الإمام أمير المؤمنين (ع)من وحي الذكريات

حادثة الغدير وحديث الغدير يشكلان تأسيساً لمفهوم القيادة

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
 السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.


تمر بنا هذه الأيام مناسبة من مناسبات الإسلام الكبيرة وهي مناسبة «الغدير»، وقضية الغدير ليست حدثاً في التاريخ يسعنا أن نتجاوزه أو أن نغلق ملّفه حيث أنتهت حيثياته الزمانية والمكانية.


هكذا يفكر البعض حيث يرى أنّه من الأصلح لواقع المسلمين أن يتجاوزوا بعض أحداث التاريخ وأن يغلقوا ملفاتها، خاصة الأحداث التي تستثير الحساسيات المذهبية بين المسلمين، وتحرك الخلافات والصراعات، والجدليات العقيمة، ومن هذه القضايا قضية الغدير، فهي – كما يقول هذا البعض:


أولاً: قضية تاريخية بحته لا جدوى من إثارتها في واقع الأمة المعاصر، فهل أنَّ الجدل حولها سيغيّر من الواقع التاريخي شيئاً؟ فإن كان عليّ بن أبي طالب هو صاحب الحق في الخلافة – حسب وجهة النظر الشيعية – فقد مضى عليّ (عليه السَّلام)، ومضى الآخرون الذين تسلّموا السلطة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فالجدل في هذا الموضوع لن يعيد الحق إلى علي (عليه السَّلام)، ولن يجرد أولئك من السلطة والحكم والخلافة، وقد مضى الجميع، ومضى التاريخ، ولا نملك القدرة في أن نغيّر شيئاً من مجرياته وأحداثه وحيثياته ووقائعه، فخير للأمة في واقعها الراهن أن تجمّد الحديث حول هذه الموضوعات الاستهلاكية التي لا جدوى من إثارتها وتحريكها.


ثانياً: إنَّ إثارة وتحريك مسألة الغدير أو بعض المسائل التي شكلّت نقاط توتر وخلاف تاريخي بين المسلمين يؤدي إلى إيقاظ كلَّ الحساسيات والصراعات والعداوات مما يؤثر سلباً على الدعوات الجادة والمخلصة إلى توحيد المسلمين في مواجهة كلّ التحديات الصعبة التي تحاصرهم من قبل أعداء الإسلام، فتحريك القضايا الخلافية الحادة – كقضية الغدير – يصادر أيّ مشروع نحو الوحدة والتقارب والتآلف في داخل الأمة.
فمن أجل حماية مشروع الوحدة الإسلامية يجب تجميد «الجدل التاريخي» حول مسألة الغدير بما تحمله هذه المسألة من إثارات خطيرة تهدّد وحدة المسلمين، وإذا صحت الرؤية الشيعية حول أحقية عليّ بن أبي طالب بالخلافة، فعليًّ نفسه جمّد حقه، وجمّد المطالب به وإثارته من أجل وحدة المسلمين، ومن أجل حماية الإسلام، فلماذا يصرّ أتباعه على المطالبة بهذا الحق، وتحريكه، وإثارته، مما يضرّ بوحدة المسلمين ويضر بمصلحة الإسلام نفسه؟


ثالثاً: إنَّ الإنشغال بالخلافات التاريخية سيكون على حساب الإهتمام بالقضايا المصيرية الهامة التي تعيش في واقع المسلمين المعاصر، وما أكثر هذه القضايا المتحركة في الواقع السياسي والواقع الثقافي والواقع الاجتماعي والواقع الاقتصادي، فالتفريط في هذه القضايا تفريط بكل واقع الأمة وبكل حاضرها ومستقبلها.
ولنا عدة ملاحظات حول هذا الطرح:


الملاحظة الأولى:
إنَّ قضية الغدير ليست قضية تاريخية بحته، صحيح أنَّ وقائعها حدثت في التاريخ، وأنَّ ملفاّتها هي ضمن ملفات التاريخ، إلاّ أنّها مسألة في الصميم من مكوّنات الرؤية الإسلامية في فهم القيادة، وهذه الرؤية متحركة بحركة الزمن، مادام هناك ضرورة إلى فهم الإسلام ومادام هناك ضرورة إلى تطبيق الإسلام، فمتى كانت رؤى الإسلام وأفكاره ومفاهيمه وقيمه مرهونة بزمان محدود أو مكان محدود.


لا ضير أن يتعدد الفهم وتتعدد الإجتهادات حول هذه المسألة أو تلك المسألة، شريطة أن يخضع هذا الفهم أو تلك الإجتهادات إلى الأسس العلمية والضوابط الشرعية، وإلاّ كان ذلك سبباً في تحريف الأفكار والمفاهيم، وفي تشويه الرؤية، فنحن لا نرفض أن يكون هناك رأي آخر في مسألة «القيادة» أو فهم آخر أو اجتهاد آخر، وإنَّ من حق أيّ إنسان أن يكوّن رؤيته في مسائل العقيدة أو في مسائل الفقه أو في مسائل السّياسة، مادامت هذه الرؤية لا تنطلق من هوى أو مَزاج أو تعصب أو جهل وإنمّا تنطلق من أسس الإجتهاد الصحيح ومن توفّر القدرة العلمية والمؤهل الإجتهادي في الفهم والاستنباط، وقد تصيب هذه الرؤية وقد تخطىء، إلاّ أنَّه معذور مادام خاضعاً لشروط التفكير الصحيح.


في ضوء هذا التصور نقول: إنَّ قضية إثباتاً أو نفياً لها إنعكاساتها الكبيرة في تحديد الرؤية الإسلامية حول مفهوم القيادة، فإذا أثبتنا قضية الغدير بكلّ دلالاتها – كما هو قناعتنا – فإنَّ هذا يضعنا أمام فهم لمسألة القيادة الفكرية والروحية والسّياسية.


وفي المقابل فإن النفي لقضية الغدير أو النفي لدلالاتها – كما هو الرأي الآخر – فإن ذلك يشكل فهماً مغايراً تماماً لمسألة القيادة الفكرية والروحية والسّياسية، فليس ترفاً فكرياً أو تاريخياً أن نصرّ على معالجة مسألة الغدير والتعاطي معها دراسة وبحثاً، وإحياء. فالقضية ليست أن نغيّر مجريات التاريخ ووقائعه أو نعيد علياً إلى كرسي الخلافة، فذلك تاريخ لا يتغير، ولكن القضية أنَّ حادثة الغدير وحديث الغدير يشكلان تأسيساً لمفهوم القيادة بكل إمتداداتها الفكرية والروحية والسياسية، وهذا المفهوم هو جزء خطير في البنية الإسلامية والرؤية الإسلامية مما يفرض أن نملك فهماً واضحاً لهذه المسألة.


كما أنَّ قضية الغدير لا تعني – فقط – الخلافة في واقعها التاريخي وإنَّما تعني أيضاً المرجعية الفكرية والفقهية وهي مرجعية ممتدة مادامت الدنيا، ومادام الدين باقياً ومادام القرآن باقياً، وهذا ما أكده حديث الثقلين «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».


الملاحظة الثانية:
إنَّ تحريك قضية الغدير لا يتنافى مع مشروع الوحدة الإسلامية، ولا ينتج الخلافات والصراعات، ولا يستثير الحساسيات وذلك للأسباب التالية:
1- هناك – في الفكر الإسلامي – نظريتان حول مسألة الخلافة بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله):
 ٭ النظرية الأولى:  تؤمن بمبدأ النص.
 ٭ النظرية الثانية: تؤمن بمبدأ الانتخاب.
 ولا نريد هنا أن ندخل في البحث العلمي الذي يؤكد هذه النظرية أو تلك، وقد تناولت كتب المسلمين ذلك تفصيلاً.


وما أريد أن أقوله هنا: لماذا نحمـّـل الحديث عن مسألة النص والإمامة مسئولية الخلافات والصراعات بين المسلمين، ولا نحمـّـل الحديث عن مسألة الخلافة – وفق المنظور الآخر- هذه المسئولية، فهل من الإنصاف العلمي أن نسمح للرأي الرافض للنص أن يتحرك ولا نسمح للرأي المؤمن بالنص أن يتحرك؟ فهل إذا جمدّنا الحديث عن قضية الإمامة، سوف يجمدّ الآخرون الحديث عن الخلافة؟!


2-  إنَّ الصراعات والخلافات ليست ناشئة من طرح هذه النظرية أو تلك النظرية، وإن تعددت النظريات، وإنمّا المسئول عن كثير من الإثارات والحساسيات والخلافات هو طريقة المعالجة والدراسة والطرح، فإنَّ هذه الطريقة لها منهجان:
المنهج الأول: المنهج الموضوعي العلمي.
المنهج الثاني: المنهج غير الموضوعي وغير العلمي.
فلو إعتمدنا جميعاً المنهج الأول لماذا حدثت هذه الخلافات والصراعات؟ ولكن غياب المنهج العلمي والموضوعي هو الذي أنتج هذا الواقع المتأزم.
مشكلتنا أننا نعالج قضايانا بأساليب إنفعالية، وأساليب مزاجية، وأساليب غير موضوعية وغير علمية مما يسبب هذه الأجواء المتشنجة والمضطربة، ومما يسبب العداوات والصراعات والخلافات.


ليس المشكلة في الإختلاف وإنمّا المشكلة في إدارة هذا الإختلاف وفي معالجة هذا الإختلاف، وفي حماية هذا الإختلاف أن يتحول إلى خلاف وصراع.


3- إنَّ الخلافات التي تتحرك في ساحتنا الإسلامية يقف وراءها عدة عوامل:
٭ العامل الأول: الجهل وغياب الوعي.
٭ العامل الثاني: التعصب وتغليب الهوى والعواطف والأمزجة.
٭ العامــل الثالــث: وجــــــــود العناصر المخربة في داخل الأمة، والتي يهمها إثارة الفوضى والصراع والخلاف، من أجل أن تغذّي مطامعها الخاصة وأغراضها المشبوهة.


٭ العامل الرابع: السّياسات المنحرفة، والتي تستفيد من اللعب على الصراعات والعداوات والتناقضات بين أبناء الأمة الواحدة أو بين أبناء الشعب الواحد، أو بين أبناء الجماعة الواحدة، من أجل إلهاء الناس وإشغالهم عن التوجه إلى محاسبة تلك السياسات، أو التمرد على تلك السياسات، فالشعب الذي تشغله صراعاته الداخلية لا يتفرغ لمحاسبة أو مواجهة الحاكم أو النظام أو السّياسة، والشعب الذي تستهلكه خلافاته لا يمكن أن يتوجه إلى المطالبة بحقوقه المصادرة.


٭ العامل الخامس: القوى الإستكبارية الكافرة، إنَّ هذه القوى من أجل أن تمرر مشروعاتها في أوساط المسلمين لابدّ أن تمارس سياسات التمزيق والتفريق والإختلاف، ومن خلال هذه السياسات أستطاعت قوى الكفر والإستكبار أن تفرض هيمنتها السياسية والثقافية والإقتصادية والعسكرية.
وهكذا تكالبت قوى الإستكبار على كلّ مقدراتنا وثرواتنا وأراضينا، يوم أصبحنا غثاءً كغثاء السيل، كما عبّر عن ذلك الحديث النبوي «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أمن قلة فينا يومئذ يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله)؟ قال (صلى اللّه عليه وآله): لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل من حبكم الدنيا وكراهيتكم الموت».


من الأسباب التي عقدّت العلاقات هو غياب الحوار العلمي الهادف، مما دفع بالكثير من نقاط الإختلاف إلى مواقع المواجهة، ومما كرّس عوامل التوتر والتأزم في داخل الأمة، وكلّما تحرك الحوار وفق المنهج القرآني كان ذلك عاملاً مهماً من عوامل تطويق الخلافات والصراعات، ومعالجة الكثير من الإشكالات والتناقضات.


مشكلتنا أنّنا لا نتحاور، وإذا تحاورنا لم نلتزم بمنهج الحوار، وإذا التزمنا بمنهج الحوار لم نملك الجرأة أن نعترف بنتيجة الحوار، وإذا إعترفنا بنتيجة الحوار، لم نملك الشجاعة أن نصحح أوضاعنا أو قناعاتنا.
الملاحظة الأخيرة:
إنَّ التعاطي مع الإختلافات العقيدية والفكرية والفقهية والسّياسية وفق المنهج العلمي لا يفصلنا عن قضايانا المصيرية بل إنّ هذا التعاطي الواعي يؤصل فينا حسَّ الارتباط بكل قضايا السَّاحة وينميّ في داخلنا روح التواصل مع هموم المرحلة، ويدفعنا أكثر أن نتحمل مسئولية الإنتماء والدفاع عن الهوية، في مواجهة كلَّ مشروعات المصادرة والتغيب والإلغاء وعلى كل المستويات الروحية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسّياسية، ثمَّ إننا أكدّنا أنّ الحديث عن قضية الغدير حديث عن دور القيادة، وما يفرضه هذا الدور من التصدّي لكل قضايا الأمة ولكل حاجاتها واهتماماتها وطموحاتها وتطلعاتها.


وآخر دعوانا أن الحمدلله ربِّ العالمين


 2006-01-18هذه المحاضرة(حديث الجمعة 47) ألقيت في

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى