الإمام الحسين الشهيد (ع)من وحي الذكريات

الخـطاب الحـســيني وضــرورات المـــرحـلة

بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا ونبينا وقائدنا محمد وعلى أهل بيتيه الطيبين الطاهرين .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


تواجه خطابنا الشيعي إشكالية تقول :
   
لماذا يؤكّد الخطاب الشيعي – دائماً – على (( نهج الحسيني – النهج الثوري ))، ويتغافل هذا الخطاب ((النهج الحسني – النهج السلمي )) ؟
هذه الإشكالية تحاول أن تنطلق من مبررات تاريخية ومبررات معاصرة.


1)  المبررات التاريخية :
إن الأئمة من أهل البيت (ع) – بعد واقعة كربلاء – لم يعتمدوا (( النهج الثوري ))، ولم يمارسوا (( التصدّي السّياسي ))، وإنّما اعتمدوا (( نهج المسالمة مع الأنظمة الحاكمة )) ومارسوا (( التصدّي الروحي والفقهي والثقافي )) .
فلماذا لا يعتمد الخطاب الشيعي المعاصر – خطاب العلماء والدعاة والمثقفين والسياسيين – النهج السلمي، ويخفّف من لغة الحماس الثوري، والتي ورّطت الواقع الشيعي والأجيال الشيعية – عبر تاريخ طويل – في الكثير الكثير من المعاناة والمحن والابتلاءات الصعبة .


2) المبررات المعاصرة :
    إنّ ضرورات الواقع المعاصر تفرض أن يعتمد الخطاب الشيعي لغة المصالحة والمسالمة خاصة وأنّ الشيعة في هذا العصر، في حاجة إلى تطبيع العلاقات مع أنظمة الحكم والسياسة القائمة .
وإنهّ ليضر بالواقع الشيعي وبالأجيال الشيعية أن يمارس الخطاب الشيعي – دائماً – لغة التعبئة الثورية، ولغة التصدّي والمواجهة .
حاجتنا في هذه المرحلة إلى الإندماج والتواصل مع الأنظمة الحاكمة، وإلى التعاطي مع المشروعات السّياسية القائمة .


فلماذا الإصرار على (( الخطاب الحسيني )) هذا الخطاب الذي يحمل لجماهير الشيعة الكثير من السلبيات والمخاطر والأضرار، نتيجة ما يفرضه هذا الخطاب من مواجهات وصدامات مع الأنظمة الحاكمة، ومع القوى السّياسية الأخرى المتحركة في الساحة.
ثم تؤكد الإشكالية القول :
بأنّه قد آن الأوان أن ينفتح الشيعة على خيار المسالمة والمصالحة مع الأنظمة الحاكمة ، بعد تاريخ طويل من الملاحقات والمطاردات، والاعتقالات والتصفيات، خاصة وأنّ بعض علماء العصر من الشيعة يدعون إلى مشروع المهادنة والتطبيع مع الأنظمة الحاكمة اعتمادا على مجموعة مبررات فقهية وسياسية .
هذه خلاصة الإشكالية …
• ولنا حول هذه الإشكالية عدة ملاحظات :
• الملاحظة الأولى :
إنّ الأئمة من أهل البيت (ع) – بعد واقعة كربلاء – لم يعتمدوا (( النهج الثوري المسلح )) لعدم توفر الشروط الموضوعية لهذا اللون من الممارسة الثورية المسلحة، ولذلك كان الأئمة (ع) يتصدون بقوة لحالات الاستنهاض السّياسي الثوري ذات الطابع العفوي الساذج أو المشبوه أحياناً .
ومن الشواهد التاريخية على ذلك :


1.  ذكر الكليني في الكافي :
أن سدير الصيرفي – أحد أصحاب الأئمة – قال للإمام الصادق (ع) : والله ما يسعك القعود، قال الإمام الصادق (ع) : ولم يا سدير ؟
قال سدير : لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك
 قال الإمام الصادق (ع) : وكم عسى أن يكونوا ؟
قال سدير : مائة ألف .
قال الإمام الصادق (ع) : مائة ألف ؟!
قال سدير : نعم ومائتي ألف .
قال الإمام الصادق (ع) : مائتي ألف ؟!
قال سدير : نعم ونصف الدنيا ..
قال سدير : فسكت عني، وذهبنا إلى ينبع .
فقال لي الإمام وهو ينظر إلى قطيع من الجداء :
(( والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود )) قال سدير : فعددتها فإذا هي سبعة عشر .


2. ذكر المسعودي في مروج الذهب :
 أنّ أبا سلمة الخلال بعث رسولاً إلى الإمام الصادق (ع) ومعه كتاب يذكر فيه استعداده للدعوة والتخلي عن بني العباس، فكان جواب الإمام الصادق (ع) : (( ما أنا وأبو سلمة وأبو سلمة شيعة لغيري ))، قال رسول أبي سلمة : إني رسول فتقرأ الكتاب وتجيبه .
فدعا الإمام الصادق (ع) بسراج ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق، وقال للرسول : (( عرّف صاحبك بما رأيت )) .


•  الملاحظة الثانية :
وإذا كان الأئمة بعد واقعة كربلاء لم يمارسوا – ولاسباب موضوعية – أيّ عمل ثوري مسلّح، إلا أنهم قاموا بعدة فعّاليات منها :
1) ترسيخ الثورة الحسينية في وعي الأمة وفي وجدانها، وقد استطاعوا من خلال ذلك أن يؤصلوا الحالة الثورية الجهادية عند الأمة، وأن يؤصلوا الروح الإستشهادية في حركة الأمة .
2) التثقيف الروحي والفكري والسّياسي من أجل إعداد الأمة للممارسة الثورية الواعية الرشيدة، فالحركة الثورية التغييرية تحتاج إلى مستوى كبير من الوعي والنضج والبصيرة .
3) ورغم أنّ الأئمة من أهل البيت (ع) قد جمدوا صيغة المواجهة المسلحة مع الأنظمة السياسية – ولأسباب موضوعية – إلاّ أنهم مارسوا دور الإسناد والتأييد لحركات ثورية مخلصة من خلال وسائلهم الخاصة كما فعلوا مع ثورة زيد بن علي بن الحسين وثورة الحسين صاحب فخ .


 • الملاحظة الثالثة :
إنّ الخطاب الحسيني لا يعني فقط (( الثورة والمواجهة المسلحة ))، وإنّما يعني أيضاً مجموعة أهداف تعطي لهذا الخطاب ضرورته في كل الأحوال والظروف والمراحل، من هذه الأهداف :
1. الخطاب الحسيني يربّي أجيالنا على إرادة الرفض والمواجهة للظلم والباطل والفساد والمنكر والانحراف، وأمّا أساليب المواجهة فتحددها الظروف الموضوعية المتحركة في كل مرحلة ، فمن الضروري جداً أن تبقى عند جماهيرنا (( إرادة الرفض )) لمواجهة كل أشكال الفساد والانحراف، وقد دأبت الأنظمة السّياسية الحاكمة على قتل هذه الإرادة عند الشعوب من خلال أدوات العنف تارةً، ومن خلال (( مشروعات التدمير الأخلاقي )) تارة أخرى.
 وهنا نؤكد على ضرورة أن تتعلم جماهيرنا من الخطاب الحسيني (( إرادة الرفض للباطل والفساد )) وأن تتصدى بقوة لكل المشروعات التي تدمر الأخلاق، ولكل الظواهر التي تهدد أصالة المجتمع، لماذا تنتشر في مجتمعنا البحريني هذه الأيام (( شبكات الدعارة ))، من المسؤول عن إنتشار هذه الشبكات، إننا نطالب السلطة في هذا البلد أن يوقفوا هذه العبث الأخلاقي، ونطالب الجماهير التي علمّها الحسين (ع) إرادة الرفض أن تمارس دورها في مواجهة هذا الإمتهان السافر لقيم البلد وأخلاقياته .
2. الخطاب الحسيني يرّبي أجيالنا على البذل والعطاء والتضحية من أجل المبدأ والعقيدة، إنّه من الخطر كل الخطر أن تموت عند الجماهير هذه الروح المعطاءة المضحية .
 ثورة الإمام الحسين (ع) علمتنا أن نعطي المال والدم والأرواح من أجل أن يبقى الإسلام وأن تبقى قيم الإسلام، ومن أجل كل قضايا العدل والحق، فالحسينيون هم السبّاقون للبذل والعطاء، وهذا شعبنا المظلوم في فلسطين يستصرخ ضمائر المسلمين، وهذه نساؤنا في فلسطين تستصرخ غيرة المسلمين، وهذه الطفولة البرئية المعذبة في فلسطين تستصرخ شهامة المسلمين، وهذه دماء الشهداء في فلسطين تخاطب كل المتخاذلين والصامتين والمتآمرين ….
•   فهل من مغيث ؟
إنهّ نداء الحسين يتحرك في كل زمان .
3.  الخطاب الحسيني يرّبي أجيالنا على التمسك بالقيم والمبادئ الإلهية، فمعركة كربلاء معركة قيم ومبادئ، وليست معركة حسابات ذاتية وغايات دنيوية .


خطاب الحسين (ع) يستنهض أجيال الأمة أن تقف صامدة ثابتة دفاعاً عن قيم الدين ومبادئ الإسلام، أن تقف صامدة ثابتة في مواجهة تيارات الضلال والغواية، تيارات التغريب والعلمنة التي تحارب القيم والمبادئ .
خطاب الحسين(ع) يستنهض أجيال الأمة أن توحد الصف، وأن تحذر المتلاعبين بقيم الوحدة، ومبادئ التقارب .
 إنّ وحدة الصف المؤمن من الأهداف الكبيرة جداً، والتي لا يجوز التفريط بها بأي حال من الأحوال، { إنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدونِ } .
 خطاب الحسين يستنهض علماء الأمة أن يمارسوا دورهم الجاد والصادق في تأكيد وحدة الصف المؤمن .
 ويستنهض خطباء الأمة أن يكونوا الدعاة المخلصين إلى وحدة الصف المؤمن، ويستنهض مثقفي الأمة أن يؤصّلوا مفاهيم الوحدة في داخل الصف المؤمن .
فالحذر الحذر من كل المحاولات التي تهدف إلى زرع الفتنة والخلاف والصراع في داخل صفنا المؤمن، والحذر الحذر من كل الممارسات التي تقلق الأجواء وتشتت الجهود، وتستهلك الطاقات، والحذر الحذر من الإنجرار إلى معارك جانبية، وخلافات هامشية، وجدليات استهلاكية عقيمة تميت في داخلنا همومنا الكبرى، وتطلعاتنا الأصيلة، وطموحاتنا الحقيقية .
 هل نبقى نتجادل حول (( جنس الملائكة )) وأعداء الإسلام يخططون للقضاء على قيمنا ومبادئنا ؟!
 هل نبقى نتجادل ونختلف في أنّ الدجاجة أصل البيضة أو البيضة أصل الدجاجة، والمؤامرات تتحرك للقضاء على هويتنا وأصالتنا ؟!
 من الجناية الكبرى في حق هذه الجماهير المؤمنة أن نزّيف وعيها، وأن ندجّن ثقافتها، وأن نعبأ عقلها بالأوهام والخرافات، وأن نرهق وجدانها ومشاعرها وأحاسيسها بالأحقاد والضغائن، وأن نثقل واقعها، وحركتها، وحياتها بالخلافات والتناقضات . 


 الملاحظة الرابعة :
إنّ ضرورات المرحلة الراهنة – والأمة تواجه معركة المصير مع الصهاينة المجرمين – تفرضُ أن يكون خطاب المرحلة هو (( خطاب الحسين (ع) – خطاب الثورة والجهاد والشهادة ))، هذا هو خيار المرحلة والخيار الآخر هو (( خيار الذل والهزيمة )) .


ومن المؤسف جداً أن أنظمتنا العربية والإسلامية وان قوى الثقافة، وقوى السياسية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأنّ خطابات القضية في إعلامنا العربي والإسلامي وفي كل المؤتمرات لا زالت جميعها تقف مع ((خيار الهزيمة)) .


إننا نطالب كل الأنظمة – إذا كانت صادقة – أن تقف مع خيار الثورة والجهاد والشهادة، ونطالب علماء الأمة أن يقفوا مع خيار الثورة والجهاد والشهادة ، ونطالب قوى الثقافة وقوى أن تقف مع خيار الثورة والجهاد والشهادة ، ونطالب جماهير إمتنا أن ترفع شعار الجهاد والثورة .


إنّ الغضب المقدّس الذي تفجرّ في شوارعنا العربية والإسلامية، غضب نحمل له كل الإجلال والتقدير والمباركة، إلا أنّ خيار الثورة والجهاد والشهادة هو الخيار الوحيد الذي يمكن أن يفهمه اليهود المعتدون .
فإذا كانت الأنظمة جادة في دعم القضية فيجب أن تهيء جماهير الأمة لمعركة الجهاد الكبرى مع الصهاينة وأن تتحرر هذه الأنظمة من هيمنة الخيار الأمريكي الذي يريد لهذه الأمة أن توقع وثقة الذل والعار مع الكيان الغاصب .   
إنّ أمتنا الإسلامية التي تركع وتسجد لله الواحد القهار، لا يمكن أن تقبل ((خيار الذل والهزيمة)) الإ إذا مات في داخلها حس الأصالة والإنتماء وهذا ما تحاول أنظمة السياسية وقوى العلمنة والتغريب أن تفرضه على هذه الأمة .


•  الملاحظة الخامسة :
و أمّا خيارات الشعوب العربية والإسلامية في علاقاتها مع الأنظمة السياسية الحاكمة، فمسألة تحتاج إلى صياغة أخرى، وإذا كان خيار أمتنا مع الكيان اليهودي الغاصب هو ” خيار الثورة والجهاد والشهادة ” .
•  فما هي خيارات شعوبنا في علاقاتها مع الأنظمة ؟
•  هل هي خيارات الصراع والمواجهة بين الإرادتين الشعبيه و الرسميه أو خيارات الحوار والمصالحة ؟
 إنَّ خيارات شعوبنا في علاقاتها مع الأنظمة الحاكمة خاضعة لمجموعة حسابات فقهيه وموضوعية،فلا يمكن أن نطلق (( خيار الثورة والمواجهة )) أو (( خيار المسالمة والمصالحة )) أو أيّ خيار أخر إلاّ من خلال دراسة دقيقةٍ متأنية، تحدّد الرؤية و الموقف وفق مبررات دينية وسياسية، وفق قراءات موضوعية.
من الصعب جداً، ومن الخطأ جداً أن يترك تحديد (( الخيار السّياسي )) في العلاقة مع الأنظمة إلى ((الرؤى المصلحية الذاتية)) أو (( الرؤى الإنفعالية المرتجلة )) ، فكثيراً ما تورط هذه الرؤى المصلحية و الإنفعالية، شعوب الأمة في مواقف إيجابية أو سلبية ، لها مردوداتها الخطيرة على كل الواقع الروحي و الثقافي و الإجتماعي و السّياسي لهذه الشعوب .
وحسب الإشكالية المطروحة فإنّها تتهم الخطاب الحسيني بأنّه يستنفر المشاعر الشيعية ضد الأنظمة السياسية الحاكمة، وهذا إتهام خاطئ، فالخطاب الحسيني يستنفر المشاعر الجماهيرية ضد الظلم و الفساد و الباطل و الإنحراف، فالانظمة التي تحتضن في سياساتها الظلم و الفساد و الباطل فمشاعر الجماهير المؤمنه يجب أن تستنفر ضدها، وهذا الإستنفار لا يعني (( خيار الثورة و المواجهة))، فهذا الخيار على مستوى الحركة و الفعل محكوم للحسابات الشرعية والموضوعية.
لقد برهن الوعي الشيعي، من خلال التعاطي مع الكثير من التجارب السّياسية في هذا البلد أو ذاك، وفي أزمنة تاريخية متعددة أنّه بمستوى مسؤوليات الموقف، وضرورات المرحلة.


• ولنأخذ ” المشروع السّياسي ” في البحرين نموذجاً فما هو موقف الخطاب الشيعي من هذا المشروع السياسي؟
لم يرفض هذا الخطاب التعاطي مع المرحلة الجديدة ومع مشروعها السّياسي، ولم يحمل عقدة التردد و الشك و الريبة ، ثقة منه بصدق النوايا و التوجهات.
لقد تعامل الخطاب الشيعي مع خطوات التغيير السّياسي بإيجابية، ومرونة، وشفافية، وإنفتاح، و حينما نتحدث بهذه اللغة لا نريد أن ننطلق من مزايدات رخيصة نكرهها كل الكرة، ولا من تبجحات باهته نبغضها كل البغض، وإنّما نريد أن نؤكد أنّ ما تتجه إليه الإشكالية من إتهام الخطاب الشيعي بالتشدد- دائماً – ضد الأنظمة السّياسية، ليس صحيحاً، ومن إتهام الخطاب الحسيني بأنّه يستنفر مشاعر العداء للأنظمة ليس واقعياً.
لقد أعطينا الثقة كل الثقة ولازلنا نعطي الثقة تعبيراً عن حسن النية في التعاطي مع المشروع السّياسي رغم التحفظات الكبيرة حول بعض مفرداته، وبعض تعديلاته، ورغم القلق الذي يعيش في داخلنا نتيجة الإجحافات الواضحة في حقنا والتمايزات الطائفية المكشوفة، والإساءات الإعلامية المتعمدة، ورغم، ورغم ….
 إلاّ أننا سنبقى الحريصين على إستمرار المشروع، ونجاح التجربة، ما دمنا نملك الأمل، وما دمنا نملك القدرة على الكلمة والتوجيه، والتصحيح .
 نسال الله تعالى أن لا يأتي اليوم الذي يموت فيه الأمل، وتختنق فيه الكلمة، وتنتكس فيه التجربة .
 لقد قال العلماء كلمتهم الجرئية الصريحة في لقاءاتهم مع المسؤولين، وسيبقون يقولون الكلمة، ما دامت هي الخيار الأسلم والأصلح، وما دامت التطمينات تبعث على الثقة .
الإّ أنّ هذه التطمينات إذا لم تتحول إلى واقع عملي، فسوف تهتز الثقة، وإنّ أخطر ما يواجه مشروع الإصلاح هو (( إهتزاز الثقة )) وكم كان لهذا الإهتزاز – في مرحلة الإحتقان السّياسي – من نتائج مدّمرة، على كل المستويات .
 وفي ختام هذا اللقاء أرى من الضروري أن أقول كلمة أخيرة حول هذه الضجة المفتعلة والتي تشهدها صحافتنا المحلية في هذا الأيام، ضجة التباكي على النهج الديمقراطي بسبب ما يسمونه بتوظيف الدين ومواقف علماء الدين في العملية الإنتخابية أو الإنحياز لهذا المرشح أو ذاك .
وقد إستخدام مثيرو هذه الضجة مختلف العبارات السيئة من أجل التأثير على وعي الجماهير .
 ولا شك أنّ هذه الضجة لها أهداف مفضوحة وإنها تعّبر عن حجم العقدة عند البعض من الدين ومن علماء الدين، كما تعّبر عن الهلع والخوف عند هؤلاء من سيطرة التيار الديني على ساحة الإنتخابات ، وإذا كان لنا أن نضع ملاحظاتنا حول هذه الضجة فيمكن أن نوجزها في النقاط التالية :


