سماحةِ آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم .. هذا الرَّجل الفقيه، يُمثِّل رمزًا كبيرًا لدى طائفةٍ تمثِّل وجودًا ثقيلًا في هذا الوطن، كما يمثِّل عنوانًا شاخصًا في كلِّ العالم. هنا يكونُ المنعطفُ إمَّا إلى انفراج كبير ينفتح بالوطن على الخير كلِّ الخير، وإمَّا إلى خيارٍ مآلاته قاسية، وصعبة، ومؤلمة.
 
أنت الزائر
1676644
يوم السبت
1 محرم 1438 هـ
صلاة الفجر 4:17
الشروق 5:26
صلاة الظهرين 11:30
الغروب 5:35
صلاة العشائين 5:50
23 سبتمبر 2017
 
 
» حديث الجمعة » شهر ذي القعدة« عدد القراءات: 594 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
حديث الجمعة 435: لستُ فوقَ النَّقدِ والمحاسبة - المزاوجةُ بين الدِّين والسِّياسة - تداعيات الإصرار على تكريس (الاتِّهام)
تاريخ: 2016-08-04 م | المكان: مسجد الإمام الصادق (ع) بالقفول - البحرين
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمد للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّد الأنبياءِ والمرسلين محمَّدٍ، وعلى آلِهِ الهداةِ الميامين، وبعد:

فمع أكثر من عنوان:

لستُ فوقَ النَّقدِ والمحاسبة

قرأتُ بعضَ نَقْدٍ لما طَرَحتُهُ في حديثِ الجمعة – قبل الماضية - وبكلِّ حبٍّ أُرَحبُّ بأيِّ نَقْدٍ، فلستُ فوقَ النَقَدِ والمحاسبةِ، بشرط أنْ تكونَ غاياتُ النَّقدِ نزيهةً وشريفةً، والمعاييرُ علميَّةً، والأدواتُ نظيفةً.

هناك مَنْ ينتقد بدافع التَّشهير، والإسقاط، والتَّشويه والمعاداة، هذه غايات غير شريفة، وغير نزيهة.

وهناك مَنْ ينتقد بهدف التَّقويم، والتَّصحيح، والبحث عن الحقيقة، هذه غايات نزيهة، وشريفة.

معايير النَّقد: قد تكون أهواءً ومزاجاتٍ، وعواطف وانفعالات، هذه معايير ساقطة، ومرفوضة وغير علميَّة.

وقد تكون المعايير خاضعة للعقل، والرُّشد، والضَّوابط العلميَّة، فهذه المعايير هي التي تؤسِّس لإنتاج القناعات الصَّائبة، والأفكار الصَّحيحة.

وأمَّا الأدوات، فاللُّغة المستخدمة في النَّقد، فمطلوب أنْ لا تكون الكلمات والألفاظ سيِّئة، ومبتذلَة، بل يجب أنْ تكونَ مهذَّبةً، وراقيةً، ونظيفةً.

هكذا علَّمنا القرآنُ الكريم حينما نجادلُ، وحينما نتحدَّثُ مع الآخر الَّذي نختلفُ معه ثقافيًّا، دينيًّا، مذهبيًّا، سياسيًّا، اجتماعيًّا.

·        ﴿... وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...﴾ (سورة النَّحل: الآية 125).
·        ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...﴾ (سورة العنكبوت: الآية 46).
·        ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...﴾(سورة الإسراء: الآية 53).


فالكلمةُ التي تُطلقُ في الخطابِ، في الحوارِ، في النَّقدِ يجب أنْ تكون نظيفةً، بل في أرقى مستوياتِ النَّظافة والجمال والتَّهذيب، وحسب التَّعبير القرآني ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾، لا يكفي أنْ تملك حُسْنًا، بل أنْ تملك أعلى مستوى للحسن، والجمال، والنَّظافة.

وجميلٌ جدًّا أنْ تتوفَّر أجواءٌ مفتوحةٌ للرَّأي والرَّأي الآخر، فإنَّ ذلك مظهرٌ حضاريٌّ راقٍ، فمن خلال الحوارِ، والنَّقدِ، ومحاسبة الأفكار يتمُّ إغناءُ البحثِ، وإثراءُ الفكرِ، وإنماءُ الثِّقةِ، والمحبَّةِ، والتَّسامح ما دامتْ الكلمةُ لا يحرِّكها هوًى، ومزاجٌ، وانفعالٌ، وأغراضٌ نفعيَّة، وإنَّما يُحرِّكها عقلٌ، وشرعٌ، وقِيَمٌ، ومُثُلٌ.

والخطر كلُّ الخطرِ حينما يُسجنُ الرَّأي المخالف دينيًّا، أو مذهبيًّا، أو ثقافيًّا، أو سياسيًّا، فإنَّ الرَّأي المسجونَ ربَّما عبَّر عن نفسِهِ بأدواتٍ خاطِئةٍ، أو ملتويةٍ، أو متشنِّجةٍ، أو ناقمةٍ، وربَّما أنتج قمعُ الرَّأي والكلمةِ نزوعًا نحو العنفِ والتَّمرُّد والتَّطرُّف، فاسمحوا للرَّأي الآخر أنْ يعبِّر عن نفسه بأساليب حضاريَّة.

المزاوجةُ بين الدِّين والسِّياسة

أوَّلُ نقد واجهني به الأخ النَّاقد - وأنا أحترمه كلَّ الاحترام -، نعم أنا أختلف معه فيما طرح من آراء وأفكار، ولكنِّي لا أتَّهم دوافعه، لأنَّه ليس بمقدوري أنْ أقرأ ما في داخله، فالله وحدَه المطَّلع على ﴿... مَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (سورة غافر: الآية 19).
 
أوَّلُ نقدٍ واجهني به الأخ الكريم هو أنَّي (زاوجت بين الدِّين والسِّياسة في خطابي)، وهي مزاوجةٌ غير مشروعة، وبلغة الفِقه: (مصاهرة محرَّمة)، أو بحسب تعبيره: (إنِّي مشتغل في الشَّأن الدِّينيِّ والسِّياسيِّ معًا) ممَّا يحرمني لقب (العلَّامة).

أمَّا لماذا هذه المزاوجةُ والمصاهرةُ بين الدِّين والسِّياسة في الخطابِ محرَّمةٌ، وغيرُ مشروعةٍ؟
يطرحُ النَّاقدُ تعليلًا يبدو لأوَّل وهلةٍ وجيهًا، ولكن بعدَ التَّأملِ لا يبقى يَحمُلُ وجاهةً.

خلاصة هذا التَّعليل:

إنَّ عالم الدِّين يحملُ هالةً من القداسةِ لا تسمح بنقدِهِ ومحاسبته، فإذا اشتغل بالسِّياسة، فإنَّه يُضفي على موقعِهِ السِّياسيِّ هذه الهالةَ من القداسة، ممَّا يفرض أنْ يتحصَّن في مواجهة أيِّ نقدٍ ومحاسبةٍ، فكم في هذا من خطر كبير على المسار السِّياسيِّ، فإذا كان مقبولًا أنْ يتحصَّن الموقع الدِّينيُّ، ويحاط بهالةٍ من القداسة، فإنَّه غير مقبول أنْ يتحصَّن الموقع السِّياسيُّ، وأنْ يحاط بهذه الهالةِ من القداسة، فكم في هذا من معطيات خطيرة جدًّا على مسار العمل السِّياسيِّ الذي هو في حاجة إلى مراجعةٍ، ومحاسبةٍ دائمة، ونقد مستمرٍّ.

هذا الكلام عليه بعضُ ملاحظاتٍ:

الملاحظة الأولى: فرق بين القَدَاسة والاحترام الدِّينيِّ

هناك فارقٌ بين (القداسة)، و(احترام المقام الدِّينيِّ للعلماء).
لا قداسة في المنظور الدِّينيِّ إلَّا للهِ سبحانه، ولأنبيائِهِ، وأوصياء أنبيائِه (عليهم السَّلام).
وما عداهم من علماء أجلَّاء أبرار، ومن رجالٍ صلحاءَ أخيار، فلهم مقاماتٌ دينيَّةٌ كبيرةٌ جدًّا، ولكنَّ هذه المقامات لا تصل إلى مستوى (القداسة).

وربَّما تسامحًا وتساهلًا يُطلق هذا العنوان على العلماء والرِّجال الصَّالحين، وحينما نخلع القداسة لا يعني أنَّه يجوز العبث بالمقامات الدِّينيَّة، والسِّياسيَّة ظلمًا، وعدوانًا، وبهتانًا.
 

الملاحظة الثَّانية: لا أحد فوق النَّقد عدا المعصوم

مَنْ قال أنَّ عالمَ الدِّينِ مُحصَّنٌ ضدَّ النَّقدِ والمحاسبة، فإذا استثنينا المعصوم – نبيًّا، أو إمامًا-، فلا يُوجد أحدٌ فوقَ النَّقدِ والمحاسبة كائنًا مَنْ كان.
فخطاب عالم الدِّين –كغيره- ليس معصومًا، فربَّما أصابَ، وربَّما أخطأ!
هذا الخطاب خاضع للنَّقد، والمناقشة، وخاضع للمحاسبة العلميَّة.


ولكنَّ السُّؤالَ المطروح: مَنْ الَّذي يحقُّ له أنْ يمارس نقدًا للخطاب الدِّينيِّ؟

كلُّ مَنْ يتوفَّر على كفاءةِ النَّقد، ومؤهَّلاتِه، وشروطِهِ بإمكانه أنْ يمارسَ هذا النَّقد، ولا يحقُّ لأحد أنْ يُصادر حقَّهُ في النَّقد.
فمِن حقِّ الدَّارسِ للفقهِ والشَّريعة أنْ ينتقد الخطاب الدِّينيَّ في مجالاتِ الفقهِ، والشَّريعة.
ومن حقِّ مَنْ يملك كفاءةَ الفكرِ والثَّقافةِ أنْ يمارسَ نقدًا للخطاب الدِّينيِّ في مجالاتِ الفكرِ والثَّقافةِ.
ومن حقِّ العارف بشؤون الأدبِ وعلوم اللغةِ أنْ يمارسَ نقدًا للخطاب الدِّينيِّ في مجالاتِ اللُّغةِ والأدبِ.
ومِن حقِّ البصير بالشَّأن السِّياسيِّ أنْ يمارس نقدًا للخطاب الدِّينيِّ في المجالات السَّياسيَّة.
ومِن حقِّ مَنْ يملك ثقافة تربويَّة، أو اجتماعيَّة، أو اقتصاديَّة أنْ يمارسَ نقدًا للخطاب الدِّينيِّ في هذه المجالات.

قد يُطرح تساؤُل: لماذا أَعْطيتم عالمَ الدِّين الحقَّ في أنْ يشتغل بكلِّ هذه المساحات الدِّينيَّة، والثَّقافيَّة، والتَّربويَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والسِّياسيَّة، في حين أنَّه يجب أنْ تكون وظيفته دينيَّة بحتة؟

في الجواب أقول:

إنَّ الوظيفة الأساسَ لعالمِ الدِّينِ أنْ يَطرحَ رأي الدِّينِ في كلِّ المساحاتِ التي يكونُ للدِّينِ فيها رأيٌ، سواءً أكانت عقيديَّة، أم فكريَّة، أم عباديَّة، أم أخلاقيَّة، أم تربويَّة، أم اجتماعيَّة، أم اقتصاديَّة، أم سياسيَّة، ... .

وأمَّا فيما هي المجالات التَّخصصيَّة، فاقتحامها في حاجة إلى امتلاك كفاءاتِها، وخبراتِها، وقُدُراتِها، فمتى لم تتوفَّر لعالم الدِّين فلا يحقُّ له أنْ يشتغل، أو أنْ ينشغل بها، وأنْ يتركها لفرسانها إلَّا أنْ يكون هو أيضًا من فرسانها، ففي علماء الدِّين فرسان سياسة، واجتماع، وثقافة، وفكر، وتربية.
 

الملاحظة الثَّالثة: المسألةٌ خاضعةٌ للدَّليل الشَّرعيِّ

أمَّا المصاهرةُ بين الدِّين والسِّياسة والتي أكَّد النَّاقدُ الموقَّر على رفضها، فهي مسألةٌ خاضعةٌ للدَّليل الشَّرعيِّ، فمتى وجد دليلٌ، فلا خيار إلَّا أنْ نلتزم به.

حاولت أنْ أبحث عن نصٍّ من (كتاب)، أو (سُنَّة)، أو أنْ أسترشد (بعقل)، أو (إجماع) في هذا المجالِ فما وجَدَتُ!!

ولن أتردَّد إطلاقًا حينما أعثر على ذلك في رفض هذه المزاوجة والمصاهرة.
نعم، أنا أقرأ في الكتاب العزيز التَّأكيد على مجموعة وظائف لخطاب الدِّين:

(1) الدَّعوة إلى الخير
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ...﴾ (سورة آل عمران: الآية 104).
فهل يُستثنى من هذا الإطلاق والعموم (الخير السِّياسيَّ)؟
 

(2) الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر
﴿... وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...﴾(سورة آل عمران: الآية 114).
فهل يُستثنى من هذا الإطلاق والعموم (الأمر بالمعروف السِّياسيَّ)، و(النَّهي عن المنكر السِّياسيَّ)؟


(3) الإنذار
﴿... فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (سورة التوبة: الآية 122).
فهل يُستثنى من هذا الإنذارِ (المساحاتُ السِّياسة)؟


(4) الدَّعوة إلى الله تعالى
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ ...﴾ (سورة فصلت: الآية 33).
فهل يُستثنى من هذا القول وهذه الدَّعوة (مجالات السِّياسة)؟


(5) التَّبليغ
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ...﴾ (سورة الأحزاب: الآية 39)،

فهل أنَّ هذا التَّبليغ لا يتَّسعُ إلى شؤونِ السِّياسة؟

حينما نقرأ هذه الآيات وغيرِها في القرآن الكريم، وكذلك الرِّوايات فهي شاملةٌ بعموماتِها، وإطلاقاتها جميع مساحاتِ الحياة العقيديَّة، والفكريَّة، والرُّوحيَّة، والعباديَّة، والأخلاقيَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والسِّياسيَّة.


الملاحظة الرَّابعة: خطاب من أجل التَّوازن والتَّرشيد

حينما يُعطى للخطاب الدِّينيِّ الحقَّ في أنْ يقول كلمةً في الشَّأنِ العامِّ لا يعني أنْ ينجرَّ هذا الخطابُ إلى معتركاتِ السِّياسة، وصراعاتِها، وتجاذباتِها، وصداماتِها، وتوتُّراتِها، ومواجهاتِها.

ولا يَعني أنْ يَسْقُطَ هذا الخطابُ في مستنقعاتِ السِّياسةِ، وتلوُّثاتِها، ومُوبقاتِها، ونزواتِها، وإشكالاتِها، وتناقضاتِها، وأخطائها، ومنزلقاتِها.

نعم مطلوبٌ من هذا الخطاب:

- أنْ يُرشِّدَ السِّياسةَ.
- أنْ يُهذِّبها، أنْ يُنظِّفَها.
- أنْ يمارسَ تثقيفًا، توجيهًا، تربيةً.
- أنْ يكون داعية إصلاحٍ، وعدلٍ، ومحبَّةٍ، وتسامحٍ، وتآلفٍ، وتقاربٍ.
- أنْ يكون أداة أمنٍ وأمانٍ وخير وسداد.

فمِن أهدافِ الدِّين الدَّعوةُ إلى المحبَّة، فحينما يكونُ الخطابُ داعيةَ كراهةٍ، فلا يُسمَّى خطابَ دين.

مِن أهدافِ الدِّين الدَّعوةُ إلى التَّسامحِ، فحينما يكونُ الخطابُ داعيةَ تعصُّبٍ، فلا يُسمَّى خطابَ دينٍ.

مِن أهدافِ الدِّين الدَّعوةُ إلى الوحدةِ والتَّآلفِ، فحينما يكون الخطابُ داعيةَ فرقةٍ وتخالفٍ، فلا يُسمَّى خطابَ دين.

مِن أهدافِ الدِّين الدَّعوةُ إلى الصَّلاحِ والإصلاح، فحينما يكونُ الخطابُ داعية فسادٍ وإفسادٍ، فلا يُسمَّى خطابَ دينٍ.

مِن أهدافِ الدِّين معالجة الأزمات، فحينما يكون الخطابُ داعيةَ تأزيم، فلا يسمَّى خطابَ دينٍ.

مِن أهدافِ الدِّين نبذُ التَّطرُّفِ والعنفِ والإرهابِ، فحينما يكونُ الخطابُ نقيضَ ذلك، فلا يُسمَّى خطابَ دينٍ.


الملاحظةُ الخامسةُ: أعمق من الشَّعارات

اعتبرتْ الكلمة النَّاقدة أنَّ ما يَطرَحُهُ خطابُنا الدِّينيُّ من عناوين: (محبَّة، تسامح، وحدة، إصلاح، أمن، أمان، نبذ عنف وتطرُّف، ...) هي مجرَّد (شعارات) لا حضور لها على أرضِ الواقع، بل في الخطاب نفسه ما يناقَضُها!

طرحتُ في حديثي (مسألة الرُّشدِ في الخطاب)، فعقّب النَّاقد بقوله: (أين هي مواقع الرُّشد يا شيخ؟)، وحينما تحدَّثت عن (المُثل والقِيم الوطنيَّة العالية) تساءل الأخ: كيف لمثل هذه المُثل والقِيم أنْ تختفي منذ خمسِ سنواتٍ عِجاف؟

وأكثر من (التَّساؤلات) في إيحاءٍ صريح بأنَّ خطابنا ما كان صادقًا، ولا وفيًا لهذا الوطن، وما كان يقدِّم مصالح الأمَّة على مصالحِ الفِئة، أو الطَّائفة، وما كان، وما كان، ...!!

لعلِّي أجد فرصةً أخرى أتناول تساؤلاتِه بلغةٍ علميَّة بعيدة عن السِّجالات الخطابيَّة، أمَّا هنا، فأقول:


أوَّلًا: الحاجة إلى حسن الظَّنِّ

ما أحوجَ السَّاحةَ المزدحمةَ بالأزماتِ والتَّوتُّراتِ والاحتقاناتِ إلى درجةٍ عاليةٍ جدًّا من حُسن الظَّنِّ تجاه الآخر، وعدمِ التَّسرُّعِ في التُّهمةِ، وسُوءِ الظَّنِ، فـ:

·        جاء في القرآن الكريم قولُ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...﴾ (سورة الحجرات: الآية 12).


·        وفي الكلمةِ عن النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): "اطلب لأخيك عذرًا، فإنْ لم تجد له عُذْرًا فالتمس له عُذْرًا" (الخصال، الصَّفحة 622).


·        وفي الكلمة عن الإمام عليٍّ (عليه السَّلام): "سوءُ الظَّنِّ يُفسدُ الأمورَ، ويبعثُ على الشُّرور" (عيون الحكم والمواعظ، الصفحة 283).
 

فما أحوج أوطاننا إلى هذه (القِيم الرَّاقية) في عصر ازدحمت (الإشاعات، والاتهامات) والتي أزهقت أرواحًا، وخرَّبت بيوتًا، وهتكت أعراضًا، وأربكت شعوبًا، وأزَّمت أوطانًا!

وحينما نتحدَّث عن (حُسن الظَّنِّ) لا يعني أنْ يُترك الواقع لكلِّ (الاختراقات)، فالحذر مطلوبٌ وبدرجةٍ كبيرةٍ جدًّا، ولكنَّ الكارثةَ حينما تختلطُ الأوراق، وترتبك المعايير، وتتعدَّد المكاييل.

 

ثانيًا: القراءات المُجتزأَة ظالمة وغير أمينة

إنَّ القراءاتِ التي تجتزأ (العبارات) من سياقاتِها، وتُقمِّصُها معانيَ أخرى، وتضخِّم تلك المعاني تعتبر قراءاتٍ ظالمةً وغيرَ أمينة.

وهكذا تظهر هذه القراءاتُ (الخطابَ) مُحرِّضًا، مُؤزّمًا، مُنافقًا، مُتطرِّفًا، خَائنًا، سيِّئًا، طائفيًّا، عدوانيًّا.

وتُدفنُ ما فيه من كلماتِ المحبَّة، والتَّسامح، والتَّهدئة، والدَّعوة إلى المصالحة، والحوار، والتَّقارب.

فلماذا تُدفَنُ هذه المعاني بهدف التَّأكيد على معطياتٍ نقيضةٍ، تمَّ استنتاجُها بطريقة مُلْتَبسةٍ مزوَّرةٍ، ظالمة.

لا ندَّعي العصمة لأيِّ خطاب دينيٍّ، ولكن لا يمكن أنْ ينقلب هذا الخطابُ على أهداف الدِّين، وإلَّا لم يكنْ خطابًا دينيًّا.

ومهما استطاعَ الخطابُ أنْ يتلبَّسَ عنوانَ الدِّين زورًا وكَذِبًا، فإنَّه لا يمكن أنْ يصمد أمام جمهوره الَّذين يؤمنون بالدِّين، وقِيمِه، وأحكامِهِ.

إذًا، إنَّ العناوين المتلبسة تنفضح ولو بعد حين!

 

تداعيات الإصرار على تكريس (الاتِّهام)

إنَّ الإصرارَ على تكريس (الاتِّهام) لهذا الخطاب، أو ذاك الخطاب –دينيًّا كان، أم سياسيًّا، أم ثقافيًّا- اعتمادًا على (رؤية ملتبسة) – إنْ أحسنا الظَّنَّ - إنَّ هذا الإصرار له تداعياتٌ خطيرة على الوحدة، والمحبَّة، والتَّسامح، كما يؤزِّم العلاقات بين الأنظمةِ والشُّعوب، ويؤجِّج الفِتن، والخلافاتِ، والصِّراعات، وربَّما قاد إلى مآلاتٍ مُدمِّرة، يُنتجها عنفٌ، أو تطرُّفٌ أسَّسَهُ اتِّهامٌ ظالم هنا، أو اتِّهام ظالم هناك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: شهر ذي القعدة   |   إلى أعلى ]