حديث الجمعةشهر ربيع الأول

حديث الجمعة 354: أسبوع الوحدة الإسلامية – مجموعة مفاهيم في السِّياسة مستوحاة من كلام أمير المؤمنين(ع)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضل الصَّلوات على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وعلى آله الهداة المعصومين، وبعد فمع العنوان التالي:


أسبوع الوحدة الإسلامية:
أبارك لكم ميلاد الحبيب المصطفى صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وميلاد سادس الأئمة من أهل البيت عليهم السَّلام الإمام جعفر بن محمَّد الصَّادق عليه السَّلام…


وفي التأريخ لميلاد الرسول الأعظم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم هناك قولان مشهوران عند المسلمين:
القول الأول: أنَّ الميلادَ المبارك حدث في الثاني عشر من شهر ربيع الأول في عام الفيل – الحادثة المعروفة والتي دوَّنها القرآن- واشتهر هذا القول عند المسلمين السُّنة.


القول الثاني: أنَّ الميلاد المبارك حدث في عام الفيل في السابع عشر من شهر ربيع الأوَّل واشتهر هذا القول عند المسلمين الشيعة الإمامية.


في ضوء هذا الاختلاف البسيط حول يوم الولادة المباركة نطرح هذا السؤال:
هل يمكن اعتماد ذكرى ميلاد النبي الأعظم صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مناسبة للوحدة والتقارب والتآلف بين المسلمين؟
ربَّما يدَّعي البعض أنَّ المناسبة تشكِّل مظهرًا من مظاهر الاختلاف وليس مظهرًا من مظاهر الائتلاف…


وقد عالج هذه الإشكالية المشروع الذي طرحته الثورة الإسلامية في إيران والمتمثل في (أسبوع الوحدة) والذي يبدأ في الثاني عشر من ربيع الأوَّل وينتهي في السابع عشر منه، وهذا انجاز كبير من انجازات هذه الثورة المباركة، وقد استطاع هذا المشروع أن يصنع من (التعدُّد) (توحُّدًا) ومن (الاختلاف) (ائتلافًا) واستطاع هذا الانجاز أنْ يؤسِّس لخلق أجواء التقارب والتفاهم والتواصل بين المسلمين…


فما أحوج الأمَّة بكلِّ مكوِّناتها المذهبية أنْ توظِّف هذا الأسبوع توظيفًا جادًّا وحقيقيًا في الدعوة إلى التآلف والتقارب، وفي التصدِّي لكلِّ مشروعات الفتنة والتجزءة وتفتيت التلاحم بين المسلمين…


فما أحوج المسلمين وشعوب الأمَّة الإسلامية في هذه المرحلة الصعبة المشحونة بالخطابات الطائفية البغيضة، وبدعوات التكفير التي استباحت الدماء والأرواح والأموال والأعراض، ودنَّست المقدَّسات، ونشرت الرُّعب والعنف والإرهاب في كلِّ الأوطان…


والأشنع في هذه الدعوات التكفيرية أنَّها تتمرَّس بالدين ونصوصه وعناوينه، مشوِّهةً بذلك سمعة الإسلام وملصقةً به أسوء التهم، فلا نكاد نجد حديثًا عمَّن يُسمّون بالجماعات الإسلامية إلَّا وتقترن بهم مفردات الإرهاب والعنف والتطرُّف…


هل هذا هو الإسلام؟ وهل هذا هو دين السَّماء؟ الإسلام دين التآلف والتقارب، وهو دين العدل والحق، وهو دين الأمن والسَّلام، وهو دين العزَّة والكرامة…


ومَنْ قدَّم إسلامًا غير هذا فهو مفترٍ كذَّاب، وهو ضالٌ مضلل، وهو مدلِّسٌ ومزوِّر…
نقرأ في كتاب الله قوله تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. (الأنبياء/92)
ونقرأ في كتاب الله قوله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ…﴾. (آل عمران/103)
ونقرأ في كتاب الله قوله تعالى:
﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ…﴾. (الأنفال/46)
ونقرأ في كلمات النبي صلَّى الله عليه وآله قوله:
«لا تتقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يهجر أخاه فوقَ ثلاث».


