أنت الزائر
1702112
يوم الأربعاء
2 ربيع الأول 1439 هـ
صلاة الفجر 4:48
الشروق 6:01
صلاة الظهرين 11:24
الغروب 4:46
صلاة العشائين 5:01
22 نوفمبر 2017
 
 
» حديث الجمعة » شهر رجب« عدد القراءات: 387 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
حديث الجمعة 398: العِفَّةُ والسِّترُ في حياةِ المرأةِ المُسلمةِ - خطابُنا السِّياسيُّ وهَمُّ الوطنِ
تاريخ: 2015-04-24 م | الموافق: م رجل 1436هـ | المكان: جامع الإمام الصادق(ع) بالدراز

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّد الأنبياءِ والمرسلينَ محمَّدٍ وعلى آله الهُداةِ الميامين، وبعد فمع هذه العناوين:


العِفَّةُ والسِّترُ في حياةِ المرأةِ المُسلمةِ:
ونحنُ نعيشُ موسمَ الصِّديقةِ الزَّهراءِ عليها السَّلام، فمن أغنى الدّروسِ التي يجبُ أنْ تتعلَّمَها المرأةُ المسلمةُ في هذا العصر مِن حياةِ الصدِّيقةِ الزهراءِ عليها السَّلام هو (درسُ العِفَّةِ والسِّترِ).
قَدْ يُقالُ: إنَّ الحديثَ عن العِفَّةِ والسِّترِ في هذا الزمنِ الرَّديئ الموبُوءِ ليسَ حديثًا واقعيًا، بلْ هُوَ استغراقٌ في الأماني والأحلام.
في هذا الزمنِ الرَّديئ، حيث الفُسْقُ والعُهرُ والفُجورُ يَمْلأٌ أرجاءَ الأرضِ، مَدْعُومًا بكلِّ ما في مُخيَّلَةِ الشيطانِ مِن أدواتٍ وقُدُراتٍ وإمكاناتٍ، ممَّا وَفَرَّ سُبُلَ الدَّعارةِ التي باتتْ تفتكُ بكلِّ قِيمَ الإنسانِ، وبكلِّ بقايا الفضيلةِ، وبكلِّ مُثُلِ الحياةِ.


قبلَ أسبوع قرأتُ في جريدة (الوسط) هذا العنوان: (موقع للخيانةِ الزوجيةِ يَطْرحُ أسهمَهُ في بورصة لندن).
وفي تفاصيل هذا الخبر تقول الجريدة: أعلن القيِّمونَ على موقع إلكتروني كندي يُسهلُّ الخيانة الزوجية... طرحَ أسهمِهِ في بورصة لندن قريبًا، حيث يتوقع أنْ تدرّ هذه العملية (200 مليون دولار)، ويقول المسؤولون عن الموقع أنَّ عدد المشتركينَ فيه يَصلُ إلى (36 مليون شخص وشعار هذا الموقع (الحياةُ قصيرة، أقم علاقة).


هكذا أصبْحَ العالمُ يَضُجُّ بأسوأ أشكالِ الرَّذيلة، ولمْ تكُنْ مجتمعاتُ المسلمينَ بمنأىً عن هذا العُهْرِ المجنونِ بلْ أصبحتْ بعضُ بُلدانِ المسلمينَ سَبَّاقةً في ميادينَ الرَّذيلةِ، وحصلتْ على مَواقعَ متقدمةٍ في قائمةِ مُدُنِ الرَّذيلةِ في العالم.
نعم هناك مَنْ يقول: في هذا الزَّمنِ الرَّديئ السَّيئِ يبدو أنَّ الحديثَ عن (العِفَّةِ والسِّترِ) حديثٌ يُغرِّدُ خارجَ السِّرب، حديث أحلام لا تعيش الواقع.
هكذا يبدو لمصنِّعي ومُنْتجي هذا الواقعَ الموبُوء.
وهكذا يبدو لكلِّ المتلوِّثين بهذا القُبحِ...


وهكذا يبدو لكلِّ الضُّعفاءِ والمُهادنينَ والانهزاميِّين.
أمَّا المبدئيونَ الصَّادقونَ، الواثقونَ باللهِ، فلا يزُدهُمْ طوفانُ الفَسادِ، وجنونُ الفُسْقِ، وطغيانُ العبثِ إلَّا ثباتًا، وصُمُودًا، وإصرارًا، وتحدِّيًا، وعنفوانًا، وإرادةً.


فلا يتلوَّثونَ، ولا يَضعُفونَ، ولا يُهادنُونَ، ولا ينهزمونَ، بلْ يبقونَ حَمَلةَ قيم، ودُعَاة مُثُلٍ، وصُنَّاعَ فضيلةَ.
فمهما اشتدَّتْ ضراوةُ العُهُر، وطغتْ بُؤرُ الرَّذيلةِ، وامتدَّتْ مساحاتُ الدَّعارة.
ومهما أرجفَ المُرجِفُونَ، وخدَّرَ المخدِّرون، وثبَّطَ المثبِّطوُنَ، وخوَّف المخوِّفونَ.
فهؤلاءِ المبدئيونَ واثقونَ بالله، مُؤمنُونَ بوعدِهِ، مطمئنونَ لتأييدِهِ، يردِّدونَ بكلِّ صدق وثبات ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ {آل عمران/173}
فإذا كانَ في مجتمعاتِ المسلمينَ صُنَّاعُ رذيلةٍ وفُجورٍ.
وإذا كانَ في مجتمعاتِ المسلمينَ مُخدَّرونَ ومُعوَّقون.
وإذا كان في مجتمعاتِ المسلمينَ مأسورونَ سقطوا في مستنقعاتِ الشّيطان.
ففي مجتمعاتِ المسلمين مبدئيونَ، صادقونَ، مشدودُونَ إلى الله، واثقونَ بنصرهِ، مُردِّدوُنَ بكلِّ ثقةٍ واطمئنانٍ ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ {آل عمران/173}


وعودةٌ إلى حديثِ (العفَّةِ والسِّترِ) نقولُ بكلِّ اعتزازٍ أنَّ الدَّعوةَ إلى (العفَّةِ والسِّترِ) مكوّنٌ أساسٌ في مشروعِ النهوضِ بالمرأةِ المسلمةِ المعاصرةِ، وليست مُعوِّقًا لهذا النهوضِ كما تدَّعي الرُؤى التغريبيةُ التي اقتحمت أوساط المسلمين.
وإذا كانت هذه الرؤى الدخيلةُ تفهم النهوضَ بالمرأة أنْ توظِّفَ طاقاتُها في مجالاتِ الفنِ الفاسق كالغناء، والرقص، والمجون، وحفلاتِ الطربِ، وسهراتِ الدَّعارةِ، والليالي الحمراء.
فإنَّ قيم الدِّين ترفضُ كلَّ هذا العبثِ بكرامةِ المرأةِ وشرفِها، وطُهرِها، ونظافتِها، وقيمِها، وأصالتِها الإيمانيةِ والروحيةِ والأخلاقية.
فمن أجلِ تحصينِ المرأةِ المسلمةِ في هذا العصر، وحمايتِها مِن كلِّ محاولاتِ التغريب، والمصادرةِ، وتمييع الهُوية يجب أنْ تتمرس بـ (العفَّةِ والسِّترِ)، وهذا التمترسُ ليسَ زَيًّا وشكلًا فحسب، وإنَّما هو (صيرورةٌ إيمانيةٌ روحيةٌ خُلُقيةٌ) تفرضُ نمطين متكاملين من (العفَّةِ).


(1) العِفَّةُ الداخليةُ: وتتمثل في صنع المحتوى الروحي، بما يحله من عمق إيماني وعمق أخلاقي، ومن خلال هذين العمقين تتكون في داخل المرأة (العِفَّةُ الإيمانيةُ) و(العِفَّةُ الأخلاقية)، وهكذا تعيش المرأةُ درجةً عاليةً من الاستعلاءِ على كلِّ ما يتنافى مع الخُلُقِ الإيماني النظيف.
وقد أكَّدت الآياتُ والرِّواياتُ قيمةَ العِفَّة والتَّعفُّفِ والعَفاف:
• ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ...﴾ {البقرة/273}
فلا يظهرونَ بمظهرِ الفقراءِ، بل يحاولونَ أنْ يظهروا بمظهرِ الأغنياء حفاظًا على كرامتِهم، والتزامًا بعفَّتِهم، من موقع قوة الإرادةِ في عمق إيمانِهم بالله تعالى.


﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ...﴾ أي بعلاماتِهم الظاهرة التي تعبِّر عن معاناتِهم القاسية، وأوضاعِهم البائسة.
﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا...﴾قيل في معنى ذلك: لا يسألون الناسَ بطريقة الإلحاح في المسألة، وقيل أنَّهم لا يسألونَ الناسَ أصلًا.


• وفي الكلمةِ عن رسول الله صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم:
«أمَّا العفاف فيتشعب منه: الرِّضا، والاستكانةُ، والحظُ، والرَّاحةُ، والتفقُّدُ، والخشوع، والتذكّرُ، والتفكّرُ، والجودُ، والسَّخاءُ، فهذا ما يتشعبُ للعاقِل بعفافِهِ رضى باللهِ وبقسمهِ».
• وفي الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السَّلام:
«ولكن أعينوني بورعٍ واجتهادٍ، وعِفَّةٍ وسداد».


(2) العِفَّةُ الخارجية: لقد وضع الإسلامُ للمرأة مجموعة (سياجاتٍ خارجية) ومُهمتُها حماية العِفَّة الداخلية، والمحتوى الروحي والأخلاقي.
وأهم هذه السِّياجاتِ الخارجية:
1- السِّترُ الشرعي.
2- غَضُّ البَصَر.
3- عدمُ الخضوعِ بالقول.
4- عدمُ المصافحةِ.
5- عدمُ الخلوة.
6- عدمُ الاختلاط.
لتوضيح هذه السَّياجاتِ يأتي حديثٌ قادمٌ إنْ شاء الله تعالى.


لكي نحظى بفيوضاتِ هذه الأشهر:
هذه الأشهرُ الثلاثةَ رجبُ وشعبانُ وشهر رمضان أشهرٌ غنيةٌ كلَّ الغنى بالفيوضات الرَّبانية.
• روي عن أمير المؤمنين عليه السَّلام أنَّه قال:
«رجبٌ شهري، وشعبان شهر رسول الله [صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم] وشهرُ رمضانِ شهر الله».
• وفي رواية عن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وآلِهِ وسلَّم أنَّه قال:
«إلَّا إنَّ رجبًا شهرُ الله، وشعبانُ شهري، ورمضانُ شهرُ أمتي».
• وورد النبيِّ صلَّى الله عليهِ وآلِهِ وسلَّم ثوابٌ عظيمٌ وفضلٌ كثيرٌ لِمنْ عَرَفَ حُرمةَ شهرِ رَجَبٍ، وشهرِ شعبان، ووصلَ صومَهُما بصومِ شهرِ رَمَضان.
فشقيٌّ كلَّ الشقاء مَنْ يُحرمُ فيوضاتُ هذهِ الأشهر العظيمة، ويُقصِّرُ في الاستفادةِ مِن بَرَكاتِها، وعطاءاتِها.
وهُنا نطرحُ سؤالًا: كيفَ يمكنُ أنْ نحظى بفيوضاتِ هذه الأشهرِ المباركة؟
لكي نحظى بهذه الفيوضاتِ نحتاج إلى مجموعة شروط، أوجزها أوَّلًا، ثُمَّ أتناولُهَا بالشرحِ والتفصيل.
الشروطُ موجزة هي:
• خلوصُ النيَّة.
• طهارةُ القلبِ.
• عدمُ تناولِ الحرام.
• اجتنابُ المعاصي والذنوب.
• عدم الإسراف في الملذَّاتِ..
• استثمار الوقت في العبادة والطاعة وأعمال الخير.
هذه شروطٌ ستة رئيسةٌ، أحاولُ أنْ أتناوَلَها ببعض الإيضاح:
الشَّرط الأوَّل: خلوصُ النيَّة
كلُّ عملٍ لا يحملُ خلوصَ نيَّةٍ للهِ تعالى لا قيمةَ لهُ في ميزانِ الآخرةِ.
• ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...﴾ {الأعراف/29}
• ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...﴾ {البينة/5}
• ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ...﴾ {الزمر/3}
• ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ {البقرة/139}
• وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم:
«بالإخلاصِ تتفاضلُ مراتبِ المؤمنين».
• وقال صلَّى الله عليهِ وآلِهِ وسلَّم:
«إذا عملتَ عَمَلًا فاعملْ لله خالصًا، لأنَّه لا يقبل من عبادِهِ الأعمالَ إلَّا ما كان خالصًا».
• في قصة موسى وشعيب عليهما السَّلام:
«فلمَّا دخل موسى على شعيب، إذا هو بالعشاء مُهيَّأ، قال له شعيب: اجلس يا شابٌ فتعشَّ، قال له موسى: أعوذ بالله، قال شعيب: ولِمَ ذلكَ؟ ألستَ بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخافُ أنْ يكونَ هذا عِوَضًا لما سقيتُ لهما، وإنَّا مِن أهلِ بيتٍ لا نبيعُ شيئًا مِن عمل الآخرةِ بملء الأرضِ ذَهَبًا.
فقال له شعيب: لا واللهِ يا شاب، ولكنَّها عادتي وعادةُ آبائي نُقري الضيفَ، ونُطعمُ الطعامَ، قال: فجلس موسى يأكل...».
• وقال الإمام العسكري عليه السَّلام:
«لو جُعلتْ الدُّنيا كلُّها لُقمةً واحدةً، ولقَّمتُها مَنْ يعبُد اللهَ خالصًا، لرأيتُ أنِّي مُقصِّرٌ في حقِّه».


ما معنى خلوصِ النيَّةِ للهِ تعالى؟
معنى خلوصِ النيَّة لله تعالى: هو إتيانُ العمل مِن أجل الله سبحانه، أي أنْ يكونَ الباعثُ والمحرِّك نحو الفعلِ هو التقرُّبُ إلى الله تعالى.


وهذا الباعثُ له ثلاثةُ منطلقات:
المنطلق الأول: أنْ يكونَ الباعثُ هو الخوفُ من عقابِ اللهِ تعالى، وهذا ما تسمِّيه الرِّواياتُ (عبادةَ العبيد).


المنطلق الثاني: أنْ يكونَ الباعثً هو الرَّغبةُ في ثوابِ الله تعالى، وهذا ما تسمِّيه الرِّواياتُ (عبادةَ التُّجار).


المنطلق الثالث: أنْ يكونَ الباعثُ هو الحبُّ للهِ والإيمانُ بأنَّه تعالى أهل لأنْ يُعبَد، وهذا ما تسمِّيه الرِّوايات (عبادة الأحرار).


فكلُّ هذه المنطلقات صحيحةٌ، وتحقِّق مِن خلالها (نية الخلوص لله تعالى) وإنْ كان المنطلق الثَّالث هو الأرقى..


• ورد عن أمير المؤمنين عليه السَّلام أنَّه قال:
«ما عبدتُك خوفًا مِنْ نارِكَ، ولا طمعًا في جنَّتِكَ، ولكنِّي وجدتُكَ أهلًا للعبادةِ فعبدتُك».


وتبقى العبادة (خوفًا وطمعًا) تحملُ قيمةً كبيرةً في ميزان الآخرة.
وهذا ما أكَّدتْه الآيات الكريمة.
- فطائفة من الآيات تحدَّثت عن الخوف والرجاء:
• ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا...﴾ {السجدة/16}
• ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ...﴾ {الزمر/9}
• ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ...﴾ {الإسراء/57}
- وطائفة أخرى من الآياتِ تحدَّثت عن الخوف فقط:
• ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ {الرحمن/46}
• ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ...﴾ {هود/103}
• ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {*} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ {النازعات/40-41}
والآياتِ في هذا السِّياق كثيرة...
- وطائفة ثالثة من الآياتِ تحدّثت عن الرَّجاء فقط:
• ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا...﴾{الكهف/110}
• ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ {البقرة/218}
• ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ {فاطر/29}
الرِّياءُ ينافي الإخلاص:
الرِّياءُ هو الإتيان بالعمل من أجل كسب ثناء الناس وإعجابِهم وهو حرام في العبادات ومبطلٌ لها، وأمَّا في التوصُّليات فلا يحرم الرِّياء ولكنَّه يصادر الثواب الإلهي كمن ينفق على الفقراء من أجل الشهرة.


أكَّدت ذلك الآيات والرِّوايات:
أوَّلًا: الآيات القرآنية:
هذه بعض آيات يجب أنْ نقرأها وأنْ نتدبَّرها:
• ﴿يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ {النساء/142}
تتحدَّث الآية عن المنافقين كانوا يذكرون الله علانيةً ولا يذكرونه في السِّر، فهم يمارسون ذلك للنَّاس من أجل أنْ يثقوا بهم.
• ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ {*} وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ {الماعون/6-7}
أي يعملون أعمال الخير ليراهم النَّاس، لا ليرضى الله عنهم، ويمنعونَ أيَّ معونة ممَّا يحتاجها الآخرون.
• ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...﴾ {البقرة/264}
هنا تحذير للمؤمنين أنْ لا يُبطلوا صدقاتِهم بالمنِّ والأذى فإنَّ هذا يُحرمهم من ثواب الله، ويكون مثلهم كالمرائين الذين ينفقون الأموال من أجل أنْ يحصلوا على مدح الناسِ وثنائهم، هؤلاءِ المتصدِّقون المنَّانون والمراءُون لا يؤمنون باللهِ واليومِ الآخرِ.
• وهذا ما أكَّدته آية أخرى ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ...﴾ {النساء/38}
• ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ...﴾ {الأنفال/47}


البطر: الطغيان والزهو والاستعلاء.
رئاء الناس: من أجل أنْ يراهم الناس فيمدحونهم، فعملهم ليس من أجلِ الله، ومن أجل خدمة الرسالة.


وهنا تحذير لكلِّ الذين يمارسون أعمالًا جهاديةً أو سياسيةً أو اجتماعيةً أو تبليغيةً أنْ لا يمارسوا ذلك بطرًا وزهوًا وطغيان، ولا من أجلِ الشهرة والثناء والمدح، وإنَّما يجب أن يكون ذلك من أجلِ الله تعالى.
وأمَّا الرِّوايات المحذِّرة من الرِّياء فنتناولها في حديث قادم إنْ شاء الله تعالى.


خطابُنا السِّياسيُّ وهَمُّ الوطنِ:
أمَّتُنا، وشُعوبُنا تمرُّ بمرحلةٍ هي الأعقدُ والأصعبُ في تاريخها، حيثُ التحدِّياتُ والإرهاصاتُ والتأزماتُ، وحيثُ الصِّراعاتُ، والخلافاتُ، والانقساماتُ.


وبمقدارِ ما تكونُ الحاجةُ كبيرةً في هذه المرحلةِ المُعقَّدةِ كلَّ التعقيد إلى الخطابِ السِّياسيِّ الَّذي يحمِلُ همَّ أمَّتِنا كلِّها، وهمَّ شُعوبِنا كلِّها، فنحنُ في أمسِّ الحاجةِ وأشدِّها إلى خطابٍ سياسيٍّ يحملُ همَّ أوطانِنَا، ولا يعني هذا أنْ ننفصلَ عن هموم أمَّتِنا الإسلامية والعربية، وعن همومِ شعوبِنا العربية والإسلامية.
فانتماؤنا للإسلام يفرضُ علينا أنْ نحملَ كلَّ همومِ أمَّتنا وشعوبِنا الإسلامية.
وانتماؤنا العربي يفرضُ علينا أنْ نحملَ كلَّ هموم أمَّتِنا وشعوبنا العربية.
وانتماؤنا إلى أوطاننا يفرض علينا أنْ نحملَ كلَّ هموم أوطاننا وبلداننا.
وهناك همومُ الإنسانِ كلِّ الإنسان.


• وكما قال أمير المؤمنين عليه السَّلام:
«النَّاسُ صِنفان: إمَّا أخ لك في الدِّين، أو نظير لك في الخلق».
هكذا يتسع همُّ الإنسان المسلم، ليحتضن كلَّ هموم البشر، وكلَّ هموم العالم.
ويبقى الوطن الذي احتضن الإنسان، وتبقى الأرض الذي تجذَّر في تربيتها، ويبقى الناس الذين انصهرت عواطفه معهم، يبقى كلُّ هذا يشكِّل (الكينونة الوطنية المتأصلة) في داخله، والتي لا تقوى كلُّ عواملُ الدنيا أنْ تقتلها، وقد روي أنَّ«حبَّ الوطن من الإيمان»، وعن أمير المؤمنين عليه السَّلام: «عُمِرتْ البلدانُ بحبِّ الأوطان»، وعنه عليه السَّلام: «من كرم المرءِ بكاؤه على ما مضى من زمانِهِ، وحنينُه إلى أوطانِهِ، وحفظُهُ قديمِ إخوانِهِ».
كلَّ هذا مادام في الأوطان أمنٌ وأمان ومادام في الأوطان حياة واستقرار، وما دام في الأوطان عدلٌ وإنصاف.
• قال رسول الله صلَّى الله عليه وآلِهِ:
«لا خيرَ في الوطن إلَّا مع الأمنِ والسُّرور».
• وقال أمير المؤمنين عليه السَّلام:
«شرُّ الأوطانِ ما لم يأمن فيه القُطَّان»
• وعنه عليه السَّلام:
«الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة».
• وعنه عليه السَّلام:
«العقل في الغربة قربةٌ، والحمق في الوطن غربة».
فمن حقِّ الوطنِ علينا أنْ نحبَّه، أنْ ندافع عنه، أنْ نعمِّره، أنْ نحمي أمنه، ومِن حقِّنا على الوطن أنْ يحتضننا، أنْ يُوفِّر أمنَنا، أنْ يكفَ عيشنَا، أنْ يحمي كرامتِنا، أن يضمن حقوقنا، أنْ يوحِّدنا، أنْ لا يُمايز بيننا، أنْ لا يقهر إرادتنا...


من هنا كانتْ الحاجةُ مُلحَّةً إلى خِطابٍ سياسيٍّ يحملُ همَّ الوطنِ، أيًّا كانَ هذا الخِطابُ، خطابَ سُلطةٍ، أو خِطابَ موالاةٍ، أو خِطابَ معارضةٍ.
وإذا كانتْ الحاجةُ مُلحَّةً إلى خِطابٍ سياسيٍّ يُحصِّنُ أمنَ الوطنِ.
وإذا كانتْ الحاجةُ مُلحَّةً إلى خِطابٍ سياسيٍّ يُكرِّسُ الوحدةَ والتقاربَ والتسامحَ والمحبَّةَ بين أبناءِ الوطنِ، ومكوِّناتِهِ، وطوائفِهِ، ومذاهبِهِ.
فإنَّ الحاجةَ مُلحّةٌ كلَّ الإلحاحِ إلى خطابٍ سياسيٍّ يحملُ همُّ الإصلاحِ والبناءِ على كلِّ المستويات.


حينما نقرأ الخِطابَ في مشهدِنا السِّياسيّ، خِطابَ سلطةٍ، أو موالاةٍ، أو معارضةٍ...
فإنَّنا يمكنُ أنْ نُصنِّف الخطابَ إلى:
أوَّلًا: خطابٍ يُباركُ كلَّ الواقعِ السِّياسيَ الرَّاهِن في هذا البلدِ، بكلِّ إيجابياتِه وسلبياتِهِ، بكلِّ حسناتِهِ، بكلِّ مساراتِهِ الصحيحةِ والخاطئة، بكلِّ حقائقِهِ وأوهامِهِ...
هذا خطابٌ ليسَ مَوضُوعيًا، وليس مُنصفًا، وليس نزيهًا، وليس مُخلصًا لقضايا هذا الوطن.
أنْ يباركَ الخِطاب كلَّ الإيجابياتِ، وكلَّ الحسناتِ، وكلَّ المساراتِ الصحيحة أمرٌ صحيحٌ جدًا، وموضوعيّ جدًا، ومنصفٌ جدًّا، ونزيهٌ، ومخلصٌ لقضايا الوطنِ...
أمّا أنْ يباركَ الأخطاءَ، السّلبياتِ، والسّيئاتِ، والتجاوزاتِ، والأوهامِ، فهذا أمر مرفوضٌ كلَّ الرفض، ولا يساهمُ في إصلاح الوطن، وفي بناءِ الوطن، بل يُكرِّسُ الفَسَادَ، ويُراكمُ الأخطاء، ويُعمِّقُ الأزمات، ويضرُّ بمصلحة الوطن.
ثانيًا: خطابٍ لا يعترفُ بالواقعِ السِّياسيِّ جُمْلةً وتفصيلًا، بكلِّ إيجابياتِهِ وسلبياتِهِ، بكلِّ حسناتِهِ وسيِّئاتِهِ، بكلِّ أوضاعِهِ الصائبة والخاطئة، بكلِّ حقائقِهِ وأوهامِهِ...
هذا أيضًا خطابٌ ليس موضوعيًا، وليس مُنصفًا، وليس واقعيًا، وليس رشيدًا...
إذا كانَ مِن حقِّ الخِطاب أنْ يُحاسبَ الأخطاءَ، والتجاوزات، وكلَّ السَّلبيات...
فليسَ مِن حقِّه أنْ يُصادرَ الإيجابياتِ، والمنجزاتِ، وكلَّ ما هو صحيح...
وليسَ من الرُّشدِ أنْ يعيشَ الخِطابُ في (غيبوبةٍ حالمةٍ) منسلخةٍ عن الواقعِ ومعطياتِهِ...
ثالثًا: خطابٍ يُملك الرُشدَ، والإنصافَ، والموضوعيةَ، والواقعيةَ، والصراحةَ، والجرأةَ، يبارك الإيجابيات، ويدعو إلى تصحيح السَّلبيات، يثمِّنُ الإنجازات، يُصرُّ على مواجهة كلّ التجاوزات، هذا الخِطاب يُطالبُ بالإصلاحِ، بالإنصافِ، بالمساواةِ، بالحقوقِ العادلةِ، بالأمنِ والاستقرارِ، بالكرامةِ لكلِّ مواطنٍ، بالمشاركةِ الحقيقيةِ في العمليةِ السِّياسيةِ، بكلِّ ما فيه صلاحٌ لهذا الشَّعب، ولهذا الوطن، فما أحوجَ الوطنُ إلى خِطاب الصُلح والإصلاح، إلى خِطابٍ لا يُداهن ولا يُنافق، إلى خِطابٍ لا يَضعُفُ ولا يُعنُفُ، إلى خطابِ محبَّةٍ وتسامح، لا إلى خطابِ كراهيةٍ وتعصُّبٍ، إلى خطابِ عقلٍ ورشد، لا إلى خطابِ بَلهٍ وطيشٍ، إلى خطابٍ يملك دينًا، وضميرًا ولا يخشى إلَّا الله تعالى...
وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: شهر رجب   |   إلى أعلى ]