قضيَّة سماحةِ آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله، ورعاه) وهنا قضيَّةٌ أجدُ نفسي مضَّطرًا أنْ أكونَ فيها صريحًا كلَّ الصَّراحةِ، وواضحًا كلَّ الوضوح، غيرةً على هذا الوطنِ، وعلى أمنِهِ واستقرارِهِ، وعلى وحدتِهِ، وعلى كلِّ مصالحِهِ.
 
أنت الزائر
1690725
يوم الإثنين
2 صفر 1439 هـ
صلاة الفجر 4:31
الشروق 5:41
صلاة الظهرين 11:22
الغروب 5:03
صلاة العشائين 5:18
23 أكتوبر 2017
 
 
» السيد في الصحافة » السيد في الصحافة« عدد القراءات: 1471 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
صحيفة الوسط :حديث التقوى ليس خطابا للاستهلاك
تاريخ: 2004-06-11 م | المناسبة: حديث الجمعة 64

نتناول في هذا اللقاء موضوعا بعنوان: "حديث التقوى ليس خطابا للاستهلاك". إن الحديث عن التقوى ليس من أجل الاستهلاك الخطابي أو الثقافي أو السياسي كما هو شأن الكثير من الأحاديث التي تشغل إنسان هذا العصر وتقتل في داخله الوعي والجدية والهدفية والأصالة وتعبث بكل توجهاته، وتتلاعب بكل مكوناته الفكرية والنفسية والعملية.


إن أحاديث الاستهلاك... في الإعلام، في الصحافة، في الإذاعة، في التلفاز، في مواقع الانترنت، في المنتديات، في الملتقيات، في ساحات كثيرة وكثيرة، هذه الأحاديث أحاديث مدمرة ومتآمرة على الإنسان، وقيم الانسان وأصالة الإنسان...


فمسئوليتنا كبيرة جدا في هذا الزمان ونحن نتعامل مع الأحاديث والكلمات والخطابات المتحركة في الساحة الإعلامية والثقافية والسياسية وحتى في الساحة الدينية... فالحذر كل الحذر من الوقوع في أسر الخطابات الاستهلاكية التي لا تحمل مضامين أصيلة، ولا تحمل أهدافا واعية ولا تحمل رغبة جادة في بناء إنسان هذا العصر في خط الهدى والصلاح، والقيم والأخلاق... لا أتحدث عن الخطابات الفاسدة والفاسقة والمنحرفة، فتلك مسألة أخرى، حديثي عن خطابات تحمل شعارات فيها الكثير من البريق، واللمعان ولكنها خاوية كل الخواء، وربما كانت أخطر من الخطابات المكشوفة السافرة، كونها تخلق موتا بطيئا في أجيال هذه الأمة...



فهناك خطابات تحمل شعارات الدين وهي تقتل في داخل الأجيال أصالة الدين ونقاوة الدين، وطهرالدين، وقيم الدين.
وهناك خطابات تحمل شعارات الوطنية وهي تقتل في داخل الأجيال معنى الوطنية، وحس الوطنية، وروح الوطنية.
وهناك خطابات تحمل شعارات الديمقراطية وهي تؤسس لأبشع أنواع الاستبداد ومصادرة الحقوق والحريات... وهناك خطابات تحمل شعارات الوحدة والتقارب وهي تؤسس لأقبح ألوان الفرقة والتمييز والمذهبية والطائفية...


وهناك خطابات تحمل شعارات الحوار والتفاهم والشفافية وهي تؤسس لأسوء أسباب الصدام والتنافر والمواجهة.
وهناك خطابات تحمل شعارات الإصلاح والبناء والتغيير وهي تؤسس لأخطر عوامل الفساد والهدم والتدمير.
في زحمة هذه الخطابات الاستهلاكية الخادعة تبرز القيمة الكبيرة لحديث التقوى الجاد والصادق والبصير.


فإذا توافرنا على حديث تقوى يملك الجد والصدق والبصيرة، فهو الضمانة لترشيد كل واقعنا، ولترشيد كل خطاباتنا:


1- إنه الضمانة لترشيد واقعنا الديني، ولترشيد خطاباتنا الدينية... فلا يتحول هذا الواقع إلى ممارسات تسرق عنوان الدين، وهي تسيء كل الإساءة إلى الدين، ولا تتحول هذه الخطابات إلى لافتات وهمية تبحث عن أهداف زائفة تحت مظلة الدين...ان حديث التقوى الجاد/ الهادف/ البصير إنذار وإيقاظ لكل الغافلين المأسورين لواقع من الدين مغلوط، ولكل المخدوعين بخطابات تتاجر بالدين.


أن نفهم التقوى ببصيرة ووعي، وأن نجسد التقوى بإخلاص وصدق، نملك بذلك حصانة حقيقية تحمي واقعنا الديني، وتحمي خطابنا الديني


2- إن حديث التقوى الجاد/ الصادق/ البصير ضمانة لترشيد الواقع السياسي والخطاب السياسي.


- فالحاكم الذي يملك التقوى وينفتح على حديث التقوى، يملأ دنيا شعبه بكل العدل والخير والصلاح، والطمأنينة والرضا، والأمن والاستقرار، والرفاهية والازدهار، وبكل أسباب السعادة في الدنيا والآخرة... "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" "الأعراف: 96".
- وخطاب الحاكم في ظل التقوى خطاب الحب والصدق والصراحة والانفتاح، والمعايشة الصادقة لهموم الشعب وآلامه وآماله... والتعاطي الجاد مع كل مصالحه وأهدافه...


- وهكذا كل المسئولين في مواقع السلطة حينما ينفتحون على التقوى ويجسدون التقوى تتحول مؤسسات الحكم إلى عدل وانصاف ومساواة وعمل صادق من أجل الإصلاح الحقيقي وحماية حقوق الناس ومصالحهم "وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما" "النساء: 129". أما إذا فقد المسئول في هذا الموقع أو ذاك الصدق والأمانة والنزاهة والخوف من الله تعالى، فإنه يكون مصدر شر وفساد ودمار "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس" "الروم: 41".


- وإذا حكمت أجواء الواقع السياسي قيم التقوى والصلاح والإيمان، كانت الأمة في أمان واطمئنان وهدوء واستقرار. "فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" "الأعراف: 35". فلا تصبح خطابات الوطنية للتجارات الزائفة والمزايدات الرخيصة.
ولا تصبح خطابات الديمقراطية وهما وخداعا وتخديرا للشعوب... ولا تصبح خطابات الوحدة والتقارب محاولات لتمرير الأهداف والمخططات... ولا تصبح خطابات الحوار والتفاهم أساليب للهيمنة والسيطرة والمصادرة...


ولا تصبح خطابات الإصلاح والبناء والتغيير مجرد شعارات للاستهلاك السياسي الرخيص.
قيم التقوى والإيمان هي القادرة وحدها على أن تحمي الواقع السياسي، وأن تحمي كل خطابات هذا الواقع السياسي، وان أي قيم أخرى سوف لن تملك قدرة الحماية والتحصين لهذا الواقع ولهذه الخطابات، لماذا؟ لأن كل القيم التي لا ترتكز على أساس من الدين، وعلى أساس من فطرة الدين، وعلى أساس من عقل الدين الموصول بالخالق العظيم سبحانه، هي قيم لا منبت لها في ضمير الإنسان وفي وجدان الإنسان، والقيم التي لا تشكل ضميرا ووجدانا وروحا ونبضا داخليا، هي قيم شكلية تحكم خارج الإنسان، ولا تملك القدرة على أن تصوغ مضمونه النظيف، وأهدافه النظيفة... "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى" "طه: 124".


الإنسان الذي يتربع على سياسة هذا العصر، يملك عقل السياسة، ويملك قيم هذه السياسة، ولكنه عقل غير موصول بالله سبحانه، ولكنها قيم غير مصنوعة في ظل الدين الأصيل، ولذلك تحول عقل السياسة في هذا العصر إلى جنون وطيش ونزق وحماقة وتهور وعبث بكل المقدرات... وتحولت قيم السياسة في هذا العصر إلى ظلم وجور واعتداء وانتهاك، ومصادرة لكل الحقوق. "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد" "البقرة: 205 - 206". لنأخذ "أميركا وقادة أميركا" نموذجا لسياسة هذا العصر...


 فكيف يتحرك عقل السياسة الأميركية، وكيف تتحرك قيم السياسة الأميركية؟
عقل السياسة الأميركية في هذا العصر يتجه إلى "الهيمنة المطلقة" على كل العالم... فلا مجال لأية مشاركة أو منافسة.
وقيم السياسة الأميركية في هذا العصر هي "قيم الهيمنة والسيطرة" على كل مفاصل العالم...
فانطلاقا من "عقل الهيمنة" و"قيم السيطرة" تتحرك كل مسارات وأهداف السياسة الأميركية، وكل مسارات وأهداف الإدارات الأميركية، والقيادات الأميركية.
وفي هذا السياق تأتي:
1- كل الحروب التي تقودها أميركا في العالم، فهي حروب من أجل الهيمنة والسيطرة على الشعوب ومقدرات الشعوب... وما فكرت أميركا يوما أن تحرك حربا من أجل مصالح الشعوب، ومن أجل انقاذ الشعوب... الحرب على العراق كانت تحمل أهدافا ثلاثة بحسب الإعلام الأميركي:


الهدف الأول
القضاء على أسلحة الدمار الشامل... وهذا هدف اتضح زيفه وكذبه، وحتى الآن، وكل شبر من العراق خاضع لقوات الاحتلال، لم تعثر أميركا على شيء من أسلحة الدمار...
وأميركا تعلم قبل غيرها وهي التي زودت نظام صدام بأسلحة الدمار، أن هذه الأسلحة قد استخدمها صدام في عدوانه على إيران وفي إبادة قرى كاملة في داخل العراق، ولم يعد لها وجود في أية بقعة من أرض العراق... وهذه هي الأرض العراقية من شمالها إلى جنوبها في قبضة قوات أميركا فأين هي أسلحة الدمار الشامل...؟


الهدف الثاني
القضاء على الارهاب... الإرهاب والعنف ظاهرة خطيرة في هذا العصر، وهو مرفوض وفق كل المعايير والقيم الدينية والإنسانية، فالمساس بالأبرياء والآمنين، والأطفال والنساء والضعفاء، والمؤسسات والمرافق والأماكن المدنية والمساجد ودور العبادة ومصالح الناس أمر تدينه كل الأديان والأعراف والقوانين، وهو يعبر عن نزعة الشر والإفساد في الأرض ونزعة الحقد على الإنسان والحياة.


ولكن السؤال الكبير الذي يطرح هنا: ما صدقية الشعار الأميركي في محاربة الإرهاب؟ لا نشك أن أميركا جادة في مواجهة كل ما يهدد مصالحها في داخل الأراضي الأميركية أو في خارجها مهما كانت صيغة هذا الاستهداف إرهابا أو عنفا أو أي عنوان آخر.


أما في خارج دائرة هذه المصالح فلم تبرهن أميركا حتى الآن على أنها جادة في مواجهة العنف والإرهاب، بل أثبتت سياسات أميركا وبشكل واضح أنها تقف مع الارهاب الذي لا يهدد مصالحها، ومع العنف الذي يخدم أهدافها...


دعونا نتساءل: هل يوجد في هذا العصر إرهاب أشد شراسة من إرهاب شارون والكيان الصهيوني؟
فمن الذي يرعى هذا الإرهاب؟ أليس هو الرئيس الأميركي بوش والإدارة الأميركية؟ أين ضمير السياسة الأميركية؟ أطفال فلسطين يذبحون، نساء فلسطين، شيوخ فلسطين، كل أبناء فلسطين، البيوت، المؤسسات، المساجد تتعرض لأبشع ألوان العنف والإبادة والإرهاب.


هل تريد منا أميركا أن نصدق أنها تحارب الارهاب، إلا إذا أردنا أن نعطي لعقولنا وضمائرنا إجازة وإلا إذا أردنا أن نغمض عيوننا، ونصم آذاننا أمام المجازر الرهيبة التي تمارس على أرض فلسطين؟


أما قصة العراق المستباح، فهي شاهدة على عنف أميركا وارهابها، فالقتل والدمار طال الإنسان العراقي، والبنية العراقية، والمساجد العراقية، والمؤسسات، والمستشفيات والجامعات، والمتاحف، حتى وصل الأمر إلى مقدسات العراق، كل ذلك بيد قوات الاحتلال الأميركية وعلى عينه ورعايته... فهل جاءت أميركا إلى العراق من أجل أن تقضي على الارهاب؟ أحمق من يصدق ذلك. ثم ان أميركا قد خلطت الأوراق حينما أقحمت الكثير من الجمعيات الخيرية، والمنظمات الاسلامية والرموز الدينية، والمقاومات المشروعة، وحركات التحرر ضمن قائمة الارهاب، ولا نريد هنا الآن أن نحاسب هذا الخلط وهذا الاقحام، فالاهداف واضحة كل الوضوح، والأغراض مكشوفة لا تسترها شعارات تروج لها أجهزة اعلام هنا أو أجهزة اعلام هناك.


الهدف الثالث
تحرير الشعب العراقي من نظام صدام ومن أجل ان يؤسس لحياة ديمقراطية راقية.جاءت أميركا الى العراق واسقطت نظام صدام ولكن هل من اجل عيون الشعب العراقي، ومن أجل خلاص العراق من عذابات الظلم والقهر والاستبداد؟ اكثر من ثلاثين سنة والعراق وشعب العراق في قبضة صدام وارهابه وظلمه وقهره واستبداده وكان ذلك بمباركة وتأييد الادارة الأميركية وتحت سمعها وبصرها.


فهل استيقظ ضمير السياسة الأميركية بين عشية وضحاها فجاءت لتكفر عن تاريخ طويل من الدعم والاسناد... اذا كان هناك من يحاول ان يحسن الظن في النوايا الأميركية فنحن لا نملك القدرة على ان نحسن الظن، فالواقع الصارخ فيما تمارسه سياسة أميركا في هذا العصر لا يسمح لنا ان نعيش شيئا من حسن الظن. ان حروب أميركا مرسومة ضمن مخطط المشروع الأميركي في المنطقة بما يهدف اليه هذا المشروع من إعادة صوغ خريطة المنطقة وفق حسابات المصالح الأميركية.


ان ما تمارسه أميركا من هيمنة وضغط على طبيعة وشكل الحكم في العراق يبرهن على ما تحمله نوايا الادارة الاميركية... وان اصرار أميركا على الاحتفاظ بالملف الأمني، والملفات الخطيرة وعلى بقاء القواعد العسكرية ليكشف بكل وضوح عن أهداف الخطة الاميركية ونواياها في العراق وفي كل المنطقة.


وما نتمناه للقوى الخيرة في العراق ولشعب العراق هو ان تتوحد الجهود، وتخلص النوايا في الاعتماد على الله تعالى والالتزام بمنهج الله لتسقط كل الحسابات الأميركية فلا غالب لارادة الله سبحانه وهو وحده القاهر الذي لا يقهر، وبيده النصر والقوة والعزة والغلبة.


2 - وفي سياق تأكيد سياسة الهيمنة والسيطرة يأتي "مشروع العولمة" في مكوناته الثقافية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولا يتسع هذا الحديث المسجدي لدراسة هذا المشروع الذي اصبح يشكل هاجسا كبيرا في هذا العصر بفعل اعلام العولمة، وما يحمله هذا الاعلام من تكريس لقيم العولمة وثقافتها في وعي انسان هذا العصر وبعيدا عن الدخول في تحديد الموقف من العولمة وأساليب التعاطي معها، فاننا نقرأها في الاهداف والمنطلقات والقيم والمكونات ضمن مشروع الهيمنة والسيطرة التي تحاول من خلاله ان تعولم أميركا ثقافتها وقيمها في مجال الاخلاق والاقتصاد والسياسة والتربية والاعلام وفي كل مجالات الحياة المعاصرة.


قد يقال: انكم تؤمنون بعالمية الاسلام فلماذا تنكرون على أميركا "عولمتها" وهي تعبير آخر عن العالمية؟
وتعقيبا على هذا الكلام نقول:


أولا: ان عالمية الاسلام أمر أكدته نصوص القرآن.
- "وما أرسلناك الا رحمة للعالمين" "الأنبياء: 107".
- "ان هو الا ذكر للعالمين" "يوسف: 104".


فالاسلام خاتم الرسالات وآخر الأديان الإلهية وفي ضوء مبادئه وأحكامه وقيمه تحقق العدالة الحقيقية على هذه الأرض، وتتخلص البشرية من كل عذاباتها وعناءاتها وأزماتها، ويهنأ الانسان في ظل شريعة الله تعالى بحياة مليئة بالخير والرفاهية والسعادة والأمن والاطمئنان... فعالمية الاسلام هي انقاذ حقيقي للواقع البشري من الضياع والقلق والانهيار.


ثانيا: أما العولمة فهي مشروع لاحتواء العالم من خلال ثقافة تؤزم حركة الواقع البشري، وتفرغه من القيم الانسانية الأصيلة، وتقوده الى مزيد من الضياع والتيه والفساد، فهذه مؤتمرات العولمة تحاول ان تصوغ انسان هذا العصر، ومجتمعات هذا العصر في ظل مكونات مادية بحتة تصادر هوية الروح، وهوية الارتباط بالسماء وهوية الانتماء الى شريعة الله تعالى.
فكم هو الفارق كبير وكبير جدا بين "عالمية الاسلام" التي جاءت رحمة للعالمين، و"عولمة أميركا" التي جاءت نقمة على العالمين.


3 - وماذا عن مشروع الشرق الأوسط الكبير؟ انه مشروع "الانقاذ الأميركي" لمنطقة الشرق الأوسط من هيمنة أنظمة الظلم والاستبداد والفساد والدكتاتورية... هذا هو عنوان المشروع.


اننا نؤمن بضرورة انقاذ منطقة الشرق الاوسط من أنظمة سياسية مارست تاريخا من الظلم والقهر ومصادرة الحريات.
اننا نؤمن بضرورة اعادة هيكلة النظام السياسي في كل دول المنطقة، حتى تتمكن الشعوب من أن تشارك في صنع الواقع السياسي بما يوفر للانسان في هذه الدول العزة والكرامة والحرية والأمان.


ولكن السؤال المطروح:
لماذا لا نصنع مشروعنا للانقاذ؟
لماذا أميركا هي التي تصنع لنا هذا المشروع؟
لماذا العقل الأميركي هو الذي يهندس لهذا المشروع؟
لماذا القيم الأميركية هي التي تحكم مشروع الانقاذ والخلاص؟
ألا نملك في مكوناتنا الدينية والثقافية وفي قيمنا الروحية والحضارية ما يؤسس لمشروعات الانقاذ السياسي؟
ثم اذا كان المشروع الاميركي يهدف الى انقاذ سياسي جاد، فهو لا يضع في حسابه أي اعتبار لتعاليم الشريعة وقيم الدين، وأخلاق هذه الأمة.
فأي مشروع سياسي هذا الذي تريده أميركا لانقاذ المنطقة العربية والاسلامية؟


ان شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان أصبحت - في هذا العصر - شعارات للاستهلاك السياسي والاستهلاك الاعلامي


أين صدقية هذه الشعارات على أرض فلسطين؟
أين صدقية هذه الشعارات على أرض العراق؟


أميركا التي تعطينا دروسا في الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان... تسقط سقوطا ذريعا حينما تقف بكل اصرار لتدعم ارهاب شارون على أرض فلسطين، وتسقط سقوطا فاحشا وهي تمارس أبشع ألوان التعذيب وهتك الحرمات والأعراض في سجون العراق.


اننا نطالب بأنظمة سياسية عادلة في دولنا العربية والاسلامية. ولكن لا نريد ان تعلمنا أميركا معنى العدالة، ومعنى الحرية، ومعنى حقوق الانسان، لانها فشلت في تطبيق هذه المعاني على أرضنا ما أحوج أمتنا وشعوبنا وإنساننا الى العودة الصادقة الى الله، والى منهج الله، والى شريعة الله.وعندها لن نكون تلامذة اذلاء في مدرسة بوش.وفي مدرسة السياسة الاميركية. لماذا لا نكون نحن الذين نعطي للعالم دروسا في القيم الحضارية الاصيلة، وبيدنا أقدس كتاب سماوي، وأقدس دين الهي، وأقدس منهج رباني، وأقدس قيم انسانية.أراد الله تعالى لهذه الأمة ان تكون الأمة الشاهدة على العالم، الامة التي تنشر الهدى والخير والنور على هذه الأرض، فلماذا نستجدي القيم من هنا وهناك، ولماذا نبحث عن هويتنا في مشروعات تصدر لنا وفي مشروعات تصنع لنا؟


اننا لا نرفض التعاطي الايجابي مع منجزات العلم والتقدم والحضارة البشرية النظيفة ومع منتجات العقل الانساني الهادف الى تطوير حركة الواقع المعاصر في خط الخير والصلاح والبناء وانما نرفض ان تصادر هويتنا الايمانية ونرفض ان تصادر أصالتنا، وقيمنا ومبادؤنا ومكوناتنا الحضارية.


ونرفض ان نكون مجرد مستهلكين فقط للبضاعة الثقافية والسياسية المستوردة والتي تحمل الكثير من الزيف والغش والتدليس مهما حاول مصنعوها ومصدروها ان يروجوا لها بمختلف وسائل الدعاية والترويج وان يضعوا عليها علامات الجودة والمتانة والامتياز لاخفاء ما في داخلها من فساد وكساد وسنبقى المخدوعين مادمنا نلهث وراء السراب الكاذب الذي لن يزيدنا إلا ظمأ وحرمانا وخسرانا



كلمة أخيرة عن تصريحات وزير الداخلية بشأن مسيرة الجمعة
ما صدر من تصريحات لوزير الداخلية بشأن مسيرة الجمعة يبعث على القلق، ان اختزال القضية بهذا الشكل والقول بأن المسيرة غير معروفة الهوية لدى قوات الأمن أمر مستغرب جدا، فمسيرة أعلنت في الصحف، ومن خلال البيانات والمنشورات، وخطب المساجد، وحملت لافتات عريضة واضحة، وشعارات صريحة، وتصدرها عدد كبير من علماء الدين... كل ذلك والمسيرة مجهولة الهوية عند قوات الأمن... ألا يشكل هذا قضية خطيرة في حاجة الى محاسبة؟


ان التعاطي مع المسألة بهذه الطريقة وبهذا الشكل من الاختزال قد أحدث شرخا في التفاؤل الكبير الذي تشكل منذ المبادرة الملكية والتغييرات الجديدة في وزارة الداخلية.فنرجو ان يصحح الأمر ليبقى التفاؤل وتبقى الثقة كما اننا نصر على المطالبة باستمرار التحقيق بحسب ما أكدت المبادرة الملكية، وألا يطوى ملف القضية بهذه الطريقة كما طويت الكثير من الملفات.


ونتمنى ان نسمع تصريحات ونرى ممارسات تؤكد صدقية التوجه الجديد في عمل الداخلية بما يجذر حال الأمل والثقة لدى أبناء هذا الوطن.


وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين


عالم دين ورمز اجتماعي في الساحة السياسية، والكلمة ألقيت مساء أمس في جامع الإمام الصادق في القفول

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: السيد في الصحافة   |   إلى أعلى ]