1) ما هي المشكلة القانونية في أن تعلن قوى دينية أو سياسية مواقفها في إسناد هذا المرشح أو ذاك متى توفرت القناعة بذلك، فمن حق المواطنين أفراداً ومؤسسات أن يمنحوا الثقة لمن يشاءون من المرشحين، وأن يحجبوا الثقة عمن يشاءون، ما دامت المعايير المعتمدة في المنح والحجب معايير مشروعة ونزيهة ونظيفة، من حق أي إنسان أن يحاسب المعايير المعتمدة في الإختيار، أما أن يطالب بمصادرة الحق في التأييد أو المعارضة فأمر غير وارد إطلاقاً، ولا يملك أيّ شرعية قانونية .


2) إنّ إعطاء الثقة من قبل علماء الدين لبعض المرشحين وحجبها عن البعض الآخر قد يشكل أحيانا ضرورة شرعية تحمي معطيات التجربة من الإخفاق والفشل والانحراف، فالمسؤولية الدينية والسياسية تفرض في هذه الحالة أن يكون الموقف العلمائي واضحاً و صريحا لا يخضع للمجاملات والمداهنات مهما كانت المبررات والحسابات ، ولن يجمد هذا الموقف ضجة تفتعل هنا أو صخب يثار هناك ، ما دامت الرؤئية واضحة وبصيرة .
إنّ حماية هوية البلد الايمانية وحماية قيمة و أخلاقيات أكبر و أكبر من أن يتعرض مرشح هنا او مرشح هناك إلى خسارة انتخابية في هذه الدائرة أو تلك ..


وكذلك حماية معطيات التجربة الانتخابية تفرض –حتى وفق حسابات الذين لا يؤمنون بمعايير الدين- أن يكون الناخب على بصيرة تامة بالنماذج التي تشكل ضرراً كبيراً على التجربة ، فمصلحة التجربة أهم من مصلحة الأفراد و الاشخاص .


3) إن إعطاء الثقة من قبل علماء الدين لبعض المرشحين لا يعني – في كل الحالات – المصادرة للآخرين، ما يحمله هذا التأييد والمساندة هو كون هذا البعض من المرشحين أكثر كفاءة من الناحية الدينية أو السياسية أو الثقافية أو الإجتماعية – حسب القتاعة المتكونة – ويبقى الآخرون يملكون  الدين والكفاءة والقدرة، فما لم تتوفر الضرورة على التصريح بسحب الثقة لا يجوز إطلاقاً المس أو التشهير أو الاستيقاظ لأي مرشح .


4) من الواضح جداً أنّ علماء الدين البارزين – وإنطلاقاً من عدم توفر الضرورة الشرعية لإعطاء الثقة المباشرة – فقد إعتمدوا ((موقف الحياد)) ورغم القناعة المتوفرة لديهم بوجود المرشحين الذين يحضون بدرجات عالية من الثقة عندهم في الكثير من الدوائر، إلاّ أنهّم اصروا – تعبيراً عن أبوتهم العامة للساحة ولعدم الضرورة للتصريح باسماء معينة – أن يكونوا حياديين، ولم يمارسوا أيّ عملٍ يوحي بإسناد هذا المشرح أو ذاك .


5) لمّا كان ((الراي الإنتخابي)) هو المفصل الأصعب والأخطر في العملية الإنتخابية، ومن خلاله تتحدد المعطيات والنتائج في التوفر على الكفاءات الأفضل أو الكفاءات الأسوء، وفي ضوء هذه المعطيات تصاغ التجربة في إيجابياتها وسلبياتها، فيجب إذن أن يرشّد هذا الرأي الإنتخابي، حتى يتشكل بصورة أصيلة واعية بصيرة .


وهنا تاتي مسؤولية علماء الدين في ممارسة هذا ((الترشيد))، وإذا كان الأخرون يصرون على صياغة ((الترشيد الانتخابي)) وفق الرؤى والتصورات التي يؤمنون بها، ووفق القناعات التي ينطلقون منها، فلماذا لا يسمح لعلماء الدين أن يمارسوا ((الترشيد الانتخابي)) وفق الرؤى الإسلامية الأصيلة والتي تضع في حساباتها كل المكوّنات الضرورية من اجل صياغة وعي الناخب وقناعاته وإلتزاماته، خاصة وأن هذا الناخب يؤمن كل الإيمان ((بمرجعية الدين وبحاكميته)) في كل قضايا الحياة .
وتأسيساً على الرؤية فإنّ العلماء يرون ضرورة التأكيد على ((الكفاءة الدينية)) في إختيار المرشحين، وهذا لا يلغي أهمية الكفاءات الأخرى، إلاّ أنّ غياب الكفاءة الدينية له خطورته الكبرى .


أولاً : لأنّ الدين هو العامل القوى في صنع ((نظافة الوعي)) و((نظافة الضمير)) و ((نظافة الموقف)) وفي صنع ((الإرادة والصلابة والشجاعة والجرءة))، وهل يمكن أن نتوفر على تجربة سياسية نظيفة إذا لم نتوفر على هذه الشروط، مهما كانت الكفاءات والقدرات الأخرى، فما أكثر الذين يخونون أمانة المسؤولية، وما أكثر الذين يسقطون أمام إغراءات المنصب، وما أكثر الذين يضعفون أمام الإبتزازات والمساومات، وما أكثر الذين ينهزمون أمام ضغوطات الأنظمة والحكومات .
هنا تأتي أهمية الإنسان الذي يحمل الدين والإلتزام والخوف من الله تعالى، فإنه لا يمكن أن يخون أو يسقط أو يضعف أو يساوم .


ثانياً : ولأنّ من مسؤوليات مجالس البلديات ما تحتاج بشكل مباشر إلى ((موقف الدين)) رفضاً أو قبولاً، فغياب الوعي الديني والإلتزام الديني عند أعضاء هذه المجالس سوف يؤدي إلى ممارسات وانجازات تصادم الدين وتنافي أحكامه، وللتوضيح فقط أستعين ببعض أمثلة :
‌أ. التصرف في الممتلكات الخاصة، فقد تقتضي خطط التنظيم البلدي في هذه المنطقة أو تلك إلى التعرض لممتلكات الناس الخاصة بحجة ضرورات التخطيط، وهذه التصرفات في حاجة إلى مؤمّن شرعي واضح.
‌ب. إقامة المنتزهات وأماكن الترفيه، وهنا صيغتان :
•  صيغة يحافظ فيها على القيم الدينية والضوابط الشرعية والأخلاقية .
•  وصيغة تتجاوز تلك القيم والضوابط .
 والذي يحدد إعتماد أحد الصيغتين هو مستويات الدين والإلتزام عند أعضاء هذه المجالس .
‌ج. المشروعات التي تخدم ((البرامج السياحية)) في هذا البلد، فربما أعتمدت برامج السياحة وأهدافها مشروعات محرمة، صحيح أنّ الخطط السياحية هي من مسؤوليات السلطة التنفيذية، وليست من مسؤوليات البلديات، ولكن بعض المشروعات الخاصة بالمناطق والخاضعة لإختصاصات المجالس البلدية قد تساهم في رفد الحالة السياحية وبمقدار ما تكون هذه المشروعات نظيفة ومحافظة، تكون السياحة نظيفة ومحافظة .


وأستغفر الله لي ولكم والحمد لله ربّ العالمين .


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى