوب، وليس من مصلحتها توتير الأوضاع، إلاّ أنّ الواقع السّياسيّ الخاطئ هو الذي ينتج الأزمات والتوتّرات والتشنّجات فالشعوب لا خيار لها في الأمر، ولا تتحمّل مسؤوليّة التأزيم والتوتير….
هذا لا يعني أنّ الشعوب لا تصدر منها أخطاء وأنّ القوى السّياسيّة المعارضة معصومة…
قد تصدر أخطاء من الشعوب، وقد تمارس قوى المعارضة أخطاء فاحشة….
إلاّ أنّ هذا الافتراض لا يمكن تحققه إلاّ في ظلّ الواقع السّياسيّ الخاطئ، حينما ترتبك معادلات السّياسة، ومسارات السّياسة وحينما تكثر أخطاء الأنظمة، حينئذٍ قد تنفلت المواقف، وترتبك الممارسات…..
الأنظمة الحاكمة، والأنظمة وحدها هي الأقدر على إنتاج العلاقات الحميمة والواثقة مع الشعوب.. وهي وحدها القادرة على إرباك هذه العلاقات وتأزيمها…
ليس في مصلحة الأنظمة، وليس في مصلحة الشعوب أن يحدث أيّ شكلٍ من أشكال التخاصم والتباعد والتأزيم في العلاقات بين الأنظمة والشعوب….
متوهمة كلّ التوهّم الأنظمة التي تتصوّر أنّها قادرة أن تملك حبّ شعوبها، وولاء شعوبها من خلال سياسات القمع والعنف ومصادرة الحريّات…..
سياسات العدل والإنصاف والرفق بالشعوب هي القادرة على أن تجسّر وتصلّب وتقوّي العلاقات، وتجذّر الحبّ والثّقة والوفاء…
ربّما تعتقد الأنظمة الحاكمة أنّ سياساتها سليمة وصائبة وأنّ الشعوب متوهمة حينما تسيء الظّن في الأنظمة، وحينما تتّهم سياساتها، أو أنّ هناك قوى تريد أن ترتبك العلاقات مع الأنظمة، فتخلق أجواء من التوتّر والتأزيم والإثارات….


أنا لا أتصور أن يحدث تباين بهذا المستوى في تقويم سياسات الأنظمة، بحيث تتحوّل السياسات العادلة الصائبة السليمة، من وجهة نظر الأنظمة إلى سياساتٍ ظالمةٍ خاطئةٍ فاسدةٍ في نظر الشعوب أو في نظر بعض القوى المعارضة..
 العدل والصواب والصلاح عناوينٌ واضحةٌ لا جدل حولها، ولا جدل في تطبيقاتها…
 لنفترض حدث هذا الاختلاف في تقويم السياسات ألا يمكن أن تكون هناك حوارات حقيقيّة صادقة بين الأطراف من خلالها تتمّ مراجعة كلّ السّياسات ليتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من هذه السّياسات……
 إذا كانت الأنظمة تقول: لا توجد سياسات تمييز، وما يجرى في مؤسسات الدّول لا يسمى تمييزًا….
 والقوى المعارضة تقول: توجد سياسات تمييز، وما يجري في مؤسسات الدول هو تمييز صارخ..


 فكيف تعالج هذه الإشكاليّة؟
 هل بالرّجوع إلى مؤسسات دوليّة محايدة؟
 هل بالحوارات الصريحة المكشوفة؟
 أعتقد أنّ الجلوس على طاولة واحدة، واعتماد لغة الصراحة، والتعاطي مع الموضوع بموضوعيّة ونزاهة وشفافيّة، والتحاكم إلى لغة الأرقام والشواهد… هذا الأسلوب هو القادر على حسم أيّ خلاف، وهو القادر على وضع العلاجات..
 وهكذا يمكن التعامل مع كلّ الملفات التي تشكّل أسباب تأزّم وتوتّر….
 إنّ إصرار الأنظمة الحاكمة على عدم وجود «ملفات تأزيم» هو تكريس لحالات التأزّم، الأمر الذي يدفع إلى مزيدٍ من التعقيد، وإلى مزيدٍ من التوتّر والاحتقان….


 كلمة أخيرة:
 لا زال مسجد الإمام الصّادق عليه السّلام مغلقًا في ليالي السبت، فإلى متى يستمرّ هذا الأمر؟ وهل يجوز أن يغلق بيت من بيوت الله؟
حرامٌ صريح هذا العمل، وانتهاكٌ واضحٌ لحرمة بيوت العبادة، واستفزازٌ خطيرٌ لمشاعر المؤمنين..


 ونخشى أن يقود استمرار هذا الغلق إلى تداعياتٍ صعبةٍ مضرّةٍ بأوضاع هذا البلد الذي أثقلته الأزمات والتوتّرات….
 إنّنا نؤكّد رفضنا لهذا الإجراء الذي لا يليق بسلطة في بلدٍ مسلمٍ كما نؤكّد مطالبتنا بفكّ هذا الحصار الذي يسيء إلى سمعة السلطة….
 ما تطرحه السلطة من مبرراتٍ غير كافٍ للقيام بتعطيل بيتٍ من بيوت الله وحرمان الناس من أداء العبادة، الإشكاليّات تحلّ من خلال (التفاهم والحوار) لا من خلال التعدّي على حرمة بيوت العبادة.
 نأمل أن لا تصّر السلطة على تجاهل النداءات المخلصة لهذا الوطن….


آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى