قضيَّة سماحةِ آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله، ورعاه) وهنا قضيَّةٌ أجدُ نفسي مضَّطرًا أنْ أكونَ فيها صريحًا كلَّ الصَّراحةِ، وواضحًا كلَّ الوضوح، غيرةً على هذا الوطنِ، وعلى أمنِهِ واستقرارِهِ، وعلى وحدتِهِ، وعلى كلِّ مصالحِهِ.
 
أنت الزائر
1677517
يوم الأحد
3 محرم 1439 هـ
صلاة الفجر 4:18
الشروق 5:27
صلاة الظهرين 11:30
الغروب 5:32
صلاة العشائين 5:47
24 سبتمبر 2017
 
 
» حديث الجمعة » شهر شوال« عدد القراءات: 543 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
حديث الجمعة 433: مخاضا صَّعبة يمرُّ بها الوطنُ
تاريخ: 2016-07-21 م | المكان: مسجد الإمام الصادق (ع) بالقفول - البحرين
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ،وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّد الأنبياءِ والمرسلين محمَّدٍ وعلى آلِهِ الهداةِ الميامين وبعد:
ونحن نتابعُ المخاضاتِ الصَّعبة والمُقلقةَ التي يمرُّ بها الوطنُ في مرحلةٍ هي الأعقدُ والأخطر، أحاولُ في هذه الكلمةِ أنْ أضع تمهيدًا، وبعضَ نقاطٍ:
التَّمهيد

ما كُنَّا وَلَن نَكُونَ في يومٍ من الأيَّامِ دُعاةَ فِتنةٍ، وتحريضٍ، وكراهيةٍ، وتأزيمٍ، وانتقامٍ، ولا دُعاةَ عنفٍ، وتطرُّفٍ، وإرهاب...
هكذا علَّمنَا دِينُنَا، وإسلامُنا، وقرآنُنا.
وهكذا علَّمتنَا مبادؤُنا، وقِيمُنا، ووطنيَّتُنا.
لا نقول هذا خشيةً، وَرَهْبةً، ورغبةً، وتَزَلُّفًا، وتصنُّعًا، وتملُّقًا.
إِنَّمَا هي القناعةُ التي تشكَّلتْ في عقولِنا، وتجذَّرتْ في قُلوبنا، وترسَّمْت في مواقِفنا.
وهي القناعةُ التي جعلتنا لا نريدُ لهذا الوطن إلَّا الأمنَ والأمانَ، والمحبَّةَ والتَّسامحَ، والوحدةَ والتَّآلف، والقوَّةَ والعزَّة، والخير والازدهار، والصَّلاح والإصلاح.
وهي القناعةُ التي تفرضُ علينا أنْ نبحث عن حُلولٍ عادلةٍ وسِلْميَّةٍ ومنصفةٍ لكلِّ أزماتِ هذا الوطن.
وَلَكِن كلُّ هذا لا يعني أنْ لا نغضبَ حينما يكونُ الغضبُ في مصلحةِ هذا الوطن، وبشرط أنْ يكونَ الغضبُ مُرَّشَدًا، انطلاقًا من رُؤى الشَّرع، وتوجيهاتِ الدِّين، وليس غضبًا منفلتًا، ولن ينفلتَ الغضبُ ما دامتْ مواقعُ التَّرشيدِ موجُودةً، وقادرةً على أنْ تمارسَ دورَهَا، أمَّا إذا غابتْ، أو غُيِّبتْ هذه المواقع، أو صُودرتْ أدوارُها – هنا - سوف ينفلتْ الغضبُ، وسوف تنزلق المواقفُ، وسوف تطيشُ الخياراتُ.
النُقُطةُ الأولى: الموقع الدِّينيُّ المتأصِّل لآية الله قاسم
سماحة آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم فقيهٌ جليلٌ من فقهاءِ مدرسةِ أهل البيت (عليهم السَّلام) هذه المدرسة التي تتشدَّد في معاييرها العلمية والنفسية والعملية لإنتاج الفقهاء المُتخصِّصين في شؤون الشريعة.
فسماحتهُ بما يمتلكُ من كفاءاتٍ علميةٍ، ومؤهلاتٍ روحيةٍ، وتقوائيةٍ وعلمية هو واحدٌ من فُقهاء هذه المدرسة.

كما أنهُ رجلُ فكرٍ وثقافةٍ ووعيٍ ورُشدٍ كما تشهدُ له عطاءاته العلمية والفكرية والثقافية...
فهو وجهٌ مشرقٌ لهذا الوطن وعنوانُ عزٍّ وافتخار.
وسماحتهُ عبدٌ ذاب في الله، فأصبح مثالًا في التقوى والورع والاستقامة ونظافة السُّلوك.
لستُ – هنا - محرِّضًا، ومؤجِّجًا، ومُؤزِّمًا، إنَّه الخوفُ على هذا الوطن، على أمنه، على استقراره، على حاضره، على مستقبله، على وحدتِهِ، وتلاحمِهِ وتسامحِهِ.
هذا الإنسان منذ عرفناه، وعرفنا خطابَه كان صادقًا كلَّ الصِّدقِ في قضايا وطنه، وكان أمينًا كلَّ الأمانةِ على بلادِهِ، وشعبه.
وكان مُخلِصًا كلَّ الإخلاصِ لأرضه.
هذا الصِّدق، وهذه الأمانة، وهذا الإخلاص مَلَكَاتٌ تشكَّلتْ لديه نتاج إيمانٍ، وتقوى، وورع، ورشدٍ، وبصيرة.
إنَّه قمَّة شامخةٌ في الإيمان.
وقمَّةٌ شامخةٌ في التَّقوى، والورع.
وقمَّةٌ شامخةٌ في الرُّشدِ، والبصيرة.
مَنْ يملكُ إيمانًا صادقًا لا يخون وطنَهُ.
ومَنْ يملكُ تقوى، وورعًا لا يبيع شعبَهُ.
ومَنْ يملكُ رشدًا وبصيرةً لا تنزلق أهدافُهُ، ومساراتُه.
• إنَّ "حب¬¬ الوطن من الإيمان"
فتِّشُوا عمَّن لا إِيمَان لهم، فأولئك الَّذين يخونونَ الأوطانَ، وإنْ مَلأُوا الدُّنيا ضجيجًا في التَّغني بحبِّ الأوطان.

فتِّشُوا عمَّن لا تقوى لهم، فأولئك الَّذين يبيعونَ الشُّعوبَ وإنْ جدَّفُوا ما جدَّفوا، وكتبوا ما كتبوا دفاعًا عن الشُّعوب.
فتِّشُوا عمَّن لا بصائر لهم، فألئك الَّذين باعوا ضمائرهم بأبخس الأثمان لأعداء الأوطان مهما تزلَّفُوا وراهنوا، ورقصوا على جراح المظلومين.
أمَّا شيخُنا الأبُ الوقور، فحينما يتحدَّث عن قضايا الوطن، فهو ينطلق من دين، وإيمانٍ، وعقيدة.
وحينما يتحدَّث عن هموم شعب، فبدافع التَّقوى والورع - وحينما يقولُ الكلمة – فهو البصيرُ بمواقِعها، وأهدافِها، ونتائِجها.
فما وجدنا في كلماته إلَّا الرُّشدَ، والخيرَ، والصَّلاحَ، والإصلاحَ.

النقطة الثَّانية: الخطاب النَّاصح الواعي بالمرحلة لا المُؤَزِّم والمحرِّض
• قَالُوا عن خطابِهِ: إنَّه خطابُ تحريض، وتأزيم؟!
إلَّا أنَّه ما كان يومًا من الأيَّام - ولا دار في باله - أنْ يكون مُحرِّضًا، أو مُؤزِّمًا، أو داعيةَ عُنفٍ، وتطرُّف.

نعم، إنَّه يرى أنَّ مسؤوليَّتَهُ الدِّينيَّة، والوطنيَّة أنْ يقول الكلمةَ النَّاصحةَ.
والكلمةُ النَّاصحةُ الصَّادقةُ الرَّشيدةُ كَلِمَةٌ يجبُ أنْ تُقدَّسَ، وتُبارك، وتُحترم.
أمَّا الكلمةُ الصَّامتة، وأمَّا الكلمةُ المداهنةُ، فهي كلمةٌ لا تصحِّح أوضاعًا، ولا تدفع فسادًا، ولا تَخدِمُ أوطانًا.
• وقالوا عن خطابِهِ: إنَّه خطابُ فتنة، وطائفيَّة!!
واللهِ، ما وجدناهُ إلَّا داعيةَ محبَّةٍ وتسامحٍ، وداعيةَ وحدةٍ وتآلفٍ.
قد يقال: إنَّ خطابَه، بل الخطاب الدِّينيُّ الشِّيعيُّ عمومًا يتحدَّث دائمًا عن (المظلوميَّة المذهبيَّة)، وهذا النَّفَسُ من الخطابِ يُكرِّسُ (الحسَّ الطَّائفيَّ)، و(الكراهية المذهبيَّة)!!
هذا الكلام خاطِئ جدًّا، فالنَّفسُ الطَّائفيُّ والمذهبيُّ:
- أنْ تمارسَ تحريضًا ضدَّ طائفةٍ، أو مذهبٍ.
- أنْ تمارس إساءةً إلى طائفةٍ، أو مذهبٍ.
- أنْ تعبِّر عن كراهية طائفةٍ، أو مذهبٍ.
- أنْ تكرِّس تمييزًا تجاه طائفة، أو مذهب.
أمَّا الشُّعور بالظُّلامة، أو الاستهداف – سواءً أَكَانَ هذا الشُّعورُ صائبًا أم خاطئًا -، فهو شعورٌ لا يعبِّر عن (نَفَسٍ، وحسٍّ طائفيٍّ، ومذهبيٍّ).
إنَّ هذا الإحساسَ ليس موجَّهًا ضدَّ أيَّ طائفةٍ، أو مَذْهب، أو مكوِّن.
نعم، هو خطابٌ موجَّهٌ إلى السُّلْطَة!
ومن حقِّ السُّلطة أنْ تُبرهن لهذه الطَّائفةِ أو تلك، لهذا المذهب أو ذاك خطأ هذا الخطاب، وخطأ هذا الإحساس.
ويجب على أيِّ مكوِّنٍ، أو مذهبٍ، أو طائفة تصحيحُ الإحساس بالاستهداف متى ثبت لهُ خطأ هذا الإحساس.

النقطة الثَّالثة: الموقع الرَّائد والتَّداعيات المعبَّأة بمعطياتٍ صعبة
إنَّ التَّفاعلات الاستثنائيَّة التي حدثت محلِّيًّا، وعالميًّا نتيجة ما صدر في حقِّ سماحة آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم هي تفاعلاتٌ متوقَّعةٌ جدًّا؛ كونُ سماحتهِ شخصًا ليس عاديًا في موقِعِه العلميِّ، والدِّينيِّ، والوطنيِّ، والعالميِّ.
لذا جاءت التداعياتُ معبَّأةً بمعطياتٍ صعبةٍ جدًّا، فما نتمناهُ انطلاقًا من غَيْرةٍ صادقةٍ على هذا الوطن، وأمنِهِ، ووحدتِهِ أنْ تُعالج هذه المسألةُ بدرجةٍ عاليةٍ من الحِكمةِ في مَرحلةٍ تحمل أصعبَ التَّعقيداتِ، وأخطر التَّحدِّيات، وفي مرحلةٍ تراكمتْ فيها أسبابُ التَّوتُّرِ الدِّينيِّ والسِّياسيِّ.
نعم، يجب أنْ تكون المُعالجاتُ بدرجةٍ عالية من الحِكْمَةِ، وإلَّا قادتْ إلى منزلقاتٍ ضارَّةٍ جدًّا، ومآلاتٍ صعبة.
ويجب أنْ لا تُعطى الفرصةُ لأقلامِ الفتنةِ والتي استنفرتْ ما في داخلها من مخزونِ الكراهية.
يجب أنْ لا يُسمح لهذهِ الأقلام أنْ تقتل الأُخوَّة بين أبناءِ هذا الشَّعب، وأنْ تغتال المحبَّة والتَّسامح، والوحدةَ والتَّآلف.
الحاجةُ مُلحةٌ وكبيرةٌ في هذه المرحلة إلى (خطاب المحبَّة)، وليس إلى (خطاب الكراهية).

نعم، لإنتاج المحبَّة أسبابٌ وعواملُ.
وكذلك لإنتاج الكراهية أسبابٌ وعواملُ.
فيجب أنْ تُكرَّس أسبابُ المحبَّة وعواملها، ويجب أنْ تُقْتَلَع أسبابُ الكراهية وعواملها.
وكما جاء في الحديث عن عليٍّ أمير المؤمنين (عليه السَّلام) إنَّ أحد أهم أسباب إنتاج (المحبَّة)، واقتلاع (الكراهية) هو (الإنصاف).
فحينما يُنْصِف الحاكمُ شعبَهُ، فسوف يكونَ الحاكم المحبوبَ بين شعبه.
وحينما يبادلُ الشَّعبُ الحاكمَ إنصافًا بإنصاف، فسوف يبادلُ الحاكمُ شعبَه حُبًّا بحُبٍّ.
والأمر كذلك بين مكوِّنات الشَّعب.
النقطة الرَّابعة: المأمول إعادة النَّظر في القرارات الصَّادرة
ما نأملُهُ ونطالبُ به – بدافع الولاءِ للدِّينِ والوطن- هو إعادة النَّظر في القرارات التي صدرتْ أخيرًا، وخلفتْ أوضاعًا في غاية التَّعقيد، والخُطورة.
لا نتحدَّث بلغةِ المكابرةِ، وإنَّما هي الرَّغبةُ الجادَّة الصَّادقة في أنْ نرى هذا الوطن آمنًا، مُصانًا، محفوظًا من كلِّ الأسواءِ، ومن كلِّ المخاضاتِ الصَّعبة، والانزلاقاتِ المُدمِّرة، ومن كلِّ المآلاتِ الخطيرة.

من هنا تأتي الضَّرورة، والحاجةُ إلى المُراجعة الحقيقيَّة والجادَّة لكُلِّ أسبابِ التَّأزُّم؛ من أجل تهيئة الأجواء إلى مرحلةِ الاستقرار، وحماية الوطن في مواجهةِ كُلِّ التَّحدِّياتِ بكُلِّ ما تحملُهُ من إنذاراتٍ مرعبةٍ لن تستثني أحدًا، خاصةً بعد هذا التَّصاعد؛ لموجاتِ الإرهاب، والعنفِ، والتَّطرُّف.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى لغةِ التَّفاهم، وليس إلى لغة التَّصادم، فاللُّغة الثَّانية تُعقِّد الأوضاع، وتُؤزِّم الأجواء، وتوتِّر الخَيَارات، وحينما نتحدَّث عن لُغةِ التَّفاهم نتحدَّث عن تهيئة أجواء ومناخات، وإلَّا كان الأمر استهلاكًا وتخديرًا وتكريسًا للأزماتِ، وإضاعة للوقت.
وما لم تتوفَّر الأجواء والمناخاتُ، فسوف تفرض الخَيَارات الأخرى نفسها، تلك الخَيَارات الضَّارَّة بمصلحة الوطن.

وحينما نتحدَّث عن تهيئة مناخات وأجواء لا يعني أنْ يتجمَّد حقُّ الكلمةِ في التَّعبير عن الرَّأي ما دامتْ الدَّوافع، والأهداف، والأدوات مشروعة، وإنَّ أيَّ انتقاصٍ أو مصادرةٍ لهذا الحقِّ سوف يؤسِّس لبدائل ليست في صالح هذا الوطن.
النقطة الخامسة: تصريحات أنتجت هواجس بالاستهداف المذهبيِّ
ما صدر من تصريحاتٍ وإجراءات رسميَّة بشأنِ فريضة الخمس أنتج هواجسَ ثقيلة لدى الشِّيعة من أبناءِ هذا الوطن بلغت إلى حدِّ الإحساسِ بالاستهداف المذهبيِّ رغم كُلِّ محاولات الطَّمْأَنة، وأنَّ الدَّولة لا تنوي المساس بالخصوصيَّة المذهبيَّة، وإنَّما الهدف هو ضبط حركةِ المالِ الدِّينيِّ في منابعِهِ، وفي مسارات حركته!

إنَّنا نعتقد أنَّ النَّهجَّ الفقهيَّ الصَّارم المعتمد في المدرسة الشِّيعيَّة في تحديد منابع الخُمس، ومسارات حركته هو الأقدر على تحصين وضبط حركة المال الدِّينيِّ بما لا تقوى عليه كُلُّ المؤسَّسات الوضعيَّة، فضلًا على أنَّ الرُّؤية الفقهيَّة الشِّيعيَّة لا تسمح بإخضاع المال الدِّينيِّ لهذه المؤسَّسات.

وما نُؤكِّدهُ – هنا - أنَّ القائمين على شؤونِ هذه الفريضة في هذا البلد علماء أجلَّاء واضحون كلَّ الوضوح، ومعتمَدُون لدى المراجع الدِّينيَّة الشِّيعيَّة، وهم أُمناء بدرجاتٍ عالية، ويملكون رُشدًا وبصيرةً وحرصًا على سلامةِ المال الدِّينيِّ في منابعه، وفي شرعيَّة توظيفه، فلن يسمحوا لأنفسهم - وهم الأمناء الأتقياء - أنْ يفرطوا في حراسة هذا المال، ونظافته.

فالنَّهج القائم فعلًا هو النَّهج الصَّائب، وأنَّ أيَّ تدخُّلٍ رسميٍّ سوف ينتج وضعًا ضارًّا، وسوف يدفع إلى ردود فعل رافضةٍ، فاقتحام الخصوصيَّات المذهبيَّة أمرٌ لا يمكن القَبُول به مهما كانت المُبرِّرات المطروحة.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربِّ العالمين.
نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: شهر شوال   |   إلى أعلى ]