ونقرأ في كلمات الأئمة من أهل البيت عليهم السَّلام قول الإمام الصَّادق عليه السَّلام:
«لا يفترق رجلان على الهجران إلَّا استوجب أحدُهما البراءة واللعنة، وربَّما استحقَّ ذلك كلاهما، فقال له معتب: جعلني الله فداك هذا الظالم فما بال المظلوم؟
قال عليه السَّلام: لأنَّه لا يدعو أخاه إلى صلته ولا يتغامس له [يتعامس] عن كلامه [بمعنى: يتغافل أو يتعامى] سمعت أبي [يعني الإمام الباقر عليه السَّلام] يقول: إذا تنازع اثنان فعازَّ أحدهما الآخر، فليرجع المظلوم إلى صاحبه حتى يقول لصاحبه: أي أخي أنا الظالم حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإنَّ الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم للظالم».
هذا الكلام – طبعًا – لا يشمل الظلم الذي يمثل اعتداءً على حرمات الدين، وعلى الكرامات، والحريات، والأعراض، والأرواح، والمقدَّسات، فهذا الظلم يجب التصدِّي له ومواجهته متى توفَّرت إمكانيات التصدِّي والمواجهة، إلَّا أنَّ هذا محكوم لضوابط شرعية لا يجوز تجاوزها إطلاقًا، ولا يجوز الخروج عليها، ومن هنا شدَّد الإسلام في رفض الأساليب المتطرِّفة والظالمة وإنْ كان من أجل الوصول إلى أهداف مشروعة…
قد يقال: ما دامت القوى الظالمة – سواء كانت قوى حاكمة أو جماعات متطرفة – تمارس كلَّ الأساليب بلا ضوابط دينية وأخلاقية وقانونية، فلماذا لا يسمح مواجهتها بنفس الأساليب؟


من الطبيعي إنَّ دينًا قائمًا على قيم السماء، ومبادئ الحق، ونظافة الأهداف لا يمكن أنْ يسمح بالأساليب التي تتناقض مع قيمه ومبادئه وأهدافه النظيفة.
ولعلَّ قائل يقول: في دنيا السِّياسة لا محظورات ولا محرَّمات، ما دمنا نواجه سياسةً مملوءة بكلِّ أشكال الظلم والعبث والزور والفساد والالتواء…
إذًا لماذا نواجه هذه السِّياسة، إذا كنَّا نَظلم كما تظلم ونَعبث كما تعبث، ونزوِّر، ونفسد، ونلتوي كما تُزوِّر وتُفسد، وتلتوي…؟


في الكلمة المأثورة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السَّلام أنَّه قال:
«واللهِ ما مُعاويةُ بأدهى منِّي، ولكنَّهُ يَغْدِرُ ويَفْجُرُ، ولولا كَرَاهِيةُ الغدْرِ لكنتُ مِنْ أدْهى النَّاسِ، ولكنْ كلُّ غُدَرَةٍ [الكثير الغدر] فُجَرَةٌ [الكثير الفجور] وكلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ [الكثير الكفر] ولكلِّ غادرٍ لِواءٌ يُعْرَفُ به يومَ القيامةِ [حديث صحيح مروي عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله]
والله ما أُسْتَغْفَلُ بالمَكِيِدة، ولا أُسْتغْمُزُ بالشديدة».
– لا أُستغفلُ بالمكيدة: أي لا تستطيع الأساليب الماكرة والخادعة أنْ تستغفلني، فأنا أملك من البصيرة والخبرة ما يجعلني على دراية بكلِّ هذه المكائد، وإنْ كنت لا أقابلها بمكائد، وإنَّما بالأساليب النظيفة…
– ولا أُستغمزُ بالشديد: أي لا أستضعف بالقوة الشديدة، فأنا لست ضعيفًا في مواجهة أعتى القوة وأشدِّها…


تضع هذه الكلمة لأمير المؤمنين عليه السَّلام أمامنا مجموعة مفاهيم في السِّياسة:


المفهوم الأوَّل:
لا تُسوِّغ سياسةُ الدِّين الحقّ اعتمادَ الأساليب غير المشروعة، مهما كانت الأهداف نظيفة ومشروعة، وهذا يمثِّل فارقًا كبيرًا بين السِّياسيين الذين يلتزمون مبادئ الحق، والسِّياسيين الذين يلتزمون مبادئ الباطل…
فإذا كان انتصارُ الحقِّ على الباطل مطلوبًا فإنَّ هذا الانتصارُ يجب أنْ يعتمد أدوات الحق، وليس أدوات الباطل…


وهنا تأتي الحاجة الكبيرة في العمل السِّياسي إلى امتلاك (الرؤية الشرعية)، فإذا غابت هذه الرؤية انحرف مسار العمل السِّياسي عن جادَّةِ الحق، فإذا كان (الوعي السِّياسي) ضرورة لأيِّ حراك سياسي، فإنَّ (البصيرة الشرعية) تشكِّل الركيزة الأهم حماية لهذا الحراك من كلِّ المنزلقات والانحرافات والمتاهات…


 وهنا شرطٌ ثالث يجب أنْ يتوفَّر عليه الحَراك السِّياسي وهو (التقوى) وإلَّا سقط هذا الحراك في أهواء السِّياسة الضَّالة، وفي إغراءاتها الزائفة، وفي أغراضها الفاسدة…
إذًا غير مسموح إسلاميًا اعتماد الأدوات غير المشروعة ولا يبرِّر ذلك كون الأهداف نظيفة، فمقولة: (أنَّ الغاية تبرِّر الوسيلة) مقولة مرفوضة وفق معايير الشرع، فالغاية النظيفة يجب أنْ تُنظِّف الوسيلة، فلا يجوز أنْ يظفر بالغلبة بوسائل باطلة…
تُحدِّثنا بعض روايات التاريخ أنَّ أحد أصحاب الإمام الصَّادق عليه السَّلام حاور خصمًا له في حضرة الإمام عليه السَّلام واستطاع أنْ يتغلَّب عليه، فتصدَّى الإمام الصَّادق (ع) منتقدًا هذا الحوار، فقال لصاحبه المنتصر على خصمه: إنَّك تغلَّبت عليه بأسلوب فيه حقٌّ وباطل، وقليلٌ من الحقِّ يُغني عن كثير من الباطل…
فلا يسمح لنا الإسلام أنْ نتوسَّل لتحقيق أهدافنا المشروعة بأمور باطلة، وزائفة ومحرَّمة…


المفهوم الثاني:
في قوله «لا أُستغفلُ بالمكيدة» يضع لنا أمير المؤمنين عليه السَّلام مفهومًا سياسيًا مهمًّا جدًا وهو (ضرورة أنْ ندرس خطط الآخرين) بكلِّ دقةٍ ورويَّة خشية أنْ نسقط في (المكائد السِّياسية).
لا يعني هذا أنْ نعيش دائمًا سوء الظن فيما يطرحه الآخر، إلَّا أنَّه ليس في السِّياسة حسن ظنٍ مطلق، من الممكن أنْ نصل إلى القناعة بصدق النوايا السِّياسية لدى الآخر، ولكن بعد الدراسة المتأنية البصيرة…
إذا كان مرفوضًا في السِّياسة الحقَّة اعتماد كلِّ الأدوات غير المشروعة، والتي تتنافى مع مبادئ الدِّين وقيمه وأحكامه، فإنَّ هذا لا يعني أنْ نكون أغبياء في مواجهة تلك الأدوات التي يمارسها ضدَّنا الآخر الذي لا ينطلق من مبادئ الحق، وضوابط الشرع، وإلَّا استغفلتنا تلك الخطط والأساليب، وسقطنا في خدعها وألاعيبها…


صحيحٌ نحن لا يجوز أنْ نمارس تلك الأساليب، إلَّا أنَّه يجب أنْ نفهمها جيدًا لكي نحصِّن أنفسنا ضدَّها، ولكي نستطيع أنْ نواجهها ونسقطها…
وأكرِّر أنَّني لا أدعو بهذا الكلام إلى التشكيك المطلق بكلِّ المشروعات المطروحة في السَّاحة السِّياسية من قِبل الأنظمة الحاكمة أو القوى الأخرى لمعالجة الأزمات السِّياسية، ما أردت التأكيد عليه أنْ نقرأ تلك المشروعات قراءة متأنية وبصيرة لكي لا نستغفل – حسب تعبير أمير المؤمنين – وخشية السقوط في حبائل اللعب السِّياسية، ومتى ما حصل الاطمئنان وتوفَّرت القناعة، ووجدت كلّ الضمانات فلا مبرِّر للرفض والتشكيك…


المفهوم الثالث:
في قوله «ولا أُستغمزُ بالشديدة» يؤكِّد أمير المؤمنين عليه السَّلام على أنْ نكون أقوياء في مواقفنا السِّياسية، مهما كانت الأدوات التي تواجهنا عنيفة وقاسية وشديدة، لا بمعنى أنْ أمارس العنف والتطرُّف والإرهاب فهذه أدوات غير مشروعة في منظور الدِّين، وإنَّما يجب أن أتوفَّر على كل أدوات القوة السلمية والمشروعة، وهذا ما يفرض على حَراكنا السِّياسي أنْ يطوِّر من أدواته ما دامت في المساحات المشروعة، وما دامت في المساحات السلمية، وحتى لا يسقط هذا الحراك وحتَّى لا يضعف…
إنَّ تطوير الأداء السِّياسي من أهم عوامل القوة والنجاح والانتصار، وهذه مسؤولية العقول التي تقود الحَراكات السِّياسية، فكلّما توفَّرت هذه الحَراكات على عقول قادرة أنْ تطوِّر من الأداءات السِّياسية، فإنَّ هذا يدفع في اتجاه الثبات والصمود، وفي اتجاه تحقيق الأهداف…
إنَّ القراءة المتجدِّدة والمستمرة لاستراتيجيات العمل السِّياسي تعطي لهذا العمل حركيَّته واستمراريته، وقوته، وثباته، وتمنحه القدرة على الوصول إلى أهدافه وغاياته…


وإذا غابت هذه القراءة غابت الرؤية في محاسبة الأخطاء والإشكالات، وكلّما تراكمت هذه الأخطاء والإشكالات أصيب الحراك السِّياسي بالانتكاس والشلل والفشل والسقوط أمام المشروعات المضادة…
لا تعني المراجعة والمحاسبة الوقوف فقط عند الأخطاء والإشكالات بل تعني في الوقت ذاته اكتشاف عناصر القوة في هذا الحراك، من أجل الحفاظ عليها والإصرار على بقائها واستمرارها…


فما أكثر الحَراكات السِّياسية التي ماتت وانتهت وانهزمت لأنَّ القائمين عليها لم يمارسوا المراجعة والمحاسبة، فأضاعوا عوامل القوة في حراكاتهم، وتركوا لعوامل الضعف أنْ تمارس دورها في النخر والتآكل والدَّمار…


والخلاصة أن مناسبة المولد النبوي ومولد الإمام الصَّادق فرصة لإعادة صوغ واقعنا الثقافي والروحي والاجتماعي والسِّياسي وفق المبادئ الحقَّة التي أصَّلها إسلامُنا وقرآنُنا ونبيُّنا صلَّى الله عليه وآله، وأئمتنا عليهم أفضل الصَّلاة والسَّلام، وقيمة هذه المناسبة العظيمة بمقدار ما نوظِّفها في بناء واقعنا الإيماني والعملي، وخاصة بما يتصل بوحدة الأمَّة وتآلفها وترابطها في مرحلة باتت مشروعات التمزيق، وخطابات الفتنة، وجماعات التكفير تهدِّد كلَّّ الواقع الإسلامي، وتضع أمَّتنا أمام أخطر المنزلقات وأشرس المؤامرات.


وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى