حديث الجمعةشهر رجب

حديث الجمعة 334: الاستغفار دواء الذنوب(2) – في ذكرى شهادة الإمام الكاظم عليه السَّلام – في ذكرى البعثة النبوية وماذا تعني هذه الذكرى للمسلمين؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصَّلوات على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وعلى آله الهداة الميامين…


يستمر بنا الحديث حول هذا العنوان:


الاستغفار دواء الذنوب:
الذنوب أمراضٌ خطيرة تفتك بالأرواح وتقود إلى عذاب النَّار، وكما لأمراض الجسد آثارها المؤلمة على الأبدان فكذلك الذنوب لها آثارها الموجعة على الأرواح…


فما هي هذه الآثار التي توجع الأرواح؟


لن أتحدَّث عن آثار الذنوب فيما بعد الموت، حديثي عن آثار ترهق حركة الأرواح في هذه الحياة، من هذه الآثار:
(1)  ظلمة القلب واسوداده:
• قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. (المطففين/ 14)


– الرين هو الصدأ الذي يعلو الشيئ
فالذنوب والمعاصي تشكِّل صدأ يتراكم على القلوب، فتصبح عمياء لا تبصر الخير والشَّر، والخطر كلّ الخطر حينما تعمى القلوب والبصائر ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. (الحج/ 46)


• وفي الحديث عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله:
«إنَّ القلوبَ تصدأ كما يصدأ الحديد… قيل: يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال صلَّى الله عليه وآله: قراءة القرآن وذكر الموت».


• وجاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السَّلام:
«ما مِن عبدٍ إلَّا وفي قلبه نكتةٌ بيضاء، فإذا أذنب ذنبًا خرج في النكتة نكتةٌ سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإنْ تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتَّى يُغطِّي البياض، فإذا تغطَّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدًا وهو قول اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. (المطففين/ 14)».


• وجاء عن الإمام الصَّادق عليه السَّلام قوله:
«كان أبي (عليه السَّلام) يقول: ما مِن شيئ أفسد للقلب من الخطيئة، إنَّ القلبَ ليواقع الخطيئة، فما تزال به حتَّى تغلب عليه فيصير أسفلُهُ أعلاه، وأعلاه أسفلَه».


• وفي الحديث: «من أكل الحرام اسود قلبه، وضعفت نفسه، وقلَّت عبادته، ولم تستجب دعوته».


(2)  الكسل العبادي وحرمان صلاة الليل:
• قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى…﴾. (النساء/ 142)
هذه هي صلاة المنافقين، وهكذا تكون كذلك صلاة المأسورين للأهواء والشهوات، والذنوب والمعاصي.
 
• تقدَّم في الحديث أنَّ من أكل الحرام: «ضعفت نفسه، وقلَّت عبادتُه».


• وفي الحديث: «كيف يجد لذَّة العبادة من لا يصوم عن الهوى».


• وقال الإمام عليّ عليه السَّلام وقد شكا إليه رجل جفاف الدموع: «ما جفَّت الدموع إلَّا لقسوة القلوب وما قست القلوب إلَّا لكثرة الذنوب».


• وجاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين عليه السَّلام فقال: إنِّي حرمت صلاة الليل، فأجاب عليه السَّلام: «أنت رجل قد قيَّدتك ذنوبُك».
 
• وفي حديث آخر: «اتقوا الذنوب فإنِّها ممحقة للخيرات، إنَّ العبدَ ليذنب الذنب فيمنع من قيام الليل».
• وفي حديث ثالث: «إنَّ الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل، فإذا حرم صلاة الليل حرم الرزق».


(3)  الحرمان من فيوضات العلم الربَّاني:
العلم الربَّاني هو العلم الذي يرتقى بالإنسان إلى درجات القرب من الله عزَّ وجلَّ وهو نور يقذفه الله في قلب مَنْ يشاء.
• قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾. (البقرة/ 282)


• وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله:
«إذا أتى عليَّ يومٌ لا أزداد فيه علمًا يقرِّبُني إلى الله تعالى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم».


• وعن أمير المؤمنين عليه السَّلام:
«حرام على قلبٍ مغلولٍ بالشهوة أنْ ينتفع بالحكمة».
 
• وفي الحديث:
«من أخلص لله أربعين يومًا [مَنْ أكل الحلال أربعين يومًا] أجرى الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».


في ذكرى شهادة الإمام الكاظم عليه السَّلام:
مارست أنظمة الحكم الأموي والعباسي أساليب في غاية القسوة والشدَّة تجاه الأئمَّة من أهل البيت عليهم السَّلام وتجاه كلَّ مَنْ ينتسب وينتمي إليهم، ففي ظلِّ هذه الأنظمة نشطت سياسات الاعتقال والملاحقة ومصادرة الحرِّيات، وامتلأت السجون والمعتقلات وسفكت الدماء وأزهقت الأرواح، وهتكت الأعراض…


الإمام موسى الكاظم عليه السَّلام سابع الأئمَّة من أهل البيت عليهم السَّلام واحد من ضحايا هذه السِّياسة الظالمة الطائشة..


إمامنا الكاظم عليه السَّلام عاصر أربعة من الحكَّام العباسيين.


(1) عاصر المنصور العباسي، والتي امتلأت في عهده السجون المظلمة بالأبرياء وكانت تهدم عليهم وهم أحياء كما كان يدفن بعضهم أحياء في الاسطوانات.


أذكر هذا المثال الذي ذكره الطبري في تاريخه حيث قال ما ملخصه: 
«لمَّا عزم المنصور على الحج دفع مفاتيح الخزائن إلى زوجة المهدي العباسي، وأوصاها أن لا تفتح الخزائن إلَّا بعد موته وبحضور المهدي… فلمَّا انتهى إليها موت المنصور وولي الخلافة المهدي فتحت الخزائن فإذا أعداد كبيرة من قتلى الطالبين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال، ورجال شباب، ومشايخ… فلمَّا رأى المهدي ارتاع، وأمر فحفرت لهم حفيرة، فدفنوا فيها وبنى فوقهم دكانًا».


(2) عاصر المهدي العباسي…  
حاول المهدي العباسي أنْ يغيِّر سياسة أبيه المنصور تجاه العلويين، فأصدر عفوًا عامًا عن جميع المسجونين، إلَّا أنَّه سرعان ما عاد إلى نهج القمع والبطش والاعتقال، ومارس سياسة الشدَّة مع الإمام الكاظم، فاستدعاه إلى بغداد وحبسه مدة من الزمن ثمَّ ردَّه إلى المدينة كما خطَّط لقتل الإمام…


(3) عاصر الهادي العباسي…
ورغم قصر مدة حكمه (سنة وشهر) فقد مارس سياسة امتازت بنزعات شريرة، تركت آثارًا سيئة على الأئمَّة وأتباعهم، وفي أيامه حدثت (واقعة فخ) التي قال عنها الإمام الجواد عليه السَّلام «لم يكن بعد الطف مصرع أعظم من فخ» في هذه الواقعة قتل الحسين بن علي بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب وأصحابه، واحتزَّت رؤوسهم وأرسلت للطاغية، ومعهم الأسرى وقد قيِّدوا بالحبال والسَّلاسل، ووضع في أيديهم وأرجلهم الحديد وأمر الطاغية بقتلهم، وقتلوا صبرًا، وصلبوا على باب الحبس ثم أخذ الهادي العباسي يخطِّط لقتل الإمام الكاظم وكان يقول: «ما خرج حسين إلَّا بأمره، ولا اتبع إلَّا محبِّيه، لأنَّه صاحب الوصية في هذا البيت، قتلني الله إنْ أبقيت عليه».
 
(4) عاصر هارون الرشيد العباسي…
تعتبر السنوات التي عاشها الإمام الكاظم في عصر هارون الرشيد العباسي من أعقد وأصعب السنوات في حياة الإمام الكاظم عليه السَّلام، استمرت هذه السنوات أربع عشر سنة وأشهرًا تعرض فيها إلى اعتقالات بتهمة العمل ضدَّ نظام الحكم العباسي… 


أول اعتقال للإمام في عهد الرشيد، حينما زار الرشيد قبر الرسول صلَّى الله عليه وآله، حيث أمر باعتقال الإمام الكاظم، فألقي القبض عليه وهو قائم يصلِّي عند رأس جدِّه النبيّ صلَّى الله عليه وآله ولم يمهلوه لإتمام الصَّلاة، فحمل وقيِّد، فشكى الإمام ذلك لجدِّه رسول الله صلَّى الله عليه وآله قائلًا: «إليك أشكو يا رسول الله» وقد أحدث هذا الاعتقال غضبًا واستنكارًا عامًا، فخشي النظام أن يكون ذلك محفِّزًا للثورة، فأخفى موضع اعتقال الإمام موهمًا النَّاس أنَّه أطلق سراح الإمام، إلَّا أنَّه أخذ إلى البصرة وسجن هناك، ولمَّا شاع خبر سجن الإمام في البصرة وعلم الناس بمكانه، هبَّت إليه العلماء وغيرهم، فأوعز الرشيد إلى واليه في البصرة أنْ يخطِّط لاغتيال الإمام إلَّا أنَّه اعتذر فاضطر الرشيد إلى استجلاب الإمام إلى بغداد وأمر باعتقاله وحبسه لمدة طويلة، ثمَّ أطلق سراحه…


وتتابعت الاعتقالات، وأخيرًا أمر هارون الرشيد بنقل الإمام عليه السَّلام إلى سجن السَّندي بن شاهك، وأمره أن يمارس معه أعنف الأساليب وأقساها، فاستجاب هذا اللئيم فعرَّض الإمام إلى أشرس ألوان الإيذاء والتعذيب النفسي والجسدي حيث أمر هارون الرشيد سجَّانه أنْ يقيِّد الإمام عليه السَّلام بثلاثين رطلًا من الحديد، ويقفل الباب في وجهه، ولا يدعه يخرج إلَّا للوضوء، وامتثل السَّندي ذلك، ومارس أشدَّ أنواع التضييق والإرهاق والعنف مع الإمام…
وأخيرًا اتخذ الرشيد قراره بقتل الإمام، وتمَّت الجريمة النكراء والتي بقيت وصمة عار في جبين النظام…


في ذكرى البعثة النبوية:
لم يمر على هذه الدُّنيا يوم هو أعظم خيرًا وبركةً من يوم البعثة النبوية، حيث ولد فجر الرسالة التي هي خاتمة الرسالات، وانبلج نور النبوة وهي سيِّدة النبوات، وانسكبت الرَّحمة العظمى المهداة إلى العالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء/ 107)، ﴿فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ…﴾ (الأنعام/ 157).


البعثة حسب الروايات الواردة عن أئمَّة أهل البيت عليهم السَّلام وقعت في السابع والعشرين من شهر رجب.


• عن الإمام الصَّادق عليه السَّلام هو يتحدَّث عن السابع والعشرين من رجب قال: «إنَّه اليوم الذي أنزلت فيه النبوة على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله».


• وقال الإمام الهادي عليه السَّلام: إنّه [السابع والعشرين من رجب] يوم بعث الله محمَّدًا صلَّى الله عليه وآله إلى خلقه رحمة للعالمين».


وهناك مَنْ ذهب من المسلمين إلى أنَّ البعثة كانت في شهر ربيع الأول أو في شهر رمضان…


ماذا تعني هذه الذكرى للمسلمين؟
(إنَّها منطلق لوحدة المسلمين) وما أحوج الأمَّة الإسلامية وهي تواجه أخطر التحدِّيات والمؤامرات إلى أنْ تؤسِّس لمشروع الوحدة والتآلف والتقارب في مواجهة مشروعات التجزءة والتشظِّي والانقسام…
إنَّ أخطر مشروع يهندَسُ له في هذه المرحلة هو (مشروع الفتنة الطائفية)، هذا المشروع الذي يُراد له أنْ يحرق الأخضر واليابس، وأنْ يحصد النفوس والأرواح، وأنْ يهتك الحرمات والمقدَّسات، وأنْ يدمِّر البلدان والأوطان.


مَنْ الذي يُهندس لمشروعات الفتنة الطائفية؟
• يُهندس لها قوى كبرى معادية لأمَّتنا، ولا يهمها من أجل مصالحها أنْ تشعل نيران الفتن الطائفية بين المسلمين، وأنْ تؤجِّج الأحقاد والعداوات، وأنْ تغذِّي الخلافات والصراعات والمعارك والحروب…
 
• ويُهندس لهذه المشروعات الطائفية البغيضة أنظمة حكم وسياسة في بلدان المسلمين من أجل إضعاف وتمزيق الشعوب وقهر وإسقاط إراداتها وعنفوانها وقوَّتها، ومن أجل إشغالها بالصراعات فيما بينها، لكي تتخلَّى عن أدوارها الحقيقية في مواجهة الواقع السِّياسي الفاسد الذي تعيشه أنظمة الحكم…


بلدنا الحبيب هذا، والذي عاش تاريخًا من الأخوة والمحبَّة بين جميع مكوِّناته، بدأت تتحرَّك على أرضه خطابات الفتنة الطائفية،
زحفتْ إلى مواقع في إعلام، في تلفاز، في إذاعة، في صحافة…
زحفتْ إلى مواقع في وزارات، وفي مؤسَّسات…
زحفتْ إلى مواقع في منابر، في مساجد، في مدارس…
زحفتْ كذلك إلى مواقع في شوارع وطرقات…
هذا منزلق خطير وخطير، ومآلاته مُرعبة ومدمِّرة..
رفقًا بهذا الوطن، رفقًا بالدماء والأرواح، رفقًا بالأعراض والحرمات…
إذا اشتعلت نار الفتنة الطائفية فلن يكون هناك ناجٍ، لن ينجو نظام، ولا شعب، ولا مكوِّنات، ولن ينجو أمنٌ، ولا وطن…
فماذا يريد اللاعبون بنار الطائفية أنْ يصنعوا؟
وماذا يريد صنَّاع الفتنة أن ينتجوا؟
يجب أنْ يتوحَّد كلّ الغيارى من أبناء هذا الوطن، ومن جميع الطوائف والمذاهب والانتماءات، في مواجهة (كلّ المنتجات الطائفية) لدى النظام أو لدى هذا المكوِّن أو لدى ذاك المكوِّن…


لا نريد أنْ يحاصرنا (الهاجس الطائفي) ليشغلنا عن همِّنا الكبير في إصلاح الوضع السِّياسي، وإنَّ بقاء هذا الوضع في منزلقاته السَّيئة، وفي مساراته المأزومة هو أحد أخطر المنتجات الطائفية، فكثيرًا ما توظِّف الأنظمة الحاكمة إفلاساتها السِّياسية توظيفًا طائفيًا، لتحمِّل الشعوب مسؤولية هذا الإخفاق والإفلاس…
ولن تتحرر الأوطان من (منتجات الطائفية) إلَّا إذا تحرَّرت الأنظمة من مفاسد الحكم والسِّياسة…
وأكرِّر إنَّنا جميعًا في هذا الوطن، وبكل انتماءاتنا ومذاهبنا وطوائفنا مطالبون شرعًا وعقلًا أنْ نتصدَّى بحكمة وبصيرة لأيّ عنوان، يبحث عن أيِّ هدف أو غرض…
وأؤكد هنا – انطلاقًا من رؤية الشرع والدين – على حرمة الدماء والأعراض والأموال لكلِّ الناس على هذه الأرض ينتمون إلى أيّ موقع في هذا الوطن…
قال الله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا…﴾. (المائدة/ 32)
وقال نبيُّنا العظيم صلَّى الله عليه وآله: «لزوال الدنيا جميعًا أهون على الله من دم سفك بغير حقٍّ».
وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين
 


 


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى