قضيَّة سماحةِ آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله، ورعاه) وهنا قضيَّةٌ أجدُ نفسي مضَّطرًا أنْ أكونَ فيها صريحًا كلَّ الصَّراحةِ، وواضحًا كلَّ الوضوح، غيرةً على هذا الوطنِ، وعلى أمنِهِ واستقرارِهِ، وعلى وحدتِهِ، وعلى كلِّ مصالحِهِ.
 
أنت الزائر
1636387
يوم الإثنين
3 رمضان 1438 هـ
صلاة الفجر 3:25
الشروق 4:46
صلاة الظهرين 11:35
الغروب 6:24
صلاة العشائين 6:39
29 مايو 2017
 
 
» حديث الجمعة » شهر رجب« عدد القراءات: 499 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
حديث الجمعة 430:﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ -هل أن الأزمات السياسية هي قدر الأوطان؟
تاريخ: 2016-04-28 م | الموافق: 20 رجب المرجَّب 1437 | المكان: مسجد الإمام الصادق (ع) بالقفول - البحرين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّد الأنبياءِ والمرسلين محمَّدٍ وعلى آله الهداةِ الميامين، وبعد فقد قال تعالى فِي سورةِ القلم: ﴿ ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ (القلم:1)
هنا يُقسمُ سبحانَهُ بالقَلَمِ وما يدوِّنُه القَلَم، بما يحمله هذا القَسَمُ من دلالاتٍ كبيرة، وأمّا السَّببُ في اختيارِ هذا الموضوعِ فكونُ هذا الأسبوع يُصَادفُ "اليومَ العالمي للكتاب" كما أسموه، ولسنَا في حاجةٍ أنْ نسترفدَ هذهِ المسمَّياتِ فإسلامُنَا أَعطى الكتابَ والكتابةَ من القيمةِ ما لم يُوجد في أيّ فكرٍ آخر.

وممّا يؤسفُ له أنّ أُمةً أسَّسَ قرآنُها في أولِ نصٍّ نزل للقراءة والكتابة أصبحتْ أمةً لا تقرأ !!
وأمةٌ لا تقرأ تفقدُ "أصالتها وهويتها"
وانطلاقًا من النصِّ القرآني الذي تلوناهُ أحاولُ أنْ أعالج عنوانين:
الأول: ما معنى الحُروفِ المقطعةِ في بداية بعضُ السِّور؟
الثاني: أجيالنا في حاجةٍ إلى أنْ تقرأ.
أبدأ بالعنوان الأول:
إطلالةٌ عاجلةٌ على معنى الحروفِ المقَطَّعةِ في بعضِ سور القرآن:
في القرآنِ تسعٌ وعشرونَ سورةً تبدأ بحروفٍ مقطعةٍ، أذكر هنا بعض النماذج:
مِن السُّور ما تبدأُ بحرفٍ واحد: كسورةِ القلم التي تبدأ بحرف ﴿ن﴾، وسورة (ص) التي تبدأُ بالحرفِ ﴿ص﴾
ومِن السُّور ما تبدأ بحرفين كسورتي ﴿يس﴾ و ﴿طه﴾.
ومِن السُّورِ ما تبدأ بثلاثةِ حروفٍ كسورة البقرة التي تبدأُ بـ ﴿ألم﴾
ومن السُّورِ ما تبدأ بأربعة حروفٍ كسورة الأعراف التي تبدأُ بـ ﴿ألمص﴾
ومن السور ما تبدأ بخمسة حروفٍ كسورة مريم التي تبدأُ بـ ﴿حم عسق﴾

فما معنى هذه الحروفِ المقطعةِ في بداياتِ السُّور؟
تَعددتْ التفسيرات، أختار منها خمسة:
التَفسيرُ الأول:
الحروفُ المقطّعة في بداياتِ السور رموزٌ خاصة بينَ الله سبحانهُ تعالى ورسوله صلى الله عليه وآلِهِ، فهي أسرارٌ عصيَّةٌ على أفهامنا..
التَفسيرُ الثاني:
هذِهِ الحروفُ إرشاداتٌ إلى حوادثَ سَوف تقع، ويعتمد هذا التفسير حسابَ الحروفِ الأبجديةَ حيث كل حرف يحملُ رقمًا معينًا.
التَفسيرُ الثالث:
الهدف من وجود هذه الحروفُ المقطعةَ هو إسكات المشركين واجتذابُ انتباهِهم، حيثُ يثيرون الضوضاءَ واللغطَ والضجيجَ ليمنعوا الناس من استماعِ القرآن حينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأه عليهم.

التَفسيرُ الرابع:
إنّ هذا الحروف تعبِّر عن التحدّي القرآني للعرب، فهو مؤلفٌ من الحروف التي يتكلمون بها، فإذا كانت لديهم القدرة على صنع مثل هذا القرآن، فهذه هي الموادُ الخام جاهزةً عندهم، وقد تصاغروا كل التصاغر أمام هذا التحدي ولازال هذا التحدي قائمًا حتى تنتهي الدُّنيا.

ويدعم هذا بعضُ الروايات، فقد ورد عن الإمام زينِ العابدينَ عليه السلام أنه قال: " كذَّبَ قريشٌ واليهودُ بالقرآنِ وقالوا: هذا سحرٌ تقوّله، فقال الله ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي يا محمد، هذا الكتاب الذي أنزلتُهُ إليكَ هو الحروفُ المقطعةَ التي منها ( ألفٌ ولامٌ وميمٌ ) وهو بلغتكم وحروفِ هجائكم فأتُوا بمثلِهِ إن كنتم صادقين "
التّفسيرُ الخامس:
تفسيرٌ لعالم مصري هو الدكتور رشاد خليفة، حيث اعتمد العقل الإلكتروني في فهمِ الأياتِ القرآنية، وقد خَلُصَ إلى أن الحروفُ المقطّعة في بدايةِ السورةِ تُشيرُ إلى أنّ وجوُدَهافي تلك السّور أكثرُ من وجودها في بقيةِ سورِ القرآن، فسور ﴿ق﴾ تبدأ بالحرف "ق" وقد أثبتت دراساتهُ أن نسبة وجود هذا الحرف في هذه السورة أكثر من نسبتهِ في أي سورةٍأُخرى بدون استثناء، وينطبق هذا – حسبَ دراستهِ – على جميع السور التي تبدأ بحروف مُقطعة.
العنوان الثاني:
أجيالُنا في حاجةٍ أن تقرأ إسلامَها:
لقد سُرقت أعدادٌ كبيرةٌ من أجيال أمَّتنا لأنّها لم تقرأ إسلامَها ودينَها، وظلتْ تتغذى ثقافةً مناقضةً لثقافتها، هذه الثقافةُ المناقضةُ استطاعات أن تخترقَ عقول الأجيال عبر:
• مناهجِ تعليمٍ
• مواقعِ إعلام (تلفاز/ إذاعات/ صحافة)
• وأدواتِ تواصل
• وإصداراتٍ وكتاباتٍ ومجلات
• ومؤسساتٍ وجمعياتٍ ومنظماتٍ
• ونوادي وفرقٍ ومسارح

وعبر هذه الوسائل وغيرها تمّت سرقةُ أعداد كبيرة من أجيال هذه الأمة، لأنها لم تتحصن عقيديًا وثقافيًا وروحيًّا وسلوكيًا، ولأنها لم تُترَّكس بمبادئ الدين وضوابط الشريعة.
وربّما ساهم بعض دعاة الدِّين في إنتاج هذا الانسلاخ العقيدي والثقافي والروحي والأخلاقي لدى الأجيال، كونهم طرحوا الإسلام طرحًامشوهًا، مزورًا، متخلفًا.
وإن كان هذا لا يبرر لأولئك المنسلخين والمسروقين والمتغربين، فصناع الوعي الأصيل، وحملة الفكر النقي موجودون في كل الأعصر والأزمنة، وهم الشهود الأمناء على كل الأجيالِ ..
ومشلكةُ أولئك المنسلخين أنهم عاشوا القطيعةَ مع روافِد الأصالة، وصناعِ الوعي، وحملةِ فكرِ الإسلام النقي، والعقول المبدعة والشاهدة على العصر.

وإذا أردنا أن نطرح "الشهيد محمد باقر الصدر نموذجًا فهو شاهد على كل الأجيال التي بدأت من أربعينياتِ القرنِ الميلادي الماضي، حيث استطاع رضون الله عليه أن يقدم الإسلامَ مشروعًاحضاريًا عصريًاقادرًا أن يستوعب كل المتغيرات دون أن يتنازل عن ثوابته ومتبنياته وأصالته ..

وأهم ما امتازتْ به هذِهِ الشخصية العملاقة:
▪ أصالةٌ فكريةٌ متميزة
▪ قدراتٌ علمية فائقة
▪ كفاءاتٌ نفسية كبيرة
▪ مواهبَ مبدعة
▪ إمكاناتٌ أدبية ولغوية وتعبيرية واضحة
▪ عمل منهجي تجسّد في كل نتاجاته العلمية، وأبحاثه الأصولية والفقهية، وطروحاتِه الفكرية، ومحاضراتِه الأخلاقية والتاريخية والقرآنية، وفي كل معالجاته الاجتماعيةوالسياسية.
▪ روح تجديديةَ على مستوى المنهج، والأفكار والنظريات.
▪ والمكون الأقوى في شخصية الشيهدِ السّيد الصدر "الذوبانِ في الله والإخلاص المنقطع النظير"
فهل قرأت أجيالنا الشهيد الصدر؟
هل قرأته فقيهًا؟
هل قرأته مفكرًا؟
هل قرأته فيلسوفًا؟
هل قرأته اقتصاديًا؟
هل قرأته مفسرًا؟
هل قرأته باحثًا وكاتبًا ومؤلفًا ومحاضرًا؟
هل قرأته اجتماعيًا، سياسيًا؟
هل قرأته مشروعً حضاريًا؟

اُكرّر القول أن أجيالنا لا تقرأ فكرها، ثقافتها، إسلامها، رجالها، فقهاءها، علماءها، بُناة حضارتِها، صنّاع أصالتها..
فإذا كان العالمُ يحتفلُ بـ "اليوم العالمي للكتاب" من أجل الدفع نحو القراءةِ والعلمِ والمعرفةِ والثقافةِ ففي قرآننا وكلمات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وكلمات أئمتِنا عليهم السلام ما يدفعُ بدرجاتٍ أكبر وأكبر نحو ذلك، إن ديننا شعاره الأول "إقرأ"، ويُقسم قرآنه بالقلم، ويؤكد خطابه
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ .. (الزمر:9)
﴿ رْفَع اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ .. (المجادلة: 11)

إن دينًا هذا هو عُنوانه لا يمكن لأتباعِهِ إنْ جسدوا هذا الاتباعَ إلا أنْ يكونوا رواد علمٍ ومعرفةٍ وثقافة، وإلا أن يكونوا حملةَ قلمٍ يصنع وعي الإنسانِ، ورُشدَ الحياة، وحضارةالأمم.
وفي منظور ديننا تتحول المعرفة والثقافة عبادةً لا تقل قيمةً عن الصلاةِ والصيامِ والحج والدعاء والتلاوة، وربما تجاوزت ذلك.
في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"طلب العلم أفضل عند الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد في سبيل الله تعالى"
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:
"من خرجَ يطلب بابًا من علمٍ ليرد به باطلاً إلى حقٍّ، أو ضلالةً إلى هُدى، كان عملُهُ ذَلِكَ كعبادةِ متعبدٍ أربعين عامًا"
وجاء في حديث عن أمير المؤمنين (ع):
"إذا جلسَ المتعلم بين يدي العالمِ فتح اللهُ لَهُ سبعين بابًا من الرحمةِ، ولايقوم من عندِه إلا كيوم ولدته أمُّه، وأعطاه الله بكل حديثٍ عبادة سنةٍ"
وبمقدار ما ننصنع إيمانيًا وروحيًا وأخلاقيًاوسلوكيًا، وبمقدار ما نرتقي وعيًا وبصيرةً ومعرفةً وثقافةً، وبمقدار ما نتحول دعاةً وهداةً، وبناةً ... تكون قيمة العلم والثقافة والمعرفة، وتكون قيمة القراءة والكتابة..


تساؤلاتٌ وإجاباتٌ:
❑ التساؤل الأول:
هل أن الأزمات السياسية هي قدر الأوطان؟
نجيب عن هذا التساؤل:
إن أزمات الأوطان لها أسبابها الموضوعية، وليست قدرًا محتومًاً، ربما تختلف الرؤى في تشخيص هذه الأسباب، ولكن لا يوجد من يعتقد أن هذه الأزمات هي قدرٌ محتوم، ربما وجد في التاريخ أنظمة حاكمة أسست للقدرية السياسية، حتى قالوا أن سلطانهم هو قدر الله ولا يجوز الخروج على قدر الله.

❑ التساؤل الثاني:
إذا آمنا جميعًا حُكامًا ومحكومين بأن أزمات الأوطان ناتجة عن أسباب موضوعية، فهنا يطرح تساؤل آخر هو:
هل أن علاجات الأزمات خارجة عن إرادات الأنظمة والشعوب؟
نجيب عن هذا التساؤل:
إن العلاجات ليست خارجة عن إرادت الأنظمة والشعوب، إلا أن تكون هذه الأنظمة والشعوب هي التي تنازلت عن إراداتها وخياراتها..

❑ التساؤل الثالث:
هل أن من مصلحة الأوطان أن تبقى الأزمات؟
نجيب عن هذا التساؤل:
لا نعتقد أن هناك نظامًا أو شعبًا يعتقد ذلك، إلا أن يكون نظامًا طائشًا أو شعبًا نزقًا، فالأنظمة الراشدة، والشعوب العاقلة لا تريد للأزمات أن تستمر، وهي تبحث دائمًا عن الحلول والعلاجات.

❑ التساؤل الرابع:
ما المشكلة إذًا، ولماذا تبقى أزمات الأوطان؟
نجيب عن هذا التساؤل:
هناك أسباب:
السبب الأول: عدم الاعتراف بوجود أزمات
من الطبيعي جدًا حينما لا تعترف الأنظمة أو حينما لا تعترف الشعوب بوجود أزماتٍ، فلا يمكن أن يكون هناك تفكير جادٌ في البحث عن حلولٍ.
السبب الثاني: الاختلاف في تشخيص أسباب الأزمات، فمتى بقيت الأسباب مجهولة أو حدث الاختلاف في تشخيصها، فسوف تبقى الأزمات.
السبب الثالث: الاختلاف في تشخيص العلاجات، وحينئذٍ تبقى العلاجات معطلة.
السبب الرابع: انعدام الثقة بين الأنظمة والشعوب، فتتعمقُ المسافات، وتتباعد القناعات، وتقوى الخلافات، وهكذا تبقى الأزمات.
السبب الخامس: غياب الحوار والتفاهم
لا يمكن أن تتلاقى الرؤى والقناعات مادام الحوار غائبًا، والتفاهم مقصودًا، فالحوار الجاد والتفاهم الصادق هو بداية الانطلاق لعلاج الأزمات..

هذه بعض أسبابٍ مهمة، ما لم تدرس بجدية، وقناعةٍ ونزاهةٍ فسوف تبقى الأوطان مثقلةً بالأزمات، وسوف تبقى الأنظمةُ مسكونةً بالهواجس، وسوف تبقى الشعوب تدفع الأثمان الباهظة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: شهر رجب   |   إلى أعلى ]