حديث الجمعةشهر جمادى الأولى

حديث الجمعة 363: أنماط من الكذب الشائعة (3) – خياران: الخيار السلمي وخيار العنف – كلمة إلى براعم الإيمان

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضل الصَّلوات على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وعلى آله الهداة الميامين وبعد فمن بعض العناوين.


أنماط من الكذب الشائعة (3):


(3) خلف الوعد:
ما معنى خلف الوعد؟
أنْ يُعطي الإنسان وعدًا ثمَّ لا يفي بهذا الوعد، وهنا عدَّة صُور:
الأولى: أنْ تكون من نيتهِ الوفاء، فيحدث ما يحول بينه وبين هذا الوفاء، ممَّا يكون معذورًا فيه، ولا إشكال أنَّ هذا اللون لا يعدُّ خلفًا للوعد ولا إثم فيه.
الثانية: أنْ تكون من نيته الوفاء، إلَّا أنَّه يتخلَّف عن الوفاء بلا عذر مسوِّغ، وإنَّما تهاونًا وتفريطًا، وهذا وإنْ كان لا يعدُّ كذبًا، لكنه سلوك سيِّئ له آثار وخيمة على العلاقات بين النَّاس.
الثالثة: أنْ يعد وعدًا، وليس من نيته الوفاء، وهذا من أجلى مصاديق خلف الوعد، وصاحبه مأثوم بلا إشكال، فهو لون من ألوان الكذب.
نقرأ بعض النصوص التي تحذِّر من خلف الوعد:
• قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. {الصف/2-3}
• قول الرسول صلًَّى الله عليه وآله:
«ليس الخلف أنْ يعد الرجل ومن نيته أنْ يفي، ولكن الخلف أنْ يعد الرجل ومن نيته أنْ لا يفي».
• وقوله صلَّى الله عليه وآله:
«العدة دين، ويلٌ لمن وَعَدَ ثمَّ أخلف، ويلٌ لمن وَعَدَ ثمَّ أخلف، ويلٌ لمن وَعَدَ ثمَّ أخلف».
• قول الإمام الصَّادق عليه السَّلام:
«عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف الله بدأ، ولمقته تعرَّض، وذلك لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ {الصف/2}».
• وقوله عليه السَّلام:
«لا تعدن أخاك وعدًا ليس في يدك وفاؤه».
بعضُ تطبيقات لخلف الوعد:
التطبيق الأول: الخلف في مواعيد الزيارة:
من المستحبات المؤكَّدة (التزاور بين المؤمنين)
• قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله:
«مَنْ زار أخاه المؤمن إلى منزله لا حاجة منه إليه كُتب من زوَّار الله، وكان حقيقًا على الله أنْ يكرم زائره».
• وقال صلَّى الله عليه وآله:
«مَنْ زار أخاه في بيته قال الله عزَّ وجلَّ له: أنت ضيفي وزائري عليَّ قراك وقد أوجبت لك الجنَّة بحبِّك إيَّاه».
• وقال أمير المؤمنين عليه السَّلام:
«زوروا في الله، وجالسوا في الله، وأعطوا في الله، وامنعوا في الله، زايلوا أعداء الله وواصلوا أولياءَ الله».
أخطاء ومخالفات شائعة في موضوع الزيارة:
1- كثرة الزيارة التي توجب التبرُّم والانزعاج، فرغم قيمة زيارة الإخوان وأهمِّيتها الكبيرة في توثيق العلاقات، إلَّا أنَّه يجب أنْ لا تشكِّل سببًا في إزعاج وتبرُّم الآخرين.
• جاء في الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله:
«زُر غبًّا تزدد حبًّا».
• وقال أمير المؤمنين عليه السَّلام:
«إغباب الزيارة أمان من الملالة».
• وقال عليه السَّلام – في وصيته لابنه الحسن عليه السَّلام-:
«كثرة الزيارة تورِّث الملامة».
• وقال عليه السَّلام:
«من كثرت زيارته قلَّت بشاشته».


2- الزيارة في الأوقات غير الملائمة:
للزيارة أوقاتها المناسبة، فإذا جاءت في غير أوقاتها المناسبة كانت خارجة عن الذوق واللَّياقة، فيجب احترام خصوصيات الآخرين في أوقاتهم وأوضاعهم، أمَّا أنْ نقتحم عليهم بيوتهم في كلِّ وقت بلا حساب للخصوصيات، فهذا مخالف لآداب الزيارة، ومناف لأهدافها… وحينما نتحدَّث عن الخصوصيات فقد تكون الخلود للراحة، أو التفرُّغ للجلوس مع الأهل والعيال، أو الانشغال العلمي كما إذا كان الشخص من أصحاب الاهتمامات العلمية والثقافية، فالزيارة في هذه الأوقات تحدث إرباكًا للمزور.
 
3- وفي سياق الخطأ السَّابق يأتي خطأ آخر وهو (زيارة بلا موعد)، فكم تُسبِّب هذه الزيارة من إرباكات وإحراجات، مطلوب احترام أوقات الآخرين، فلا يصح أنْ نفاجأهم بزيارات ليسوا على استعداد لها وقتًا ووضعًا، نعم ربَّما تكون العلاقة استثنائية تسمح بالزيارات المفاجأة وبلا مواعيد، وهذه حالات خاصة لا يصح تعميمها، وربَّما الشخص قد حدَّد وقتًا ثابتًا لاستقبال الآخرين، فهذا الوقت مفتوح لا يحتاج إلى استئذان، ما عدا ذلك فمن أدب الزيارة تحديد الموعد مسبقًا، لكي يحترم الإنسان نفسه، ويحترم الآخرين.
 
4- الإطالة في الزيارة أمر غير محبَّب، لما يترتب على ذلك من مضايقات، إلَّا أنْ يعلم بشكلٍّ قاطع رغبة المزور في بقاء الزائر، ففي هذا إدخال السرور عليه، وما عدا ذلك، فيجب أنْ لا نرهق الآخرين بطول المكث والبقاء، وخاصة إذا كانت الزيارة هي عيادة لمريض.
• قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله:
«خير العيادة أخفّها».
• وقال صلَّى الله عليه وآله:
«أعظم العيادة أجرًا أخفُّها».
• وقال أمير المؤمنين عليه السَّلام:
«إنَّ من أعظم العوَّاد أجرًا عند الله عزَّ وجلَّ لمن إذا عاد أخاه خفَّف الجلوس إلَّا أنْ يكون المريض يحبُّ ذلك ويريده ويسأله ذلك».
 
5- خلف الوعد في الزيارة.
أنْ تطلب موعدًا لزيارة أخيك ثمَّ تخلف وعدك، فهذا من العادات السَّيئة جدًا فكم أضعت أوقات الآخرين، وكم أربكت برامجهم، وكم أسأت إليهم وإلى نفسك، إذا وعدت أحدًا بزيارة فاحرص على الوفاء بوعدك.
وهنا نذكِّر بظاهرة شائعة في مسألة الزيارات، وهي عدم الالتزام بالمواقيت المحدَّدة للزيارة، وقد أصبح ذلك عادة متأصِّلة، أنْ نتأخر وقتًا لا يتسامح به عادة، قد يتسامح أن تتأخر دقائق، أمَّا أنْ نتأخر ساعة أو ساعات فهذا أمر سيئ جدًا، فأنت حجزت وقت الآخرين وعطَّلت مهامهم وأعمالهم، نعم إذا كان التأخر لأسباب قاهرة خارجة عن الإرادة فهذه مسألة أخرى، إلَّا أنَّ ما هو شائع لدينا هو التسامح والتساهل والتفريط، ممَّا يُعبِّر عن عدم احترام لقيمة الوقت، وعدم احترام للمواعيد، وعدم احترام للآخرين، إنَّ الحرص على الالتزام بمواعيد الزيارة يعبِّر عن درجة عالية من الالتزام الديني والحضارية والوعي بأهمية الوقت.


خياران: الخيار السلمي وخيار العنف:
أنظمة الحكم وكذا قوى الشارع قد يكون لها أحد خيارين: الخيار السلمي وخيار العنف، ولا شكَّ أنَّ الخيارين متنافيان متضادان، ولكلٍّ منهما معطياته ونتائجه وآثاره، وبلا خلاف فإنَّ خيار العنف له منتجاته المدمِّرة، وآثاره المرعبة، وأمَّا الخيار السلمي فهو الضمانة لحماية الأوطان وزرع الأمان.
إذا اعتمدت أنظمة الحكم خيارات سلمية في معالجة الأوضاع السِّياسية، وفي التعاطي مع أزمات البلدان وفي مواجهة حَراكات الشعوب، فهذا هو النهج البصير القادر على انتاج الحلول الصائبة في معالجة كلِّ الإشكالات السِّياسية والأمنية، وفي حماية الأوطان من كلِّ المنزلقات المدمِّرة، وفي خلاص الشعوب من كلِّ الأزمات والتعقيدات.
هذا إذا كان من نية الأنظمة البحث عن حلول جادَّة للمآزق السياسية التي تحاصر الأوطان والبلدان، وأمَّا إذا كانت مسكونة بروح الانتقام من الشعوب، ولا يعنيها إلَّا أنْ تفرض هيمنتها وسطوتها بأيِّ أسلوب، وبأيِّ ثمن، وإنْ كلَّف دماءً، وأرواحًا، وأعراضًا، وصراعًا، وفتنًا، وسجونًا، وأوجاعًا، وآلامًا، ورعبًا، وخوفًا، وقلقًا، ودمارًا… إلى آخر القائمة، فهذه الأنظمة لن تنحاز إلَّا إلى خيار العنف في مواجهة حَراكات الشعوب، واعتماد الخيارات الأمنية المفرطة في القسوة هو تجسيد لخيارات العنف، عنف الأنظمة تجاه الشعوب.
وإذا انتقلنا إلى الحديث عن قوى الشارع، ويعنينا هنا القوى المعارضة للأنظمة فهي الأخرى أمامها خياران: الخيار السِّلمي وخيار العنف، ولا شكَّ أنَّ خيار العنف مجرَّم ومُدان من قبل كلِّ العقلاء والمتشرِّعين، لما يحمله من تجاوزٍ لمعايير الدين والقانون، ولما ينتجه من آثار خطيرة جدًا على أوضاع الأوطان والشعوب، فأيُّ نزوع نحو العنف والتعدِّي على الأرواح والأعراض والممتلكات فهو نزوعٌ طائش وأحمق وفاقد للشرعية، ولا يشفع لهذا الخيار أيّ مبرِّر، حتى عنف الأنظمة لا يُبرِّر لقوى الشارع أن تعتمد العنف وسيلة وأداةً ونهجًا، فالخيار السلمي في المعارضة والمواجهة والتصدِّي هو الخيار السَّليم، والقادر على أنْ يهزم عنف الأنظمة ويُسقط كلَّ مبرِّراتها، ربَّما يكون هذا الخيار في حاجة إلى صبر طويل، وإلى ضبط الإرادة، وإلى تحمُّل الكثير من الأثمان الباهظة، إلَّا أنَّ النصر في النهاية للسِّلمية، والسِّلمية لا تمثِّل انهزامًا في مواجهة تحدِّيات الأنظمة، وعنف الأنظمة، وقسوة الأنظمة…
النموذج الأرقى في العلاقة بين الأنظمة الحاكمة وقوى الشارع المعارضة هو أنْ يمارس الطرفان أعلى درجات الانضباط في التعامل مع الآخر، من خلال اعتماد الخيار السِّلمي نهجًا لدى الأنظمة ولدى قوى المعارضة.
والنموذج الأسوأ في العلاقة أنْ ينزع الطرفان إلى اعتماد خيار العنف، معركة العنف والعنف المضاد معركة مدمِّرة لا رابح فيها الكلُّ خاسر، وهنا الهلاك والدمار للأوطان والبلدان، مع التأكيد أنَّ الفارق كبير وكبير جدًا بين عنف الأنظمة وعنف الشارع إنْ وجد.
وأمَّا إذا اعتمدت الأنظمة العنف، وأصرَّت قوى المعارضة على الخيار السلمي، فالخاسر هي الأنظمة…
وإذا كان العكس، بأنْ اعتمدت الأنظمة الخيار السِّلمي وأصرَّت قوى المعارضة على العنف، فالخاسر هي هذه القوى…



كلمة إلى براعم الإيمان:
بكلِّ حبٍّ أتوجَّه إلى أبنائي براعم الإيمان وهم يبدأون أول مشوارهم في طريق التكليف، هذا الطريق الذي عبَّدهُ الله لعباده الأخيار الصَّالحين.
أبنائي أهنئكم وأنتم تحملون (وسام التكليف) هذا الموسم العظيم الذي يجعلكم مؤهلين لخطاب الله تعالى، ولخطاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله، ولخطاب الأئمَّة الطاهرين، ولخطاب القرآن، ولخطاب الإسلام، ولخطاب الفقهاء…
مطلوبٌ منكم أيُّها الأعزَّاء وقد أصبحتم مُكلَّفين شرعًا:
أوَّلًا: أنْ تتعلَّموا أحكام الدِّين، لتكونوا المتديِّنين الواعين، الفاهمين، المثقَّفين، لا يريدكم الإسلام أنْ تكونوا جيلًا جاهلًا مُتخلِّفًا، بل يريدكم أنْ تكونوا جيلًا واعيًا، بصيرًا، مُسَلَّحًا بالعقيدة، عارفًا بأحكام الدِّين، فاهمًا لثقافة القرآن…
ابدأوا بتقليد أحد الفقهاء المعتمدين والموثوقين، خذوا (رسالته العملية) وهي عبارة عن كتاب يضمُّ فتاوى وآراء الفقيه، اقرأوا في هذه الرِّسالة لتتوافروا على (معرفة الأحكام الشَّرعية) فيما يخصُّ الوضوء والغسل والصَّلاة والصِّيام وبقية العبادات، وجميع أحكام الدِّين…
اقرأوا بعض الكتب المبسَّطة التي تُعرِّفكم ثقافة الإسلام ومفاهيم الحق، وأسس العقيدة الصَّحيحة…
ثانيًا: أنْ تكونوا الملتزمين عمليًا بتعاليم الدِّين، وتوجيهات الإسلام…
أنْ تمارسوا الصَّلاة كما أمركم الله تعالى، وبقيَّة العبادات التي كلَّفكم الدِّين بها…
أنْ تتحلوا بأخلاق الدِّين وروحانية الدِّين…
أنْ تملكوا تقوى الدِّين بمعنى أنْ تلتزموا بالواجبات وأنْ تتجنَّبوا المحرَّمات…
ومن الأفضل إذا استطعتم أنْ تمارسوا المستحبَّات وهي أمور ليست واجبة، وأنْ تتجنَّبوا المكروهات وهي أمور غير محرَّمة…
ثالثًا: أنْ تكونوا دعاة للدِّين بحسب قدراتكم وإمكاناتكم وكفاءاتكم، تأمرون بالمعروف والخير والصلاح، وتنهون عن المنكر والشر والفساد بأساليب مؤدَّبة، وصحيحة، ونظيفة.
جاء في وصيَّة لقمان لابنه حسب ما دوَّن ذلك القرآن:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. {لقمان/17} 
وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى