قضيَّة سماحةِ آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله، ورعاه) وهنا قضيَّةٌ أجدُ نفسي مضَّطرًا أنْ أكونَ فيها صريحًا كلَّ الصَّراحةِ، وواضحًا كلَّ الوضوح، غيرةً على هذا الوطنِ، وعلى أمنِهِ واستقرارِهِ، وعلى وحدتِهِ، وعلى كلِّ مصالحِهِ.
 
أنت الزائر
1691041
يوم الثلاثاء
3 صفر 1439 هـ
صلاة الفجر 4:32
الشروق 5:41
صلاة الظهرين 11:22
الغروب 5:02
صلاة العشائين 5:17
24 أكتوبر 2017
 
 
» قضايا المرأة » قضايا المرأة« عدد القراءات: 2560 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
دور المرأة بين التجميد والتغريب
تاريخ: 2004-05-14 م

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشارف الخلق أجمعين سيدنا وبنبينا وحبيبنا وقائدنا محمد وعلى أهل بيته الهداة الميامين…


السلام عليكم أيها الأخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته..


العنوان المطروح لهذه المحاضرة ( دور المرأة بين التجميد والتغريب) إلا أني قد عدلت بعض الشيء في هذا العنوان.


فالنقاط التي أود أن أعالجها في هذا اللقاء وفي اللقاء القادم إن شاء الله هي ثلاث نقاط أساسية:


مشروع النهوض بواقع المرأة الإسلامي.
أهم مكونات المشروع الإسلامي للنهوض بواقع المرأة.
أهم التفسيرات لظاهرة التخلف في دور المرأة الثقافي والاجتماعي والسياسي.
أولاً: مشروع النهوض بواقع المرأة بين النهج الإسلامي والنهج الآخر:


في ظل المتغيرات والمستجدات التي تشهدها الساحة في هذا البلد الطيب الذي يحمل أصالة الانتماء إلى الإسلام، ينشط الحديث حول قضايا المرأة، وهموم المرأة، وطموحات المرأة … حاضر المرأة … مستقبل المرأة.


ولا نشك أن المبررات قائمة لتنشيط هذا اللون من الحديث، والذي اتخذ مسارات متعددة على الصعيد الثقافي والاجتماع السياسي…


ووجدت كل الاتجاهات الفكرية والسياسية الفرصة المفتوحة للتعاطي مع مسألة المرأة ،وقضايا المرأة ،وتطلعات المرأة وجميع شؤون المرأة…


انطلقت في ساحة دعوات،وفعاليات ، ومؤسسات تحمل شعار "النهوض بواقع المرأة" كون هذا الواقع في حاجة إلى تغيير،وإلى إصلاح،وإلى تكوين جديد…


ومن أجل هذا النهوض والتغيير والإصلاح والتكوين ،كانت هناك صياغات وأطروحات تتفق في مساحة،وتختلف في مساحات …ويهمنا هنا أن نشير إلى نهجين في هذه الصياغات والطروحات...النهج الذي يعتمد الرؤية الإسلامية ،ونهج الآخر بكل أطيافه وتنوعاته …


قد يقال لماذا هذا الإصرار على إقحام "إيديولوجيا الدين "في قضايا الإصلاح الاجتماعي و السياسي … هذا الإصلاح الذي ينطلق من مبادئ ثابتة ومتفقة عليها كما هي مبادئ الميثاق الوطني ،وكما هي مبادئ الدستور ،وكما هي توجيهات القيادة السياسية…


صحيح أن مبادئ الميثاق والدستور وتوجيهات القيادة السياسية يمكن أن تحدد الخطوط العامة في حركة الإصلاح الاجتماعي و الاقتصادي والسياسي إلا أن الصياغات العملية التطبيقية ستبقى محكومة للرؤى والتصورات المنظورات المتعددة …


ولذلك نجد كل الاتجاهات نحاول أن تطرح أوراقها الخاصة فيما هو "البرنامج العملي" الذي تعتمده لتفعيل المشروع الإصلاحي ، ولا نربد هنا الدخول في جدل حول مناقشة بعض أسس المشروع الإصلاحي …


ونعتقد أن من الحماقة و الجناية على أصالة هذا البلد الذي يعتز بانتمائه إلى الإسلام ،أن نستكثر على "دينه" الذي هو منهج الله أن يكون له رأي في الإصلاح والتغيير، ولا نستكثر على كل قول التي صاغتها ثقافات أرضية فيها الكثير من الغبش والتيه والضلال، أن يكون لها رأي في الإصلاح والتغيير…


دعونا من هرطقات هؤلاء، فيجب أن نصر على أن يكون لهذا الدين العظيم حضوره في كل مسارات الحركة الإصلاحية الراهنة ،إذا أردنا لهذه الحركة أن تتناغم مع هموم وطموحات شعبنا المسلم ،المؤمن بدينه وقيمه وهويته…


وأي محاولة لإقصاء الدين بعيداً عن حركة الإصلاح والتغيير، فهي محاولة لمصادرة و استلاب الهوية ،والأصالة والتاريخ لهذا البلد…


نعود للحديث حول مشروع "نهوض بواقع المرأة" …قلنا أن هناك نهجين في صياغة هذا المشروع ،النهج الذي يعتمد الرؤية الإسلامية ،والنهج الآخر بكل أطيافه وألوانه…


ومن الواضح أن النهجين يمتلكان رؤيتين مختلفتين في الكثير من "حيثيات" هذا المشروع للنهوض بواقع المرأة …ولا يعني أنهما لا يتفقان في بعض الحيثيات…


المهم أن لدينا قراءتين مختلفتين لواقع المرأة، ولكل قراءة رؤيتها في فهم هذا الواقع، وفي ضوء هذا الاختلاف في القراءة والفهم، يأتي الاختلاف في نمط المشروع الإصلاحي للنهوض بواقع المرأة..


وللتوضيح نحاول أن نستعين بالأمثلة التالية:


المثال الأول: من أولويات مشروع النهوض بواقع المرأة المطالبة بحقوق المرأة..


المسألة في هذا الإطار تبدو محل اتفاق، فلا يشك أحد بضرورة أن تحظى المرأة بجميع حقوقها المشروعة.. ولا يشك أحد أن للمرأة حقوقاً أسرية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وسياسية … ولكن ما هي هذه الحقوق؟


هنا يختلف النهجان.. في تحديد المساحة لهذه الحقوق، وفي تحديد الضوابط


الإسلام - المنهج الرباني الكامل- له نظامه الخاص في صياغة "المنظومة الحقوقية للمرأة" وتمثل هذه الصياغة أنضج وأكمل وأروع الصياغات، لأنها صياغة ربانية بصيرة بكل حاجات الإنسان وضروراته، بينما الصياغات الأخرى صياغات بشرية ناقصة، فيا الكثير من التناقض والتهافت والجور على حاجات الإنسان وضروراته…


المحاضرة ليس هدفها الحديث عن "حقوق المرأة في الإسلام" وإنما أثرت المسألة كمثال لاختلاف النهج الإسلامي عن النهج الآخر في كثير من التطبيقات..


قبل أشهر قرأت في جريدة الأيام العدد 4443 مقالاً لإحدى النساء -لا ضرورة لذكر الاسم- تدعو فيه المرأة العربية والخليجية على وجه الخصوص إلى استلهام نضال المرأة التونسية ممثلة في حركات منظماتها النسائية… وأشادت بقانون لأحوال الشخصية الذي أصدره الحبيب بو رقيبة


وكما تعلمون هذا القانون في تجاوزات صارخة لأحكام الإسلام، ولقيم الدين.. يكفي أن تعرفوا أن من جملة موارده "إباحة الإجهاض" …


هذا هو القانون، وهذه هي إنجازات النضال الطويل للمرأة التونسية، وإنجازات منظماتها النسائية.. وهذا ما تدعو إلى "استلهامه" كاتبة السطور في جريدة الأيام، متمنية أن تكون المرأة العربية، والمرأة الخليجية على وجه الخصوص قد قطعت أشواطها الطويلة في الوصول إلى هذا الإنجاز الكبير.


أنا واثق أن أصواتاً نشازا على هذا المستوى لن تجد لها صدى مقبولاً في بل -كالبحرين- قد تشرب أبناؤه وبناته حب الإسلام وتعشَّقوا قيم الدين… إلا أنني سقت ذلك مثالاً على وجود "النهج الآخر" ولأقول لأولئك الذين يطالبون بعدم إقحام "إيديولوجيا الدين"" في قضايا الإصلاح الاجتماعي والسياسي، هل يعني أن نترك "لأيديولوجيا الضلال" و "أيديولوجيا الإباحية" أن تقود حركة الإصلاح الاجتماعي والسياسي، لا أريد أن أكون قاسياً في حديثي مع أولئك المذعورين من الديّن لأقول لهم إنه من السفه والحماقة وقلة الحياء أن يستكثروا على الإسلام أن يتحرك بين أبنائه ليقول كلمته في قضايا الاجتماع، وفي قضايا السياسة، وفي قضايا الاقتصاد، وفي قضايا الأسرة، وفي قضايا المرأة، وفي قضايا الشباب، وفي قضايا التربية، وفي قضايا الإعلام، وفي قضايا كل الحياة…


المثال الثاني:


وفي سياق البرهنة على تغاير النهج الإسلامي والنهج الآخر في التعاطي مع مشروع "النهوض بواقع المرأة" نسوق مثالاً آخر..


ما هو الموقف من "زي المرأة"؟


في منظور النهج الآخر، يشكل التزام المرأة بالزي الإسلامي "الحجاب الشرعي أو الستر الشرعي" حالة من حالات التخلف و التزمّت والجمود والإنغلاق… فالثقافة المناهضة للدين تهزأ بظاهرة "الالتزام" عند المرأة المسلمة، وتروِّج من خلالها إعلامها ووسائلها، ومن خلال أدبياتها لتحريض المرأة المسلمة على التمرّد، والانفتاح من أسر هذه التقاليد العتيقة.


أما النهج الإسلامي فيحمل فهماَ آخراً.. فالالتزام بالزي الإسلامي عند المرة يشكل "أصالة الانتماء"، بما تملكه هذه الأصالة من قيم وضوابط وثوابت ،يعتبر الخروج عليها مظهراً من مظاهر التخلف والانحراف والانسلاخ عن الهوية …


فمشروع النهوض بواقع المرأة وفق المنظور الآخر يفرض تخطيط لتحرير المرأة من أسر الإلتزام بالحجاب الإسلامي،والذي يعطل دور المرأة الاجتماعي والثقافي والسياسي، ويعطل طاقتها الإنتاجية…


أما مشروع النهوض بواقع المرأة وفق المنظور الإسلامي ،فيفرض حماية المرأة من أسر الإنفلات والتسيب والضياع الفكري والأخلاقي والسلوكي …وكون المرأة تعيش "الالتزام"لا يعطل دورها الرسالي الكبير في كل مجالات الحياة الاجتماعي والثقافية والتربوية والسياسية_ وسوف نعالج ذلك في المستقبل الحديث _ومما يملأ النفس اعتزاز وافتخار أن المرأة المسلمة المعاصرة أثبتت حضورها الكبير في كل مواقع الحياة ، وفي كل مواقع التحدي ،وفي كل ساحات العطاء …المرأة المسلمة الملتزمة بحجابها الإسلامي ساهمت في نجاح الثورة الإسلامية في إيران ،ولازالت تساهم بكل اقتدار في كل ميادين الثقافية والاجتماعية والتربوية والإعلامية والسياسية


المرأة المسلمة الملتزمة بحجابها الإسلامي في لبنان ساهمت بكل شموخ وصمود وعنفوان في إسقاط غطرسة العدو الإسرائيلي، وفي إلحاق الهزيمة بجيشه الذي لا يقهر، فخرج مذعوراً مدحوراً من أرض الجنوب… ولا زالت المرأة المسلمة الملتزمة في لبنان تمارس دوراً واضحاً في كل الفعاليات الثقافية والاجتماعية والتربوية والإعلامية والسياسية.


ولا أريد الاسترسال في سرد أدوار المرأة المسلمة الملتزمة في الكثير من البلدان العربية والإسلامية، وفي مناطق متعددة من العالم.. وإنما الهدف من إثارة هذه الشواهد هو البرهنة على زيف المقولات المناهضة للدين..


أثارت إعجابي كلمات لفتاة بحرانية قرأتها قبل أشهر في جريدة الأيام… تقول هذه الفتاة الملتزمة:
"كنت أدرس في إحدى الدول العربية وبسبب ارتدائي الحجاب عانيت الأمرّين، حتى اضطررت إلى ترك دراسة الطب بعد أن خيّرتني الجامعة التي أدرس فيها بين أن أخلع الحجاب أو أترك الدراسة، فتركتها بعد أن كنت متفوقة وفي سنتي الثانية، وعدت للبحرين مرفوعة الرأس بحجاب الإيمان والتقوى هذا مع أن بعض أقاربي نصحوني بمواصلة الدراسة بدون حجاب، لكن ذلك لم يكن يهمني، وأنا أواصل دراستي في تخصص آخر في جامعة البحرين، وكم أنا سعيدة الآن ومرتاحة الضمير تغمرني السكينة وأحس بتوفيق الله لي أين ما ذهبت".


وتحضرني كلمة المرأة المسلمة التركية (مروة قاوقجي) حينما أحدثت ضجة الحجاب.. "مانعوا الحجاب ومطاردو الفضيلة، فإن مسعاهم الخائب سينتهي إلى خسران؛ لأن إطفاء نور الله مهمة مستحيلة، لم يفلح فيها بشر أبداً".


المثال الثالث:


المرأة والتعاطي مع بعض ألوان الفن المعاصرة -أسوق هذا كمثال لتغاير النهجين وليس لمعالجة المسألة- في ساحة هذا الفن يبرز: الغناء، الموسيقى، الرقص، المسرح، السينما…النهج الآخر -الذي يعتمد الرؤية غير الإسلامية- يبارك كل هذه الألوان من الفن، بكل أشكالها وصيغها، وأجوائها… ويعتبرها أنماط حضارية، وظواهر رقي وتقدم في مجتمعات هذا العصر…


والمرأة هي العنصر الأكثر إثارة وجاذبية وفاعلية في عالم الفن المعاصر؛ ولذلك تم توظيفها بكل إتقانٍ لأداء هذا الدور…


وفي ضوء هذا الفهم يتجه مشروع النهوض بواقع المرأة -وفق المنظور اللا إسلامي- إلى أن تشغيل الطاقات والإمكانات الفنية -فيما هو الفن بأشكاله المتنوعة- عند المرأة هو من متبنيات هذا المشروع واهتماماته الأساسية، دونما حساب للضوابط والمعايير الدينية والأخلاقية ما دامت المرأة تساهم بشكل فاعل في تنشيط حركة الفن، وتحقيق أهدافه…


أما النهج الإسلامي -وفق منظوراته وتصوراته- فيرفض "الفن الهابط" بكل أشكاله وألوانه وصوره، كونه يشكل مصادرة واستلاب وتمييع لقيم الأمة، وأخلاقيّاتها الأصيلة فلا يسمح الإسلام بممارسة أي لون من ألوان هذا "الابتذال الأخلاقي" مهما حاولت "ثقافة الاستلاب" أن تعطيه تهاويل الإغراء والاجتذاب…


الإسلام لا يحمل عقدة تجاه "الفن النظيف" الذي يؤصل قيم الأمة، ويحافظ على نظافة أخلاقها، ويحمني دينها، ومبادءها ويعتمد الأساليب المشروعة التي لا تقترب من منطقة الحرام..


فالفن المحرم بعناوينه الأولية أو بعناوينه الثانوية، هو فن مرفوض، لا يسمح الإسلام بالتعاطي معه سواء بالنسبة للرجل أو بالنسبة للمرأة…


والفن الهادف النظيف الذي لا يحمل أي مخالفة شرعية، فهو فن لا يمنع منه الإسلام بل يعتمده أسلوباً من أساليب الدعوة والتبليغ، ونحن ندعو لأن تتأسس جمعية للفن الإسلامي، ندعو لتوظيف الطاقات والكفاءات الموجودة في شبابنا وشاباتنا، توظيفاً يخدم أهداف الإسلام ، ويساهم في تحصين الأمة روحياً وأخلاقياً وثقافياً، وفي صياغة الواقع الاجتماعي والتربوي والإعلامي والسياسي صياغة نظيفة هادفة، ويعطي للحركة الفنية مضمونها الأصيل، وصبغتها الأنقى والأطهر…


من خلال هذه الأمثلة الثلاثة تتضح لنا المسافة بين المنظور الإسلامي والمنظور الآخر في التعاطي مع "مشروع النهوض بواقع المرأة" فهناك رؤيتان متغايرتان في مساحات كبيرة من هذا المشروع، ولا ننفي إمكانية أن تلتقي الرؤيتان في بعض المساحات..


ثانيا: أهم مكونات المشروع الإسلامي للنهوض بواقع المرأة:


وهمّنا هنا أن نؤكد على أهم المكونات في المشروع الإسلامي للنهوض بواقع المرأة:


1. القاعدة الأساسية لهذا المشروع:


يجب أن يرتكز المشروع النهضوي النسوي على "القاعدة الإسلامية"، ومن خلال هذه القاعدة تتحد "المنطلقات"و"الأهداف" وتحدد "المناهج والوسائل" و تتحدد المفاهيم والأفكار ، والمعايير والقيم…


هنا يتمايز هذا المشروع الإسلامي عن بقية المشاريع الأخرى التي تأسست على قواعد فكرية متنافيه مع القاعدة الفكرية الإسلامية…


وبمقدار ما يتركز الارتساء على "القاعدة الإسلامية"تتحد "أصالة الانتماء "في المشروع النهضوي،وفي ضوء هذه الأصالة يتحدد الموقف من كل المشروعات النسوية المتحركة في الساحة.


2- الوعي الإسلامي:


يجب أن يمتلك "المشروع النهضوي" وعياً إسلامياً أصيلاً ،تتأسس من خلاله كل الرؤى والتصورات، والأفكار والمفاهيم ،التي يعتمدها المشروع في صياغة الواقع النسوي في جميع مكوناته…


إن غياب الوعي الأصيل يعرض المشروع إلى منحيين خطيرين :


المنحى الأول:
الجمود الانغلاق؛مما يؤدي إلى خلق حالة من "الشلل" في حركة المشروع وتعطيل الكثير من إمكاناته وقدراته…كما يعطي ذلك مبرراً لأعداء المشروع أن يتهموه بالإفلاس و العجز والقصور…


المنحى الثاني:
الارتباك والتعثر، وربما الانحراف .. فالانطلاق بالمشروع بطريقة لا تملك رؤية واعية بصيرة سوف لن يحمي المشروع من الارتباك والتعثر، ولن يحفظ على سلامة المسار، واستقامة الحركة… وبالتالي لن يحقق المشروع أهدافه في النهوض بواقع المرأة وفق منظور الإسلام وتصوراته…


وهنا جانب آخر خطير نتيجة غياب الوعي الإسلامي الأصيل، وهو في حالة الغبش في التعاطي مع المصطلحات المطروحة في الساحة الثقافية، وفي الساحة الاجتماعية وفي الساحة السياسية… وهي مصطلحات ضبابية وقد تختزن في داخلها مضامين تتنافى مع منظوراتنا الإسلامية، وكذا تتسرب هذه المضامين بطريقة غير مباشرة إلى ذهنية الأمة، فتتشكل هذه الذهنية وفق رؤى وتصورات منحرفة عن الإسلام أو رؤى وتصورات لا تحمل النقاوة والأصالة فيجب على المشروع النهضوي النسوي أن يتعاطى مع هذه المصطلحات بحذرٍ شديد حتى لا يتورط في متاهات تبعده عن مساراته الأصلية، وتنأى به عن خط الله تعالى…


3. الصبغة الروحية والأخلاقية:


قيمة المشروع النهضوي الإسلامي بما يحمله من صبغة روحية متميزة، وأخلاقية إيمانية عالية، فيجب أن تنطبع حركة المشروع في إمتداداتها الثقافية والاجتماعية والسياسية بهذه الصبغة الروحية، وبهذه الخصوصية الأخلاقية، وهكذا يتميز المشروع الإسلامي للنهوض بواقع المرأة بالطابع الروحاني والأخلاقي، وهذا الطابع هو تجسيد للمضمون العبادي… فالحركة النهضوية هنا ليست عملاً ثقافياً، اجتماعياً، سياسياً بحتاً، وإنما هي عمل عبادي يستهدف الحصول على "القرب من الله تعالى" والتوفر على "مغفرته ورضوانه" {إنما يتقبل الله من المتقين} فإذا كانت المشروعات النهضوية الأخرى، غالباً ما تحكمها المصالح والمنافع الذاتية، والدوافع الدنيوية البحتة، فإن المشروع النهضوي الإسلامي، تحكمه الدوافع الأخروية والمعايير الأخلاقية، ما يمنحه النظافة والطهر والنقاء، والصدق والإخلاص والتضحية والإيثار، والديمومة والبقاء..


4. التوازن بين حاجات الروح وحاجات الجسد:


من أهم خصائص المشروع النهضوي الإسلامي أنه يوازن بين حاجات الروح وحاجات الجسد، ويوازن بين مطالب الآخرة ومطالب الدنيا، فليس مشروعاً للإصلاح والبناء والتغيير هذا المشروع الذي يعمر دنيا الإنسان، ويخرب آخرته، هذا المشروع الذي يستجيب لحاجات الجسد، ويتنكر حاجات الروح…


والعكس صحيح، فليس مشروعاً للإصلاح والبناء والتغيير ذلك الذي يتنكر لحاجات الجسد، ويتغافل عن مطالب الدنيا.. {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخر ولا تنس نصيبك من الدنيا}. {أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا وأعمل لآخرتك كأنك تموت غدا}.


المشروع الذي يعتمد "منهج الله" هو القادر على هذه "الموازنة" وما عداه فهي مشروعات لا تعطي الحياة إلا الخسران والشقاء والحرمان والضياع، والبؤس، والعناء {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال ربي لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى}


فأي مشروع يحاول أن يصوغ الحياة بعيداً عن "منهج الله" فهو مشروع خاسر لا يحمل للإنسان إلا مزيداً من التيه والضلال والعمى في الدنيا والآخرة {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا}.


5. الشمولية والامتداد:


المشروع الإسلامي للنهوض بواقع المرأة، ليس مشروعاً منحجزاً في دائرة محدودة ضيقة، إنه المشروع الذي يتسع لكل حاجات الواقع هذا الواقع في إمتداداته الفكرية والثقافية، والروحية والأخلاقية والتربوية، والاجتماعية والاقتصادية والسياسية……


فأي صياغة لهذا المشروع يجب أن تملك هذه الشمولية، وهذا الامتداد والاتساع، إلا كانت صياغة مبتورة مجزءة……


وفيما نتحدث عن الشمولية في المشروع، لا نعني بالضرورة الشمولية في التطبيق، فقد لا تتوفر الظروف الموضوعية، والمناخات الملائمة كل المفردات في هذا المشروع، ولذلك يجب أن يعتمد المشروع النهضوي السنوي في حركته هذين البعدين:-


الأول: البعد الاستراتيجي:-
ومن خلاله يحافظ المشروع على كل طموحاته الكبيرة، وصياغاته المتكاملة، وأهدافه البعيدة.


الثاني: البعد المرحلي:-
ومن خلاله يحاول المشروع أن يستفيد من كل الفرص الملائمة لتحريك بعض مفرداته، بما يتلاءم والظروف الموضوعية القائمة…ونجاح المشروع في إنجاز أي خطوة، هو حركة في خط الإستراتيجية.


6-الفاعلية الهادفة:


المشروع الإسلامي للنهوض بواقع المرأة ليس مشروعاً جامداً، وانما هو مشروع متحرك، لأن طبيعة الانتماء الإسلامي تفرض هذه الحركية، وتنتج عناصرها الفاعلة، ومتى ما تجمدت الحركة في داخل هذا الانتماء، فثمة خلل على مستوى الفكر أو على مستوى التطبيق…


ماذا نعني بالحركية؟


الحركية فعلٌ ونشاط وعطاء… فالإنسان المنتمي للإسلام، والمشروع المنتمي للإسلام، لا يعرف الركود والجمود والنضوب، وبمقدار ما يكون هذا الانتماء واعياً، وبمقدار ما يكون صادقاً فإنه يصوغ من الإنسان المنتمي والمشروع المنتمي قوة فاعلة منتجة، مؤثرة في حركة الواقع بكل إمتداداته الروحية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية والسياسية…


وبتعبير آخر: المشروع الإسلامي النهضوي هو "مشروع رسالتي"، ونعني بالرسالتية توظيف كل الطاقات والقدرات الفكرية والنفسية والعملية في خدمة أهداف الرسالة وفي خدمة أهداف الإسلام…


فالرسالتية تختزن في داخلها عناصر الحركية والفاعلية والهادفية.. فالحركية يجب أن تكون فاعلة، والفاعلية يجب أن تكون هادفة، والهادفية يجب أن تكون في خط الإسلام..


ولكي يحقق المشروع النهضوي حركتيه الفاعلة، وإنتاجيته الهادفة يفترض أن يعتمد الصيغة القادرة على الحركة والفعل والعطاء وفي ظل المتغيرات والمستجدات التي تشهدها المرحلة الراهنة، ولعل التشكل المؤسسي المحكوم للضوابط الإسلامية، هو أحد الصيغ العملية القادرة على الأداء المنتج على كل المستويات الروحية والأخلاقية والثقافية والتربوية والاجتماعية والسياسية…


فالتشكيل المؤسسي يوفر للمشروع النهضوي إنتظامية الحركة، وفاعلية التأثير، وجاهزية القدرة، ويمنحه التعاطي الجاد في توظيف كل القدرات والإمكانات والطاقات والكفاءات.. وتحريك كل الأهداف والغايات والطموحات.


ثالثا: أهم التفسيرات لظاهرة التخلف في دور المرأة الثقافي والاجتماعي والسياسي:


" هل المرأة مؤهلة لأداء هذا الدور الكبير -حديثنا عن المرأة في مجتمعات المسلمين- وإذا كانت المرأة مؤهلة، فلماذا نجد هذا الفارق الكبير بين حركة الرجل وحركة المرأة، فالرجل -عبر التاريخ- هو الأكثر حركة، والأقدر والأكفء في كل الميادين، ميادين العلم والثقافة، وميادين العمل الاجتماعي، وميادين السياسة..



" ما هي التفسيرات المطروحة لهذه الظاهرة؟
1. التفسيرات المرفوضة:
نبدأ أولاً بتناول بعض التفسيرات الخاطئة..


التفسير الأول: العامل الديني..
يدعي البعض أن سبب هذا الجمود والركود والتخلف عند المرأة في مجتمعات المسلمين هي "الدين" نفسه… حيث فرض عليها الحجاب، والقبوع في البيوت، وأثقلها بقيود أعاقت حركتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولذلك لم يبرز لها أ] دور واضح في ميدان العلم والثقافة، وفي ميدان العمل الاجتماعي، وفي ميدان الأداء السياسي، وفي أهم ميادين الحياة المتحركة…
ألا يدل ذلك على أن الانتماء الديني هو السبب في إنتاج هذا "الشلل"في حركة المرأة المسلمة… وفي المقابل نرى المرأة الأخرى التي لا تعيش الالتزام الديني قد اقتحمت كل الميادين…


مناقشة هذا التفسير:
ونضع حول هذا التفسير عدة ملاحظات:
الملاحظة الأولى :
الدين الإسلامي ليس وسيلة للتخدير والتعطيل والشلل…منظومة الأفكار والأحكام والقيم في هذا الدين الأبي الجمود و الركود والانغلاق.
الإسلام دين العقل المفتوح على كل آفاق الكون ،وآفاق الحياة ،وآفاق الإنسان …أقرأوا كتاب الإسلام"القرآن" لتروا كيف فجر في "العقل" كل الإبداعات والقدرات والإمكانيات والطاقات…فدين يعطي العقل كل هذا الحضور والفعل والحركة هل يمكن أن نتهمه بأنه دين الجمود والركود والإنغلاق؟
العلم الشعار الكبير في هذا الدين {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} دين يحمل "شعار العلم "وكما جاء في أول نص قرآني {أقرأ بأسم ربك الذي خلق ،خلق الإنسان من علق ،أقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم} هل يمكن أن نتهم هذا الدين بأنه يجمد عند أتباعه انطلاقة الفكر والثقافة والعلم؟


العمل هو قيمة الانتماء لهذا الدين.. أكدت نصوص الإسلام على القيمة الكبرى لعمل… فالأفكار والمفاهيم إذا لم تتحول إلى مضمون عملي متحرك في حياة الإنسان المسلم، كان الانتماء مرفوضاً.. {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}، { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تعملون.. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} فهل أن ديننا يعتمد على "العمل" معياراً للانتماء يمكن ن نتهمه بأنه ينتج "الشلل" والتخدير والتعطيل؟


مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام، قوة فاعلة تنتج الحركة في كل مواقع الحياة الروحية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإعلامية والسياسية، فهل أن ديناً يحرك طاقات الفعل وطاقات العطاء والتغيير في كل هذه الميادين يمكن أن نتهمه بأنه يعطل عند أتباعه حركة الثقافة وحركة الاجتماع وحركة السياسة؟


الدعوة في مضمونها الكبير تشكل أحد مكونات الانتماء الأساسية في الإسلام {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} والدعوة إلى الله تفرض التوفر على مجموعة كبيرة من الاستعدادات والمؤهلات الفكرية والنفسية والعملية… وعلى كل المستويات الفردية والاجتماعية والتربوية والإعلامية والسياسية وعلى مستوى كل العالم وتفرض التوفر على امتلاك الرؤية بكل الظروف الموضوعية المتحركة (المكانية والزمانية) هل أن ديناً يحمل كل هذه الاهتمامات الكبيرة ويفرض هذه الاستعدادات والمؤهلات يمكن أن نتهمه أنه السبب في جمود الأتباع والمنتمين، وانحسار أدوارهم الثقافية والاجتماعية والسياسية…


الملاحظة الثانية:
أما حديث "المعوقات" التي فرضها الدين على المرأة: الحجاب، القبوع في البيوت، القيود الثقيلة، فحديث لا أساس له من الصحة… فالحجاب أو الزي الإسلامي لا يشكل عائقاً في حركة المرأة الثقافية والاجتماعية والسياسية… وقد أشرنا قبل قليل في حديثنا هذا إلى أن المرأة المسلمة الملتزمة بزيها الإسلامي استطاعت أن تثبت حضورها الثقافي والاجتماعي والسياسي والجهادي، وكان هذا "الزي" هو "التحدي الكبير" الذي أصدر أصوات المرأة المسلمة الملتزمة أن تواجه به قوى التغريب والمصادرة والاستلاب، وأن تواجه به أنظمة القهر والجور والإرهاب…
وأما القبوع في البيوت، ومزاعم القيود الثقيلة التي أعاقت حركة المرأة… فلنا معها وقفة في مستقبل الحديث… وسوف يتضح أن ميزة هذه المقولات لا تملك قدرة على الثبات أمام النقد والمحاسبة.


الملاحظة الثالثة:
إذا كانت المرأة -في مجتمعات المسلمين- وعبر تاريخ طويل قد عاشت حالة الانحسار، والانزواء، والإقصاء، والتخلف … فلا يتحمل الدين نفسه مسؤولية ذلك… ولعل الفهم الخاطئ للدين هو المسؤول عن بعض السلبيات إلى جانب أسباب وعوامل أخرى سوف نعرض لها إن شاء الله تعالى…


الملاحظة الرابعة:
يحتضن التاريخ الإسلامي أروع النماذج النسائية التي برهنت على أن الدين قادر إلى أن يفجر في المرأة كل الإبداعات الثقافية والعلمية، وكل الطاقات الروحية والإيمانية، وكل الإمكانات الاجتماعية والسياسية والجهادية… في هذا التاريخ الزهراء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله… وفي هذا التاريخ خديجة المجاهدة الأولى في الإسلام وفي هذا التاريخ زينب بطلة كربلاء… الدين الذي استطاع
أن يبدع هذه النماذج هل يمكن أن نتهمه بأنه السبب في خلق "الشلل" و"الجمود" في حركة المرأة؟


التفسير الثاني:
العامل الذهني والعقلي:
يتجه هذا التفسير إلى اعتبار التمايز بين الرجل والمرأة في المستوى الذهني والعقلي هو السبب في كون المرأة أقل فاعلية من الرجل في ميادين العلم والثقافة، وفي ميادين العمل الاجتماعي، وفي ميادين السياسة، فالرجل أكثر استعداداً وتأهيلاً في قدراته الذهنية والعقلية مما جعله الأكفء من المرأة في تلك الميادين…


مناقشة هذا التفسير:
أولاً:
فإننا لا نسلم بصحة هذا التمايز الذهني والعقلي، فمن النساء من تملك قدرات ذهنية وعقلية أكثر من الرجال، فلم يثبت صحة هذه المقولة التي ترى الرجل أكثر تأهلاً على المستوى الذهني والعقلي من المرأة، ولعل الواقع التعليمي المعاصر يبرهن على تفوق الطالبات في المساقات الدراسية وحتى في المواد العقلية البحتة…


ثانياً:
الواقع التاريخي والواقع المعاصر يبرهنان على وجود كفاءات عقلية عند المرأة لا تقل عن كفاءة الرجل، وربما تتفوق أحياناً… ولنأخذ هذا "النموذج القرآني" فيما حدثنا القرآن عن "ملكة سبأ" فيما تميزت به من كفاءة سياسية، وقدرة عقلية، في إدارة الموقف فيما وصلت الرسالة من نبي الله سليمان… حيث عقدت اجتماعاً ضم اكفء العقول من رجال المملكة للتشاور في هذه المسألة:
{قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتابٌ كريمٌ إنه من سليمان وإنه بسم اله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين… قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تَشهدُون} (النمل 29-32). فماذا كان جواب هؤلاء الرجال الذين يشكلون النخبة المتميزة في جهاز المملكة السبئية.
كانت الملكة الحاكمة تريد منهم أن يفكروا معها في معالجة الموقف الصعب، وبداً من أن يحركوا عقولهم، وقدراتهم الذهنية، وإذا بهم يبرزون عضلاتهم الجسدية{ قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، الأمر إليك فانظري ماذا تأمرين} اعترفوا بعجزهم عن إعطاء الرأي واكتفوا بالتلويح بمنطق القوة…
وإذا بها من خلال كفاءة سياسية واضحة تحسم الموقف برأي ذكي جداً {قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون} إنه تحليل يعبر عن نضج سياسي متقدم جداً… ثم حددت الموقف الصائب والواعي: { وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرةٌ بم يرجع المرسلون} وكانت النتيجة أنها {أسلمت مع سليمان لله رب العالمين}.


ثالثاً:
إن ضمور الكثير من الكفاءات النسائية، كان نتيجة لمجموعة عوامل -سوف نعرض لها إن شاء الله- وإلا فلو توفرت الظروف الثقافية والاجتماعية للمرأة كما توفرت للرجل، لوجدنا رصيداً كبيراً من إبداعات المرأة وإنجازاتها العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية…


التفسير الثالث:
العامل التكويني:
يتجه هذا التفسير إلى اعتماد "العامل التكويني" كأساس لتفسير ظاهرة التخلف في حياة المرأة… وهنا يطرح عنصران:
العنصر الأول:
ضعف البنية التكوينية عند المرأة… وقد سبب هذا الضعف عجزاً واضحاً عند المرأة في أداء المهام الرسالية، والثقافية والاجتماعية والسياسية؛ كون هذه المهام في حاجة إلى قدرات بدنية وجسدية كبيرة… والمرأة لا تملك ذلك… ونلاحظ هذا الطرح:


أولاً:
إن مسألة الفاعلية الرسالية والثقافية والاجتماعية والسياسية لا ترتبط بالقدرات البدنية، وإنما هي في حاجة إلى قدرات عقلية وفكرية ونفسية وعملية… هي في حاجة إلى مستويات كبيرة من الإيمان والوعي والإدارة… وهذه قد تتوفر عليها المرأة بدرجة أكبر من الرجل…


ثانياً:
الواقع التاريخي الجهادي للمرأة يبرهن على ذلك…
القرآن حدثنا عن "آسية بنت مزاحم إمرأة فرعون" كمثال رائع لموقف الإيمان الصامد المتحدي {وضرب الله مثلاً للذين آمنوا إمرأة فرعون إذ قالت ربِّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين…}.


وفي تاريخ الإسلام: الزهراء و خديجة وزينب، وسمية أم عمار (أول شهيدة في الإسلام) والكثيرات اللواتي برهنَّ على قدرة المرأة على الصمود والتحدي والجهاد والعطاء… والمسيرة التاريخية والمسيرة المعاصرة تحمل الشواهد الكثيرة على صحة ذلك.


العنصر الثاني:
العوارض الطبيعية في حياة المرأة…
من خلال هذا العنصر يحاول هذا التفسير أن يبرر أسباب التراجع والتخلف عند المرأة، فالدورة الشهرية والحمل، والولادة، والإرضاع عوارض تعطل قدرات المرأة الثقافية والاجتماعية والسياسية؛ لما يترتب على هذه العوارض من تأثيرات نفسية وصحية وعملية… لها انعكاساتها الواضحية على حيوية المرأة ونشاطاتها… ونعتقد أن هذا التفسير لا يكفي لتبرير مسألة الجمود والركود والتخلف عند المرأة… رغم ما تنتجه هذه العوارض من تأثيرات وانعكاسات على حياة المرأة، فالتجارب التاريخية والمعاصرة لحركة المرأة وجهادها يبرهن على العوارض الطبيعية في حياة المرأة لا تشكل عاملاً كبيراً يعيق حركتها وعطاءاتها…


ب- ما هو التفسير الصحيح لظاهرة التخلف عند المرأة:
هنا نطرح عدة عوامل متداخلة أنتجت هذه الظاهرة:


العامل الأول:
الواقع التربوي الذي عاشته المرأة:
تخضع المرأة إلى نمطين من التربية:
النمط الأول:
التربية التجميدية… والتي أبعدت المرأة عن كل الأجواء الثقافية و الاجتماعية والسياسية بحجة أن ذلك يتنافى مع توجيهات الدين… هذه التربية حاولت تعتمد مجموعة روايات:


الرواية التي تعتبر القيمة الأخلاقية الكبيرة للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال *جاءت في كتاب وسائل الشيعة (7/43):
عن أمير المؤمنين (ع) قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أخبروني أي شيء خير للنساء، فعيينا بذلك كلنا -أي عجزا عن الإجابة- حتى تفرقنا، فرجعت إلى فاطمة فأخبرتها بالذي قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله، وليس أحد منا علمه ولا عرفه، فقالت (ع): ولكني أعرف خير النساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال… فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته، فقال (ص): من أخبرك ذلك .. قلت: فاطمة فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: "فاطمة بضعة مني"


لنا حول الاستدلال بهذه الروايات عدة ملاحظات:
1. الرواية ضعيفة سنداً.
2. مضمون الرواية غير مقبول لأنه يسيء إلى الإمام علي(ع) حيث يتهمه بالعجز وعدم القدرة على الجواب، وإن كان على حساب إثبات فضيلة إلى الصديقة الزهراء ومما يؤكد هذه الإساءة استغراب الرسول (ص) من معرفة الإمام علي الجواب.
3. الرواية تتنافى الواقع التاريخي للمرأة المسلمة في عصر الرسالة…
4. ولو سلمنا بصحة الرواية فهي تمثل توجيهاً أخلاقياً لخلق حالة العفاف عند المرأة وابتعادها عن كل الأجواء المختلطة الفاقدة للضوابط الإسلامية ولا تدل هذه الرواية على التجميد المطلق لأي لون من ألوان اللقاء بين الرجل والمرأة.


الروايات الدالة على استحباب حبس المرأة في البيت…
ومن تلك الروايات:
ما ورد عن أبي عبد الله (ع) قال: "إن رجلاً من الأنصار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في بعض حوائجه فعهد إلى امرأته عهداً أن لا تخرج من بيتها حتى يقدم… قال: وإن أباها قد مرض فبعثت إلى رسول الله (ص) تستأذنه أن تعوده.. فقال(ص): اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك.
قال: فثقل فأرسلت إليه ثانياً بذلك…
فقال (ص): اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك.
قال: فمات أبوها، فبعثت إليه أن أبي قد مات فتأمرني أصلي عليه…
فقال (ص): لا.. اجلسي في بيتك وأطيعي زوجك…
قال: فدفن الرجل، فبعث إليها رسول الله (ص): عن الله قد غفر لك ولأبيك بطاعتك لزوجك". (الوسائل 14/125)


لنا حول الاستدلال بهذه الرواية عدة ملاحظات:
1.الرواية ضعيفة سنداً لوجود عبد الله بن القاسم الحضرمي المعروف بالكذب والغلو.
2.الرواية ليس فيها دلالة على استحباب حبس المرأة في البيت، وإنما هي ظاهرة في استحباب طاعة الزوج حيث أخذ العهد عليها أن لا تخرج، وفي ذلك غفران لها ولأبيها.
3.إن القول بجواز حبس المرأة في البيت يتنافى مع القوانين القرآنية الصريحة:
*{وعاشروهن بالمعروف} النساء/19
*{فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} البقرة/229
*{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} البقرة/228
*{ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا} البقرة/231
الروايات الناهية عن الاختلاط…
نظرة في هذه الروايات…


هناك نوعان من الاختلاط:
أ -الاختلاط المحرم وهو لا يخضع للضوابط الشرعية والأخلاقية …
1)أن تكون المرأة غير ملتزمة بالستر الشرعي.
2)عدم الالتزام بالضوابط الشرعية في الكلام والنظر وغيرها.
3)أن يترتب مفسدة على ذلك.


ب-الاختلاط المباح فيما إذا كان هذا الاختلاط خاضعاً لكل الضوابط الشرعية والأخلاقية ولا يترتب عليه أي مفسدة.


ومع ذلك فالإسلام يرى كراهية اختلاط النساء بالرجال لما يترتب على ذلك من آثار سلبية خاصة في الجلسات التي ينطلق فيها كل من الرجال والنساء في الأحاديث المفتوحة بلا حواجز…
فمن الوسائل التي اعتمدها الإسلام لحماية العلاقة بين الرجل والمرأة في خارج دائرة الأسرية وتحصينها التأكيد على عدم الاختلاط كخط عام مع السماح به ضمن ضوابط شرعية محددة …
نعم الجلسات الجادة الهادفة التي تنطلق في مجالات العمل الرسالي والثقافي والاجتماعي والسياسي فلا مانع منها مع توفر ضوابط الشرعية والأخلاقية .


الروايات الناهية عن خروج النساء إلى الجمعات والجماعات إلا العجائز…
عن يونس بن يعقوب قال:سألت أبا عبد الله (ع) عن خروج النساء في العيدين والجمعة فقال :لا إلا امرأة مسنة (الوسائل 14/177)


ويرد على هذا الاستدلال بهذه الرواية:
أولاً: إنها معارضة برواية أخرى أقوى سنداً وهي صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين والجمعة ما على الرجال؟ قال:نعم (قرب الإسناد/224).
ثانياً: السيرة العامة للمسلمين في زمن النبي(ص) تؤكد أن النساء كن يشاركن في حضور المساجد وقد خصص الرسول (ص) باباً للنساء للدخول والخروج وجعل النساء في الصفوف الخلفية.
ثالثاً: لا يمكن أن نتصور أن الإسلام يمنع من أن تتثقف المرأة ويكتفي بتثقيف العجائز فقط.


النمط الثاني:
التربية التغريبية:
وهذه التربية حاولت سلخ المرأة المسلمة عن هويتها الإسلامية في أفكارها وأخلاقها وسلوكها وعاداتها وعلاقاتها ولباسها…


وقد اعتمدت هذه التربية:
1. المناهج التعليمية.
2. الوسائل الإعلامية.
3. الأدوات الثقافية.
4. المؤسسات الاجتماعية..


وقد كان من أثار هذه التربية التغريبية أن نشأ في مجتمعات المسلمين أجيال من الشباب والشابات يعيشون:
(1)التغريب الثقافي
(2)التغريب الأخلاقي.


وفي ضوء هذا التغريب تمت مصادرة أدوار المرأة المسلمة، وعطاءاتها في خط الإسلام، وخط الرسالية… وهكذا تم سرقة طاقات المرأة، ووظفت قدراتها في الخط الآخر…


العامل الثاني:
انخفاض مستوى التوعية في الأوساط النسائية
1. عدم وجود حوزات نسائية.
2. عدم وجود مؤسسات ثقافية وتربوية واجتماعية.
3. غياب الفعاليات النسائية الواعية.
4. تخلف المجالس الحسينية النسائية.
5. إهمال المبلغين للساحة النسائية.


وقد ترتب على ذلك مجموعة نتائج في الواقع النسائي:
1) هبوط مستوى الوعي.
2) غياب الكفاءات العلمية والثقافية.
3) ضمور الحركة والفاعلية والنشاط.


العامل الثالث:
الإنشغالات البيتية التي تستهلك طاقات المرأة وتعطل فاعليتها ودورها الرسالي..
1. هل المرأة مسؤولة عن خدمات البيت؟
2. وإذا كانت هذه الإنشغالات تستهلك نسبة كبيرة من طاقات المرأة، فهل هذا يعفيها من مسؤولياتها الرسالتية؟
3. التوفيق بين المسئوليتين:
4. عمل المرأة له دائرتان:
(1) الدائرة الأسرية:
1.خلق الجو الإيماني في داخل الأسرة.
2.توفير الأجواء الهادئة المستقرة داخل البيت
*إزالة عوامل التوتر والإزعاج.
*عدم إثارة الخلافات والصراعات.
*إشاعة جو الحب والصفاء والمودة.
*حسن التبعل للرجل (جهاد المرأة حسن التبعل)


أهمية توفير الأجواء المستقرة:
1. بالنسبة للزوج
2. بالنسبة للزوجة
3. بالنسبة للأولاد
" جاء رجل إلى رسول الله (ص) وقال: "إني لي زوجة إذا دخلت البيت تلقتني وإذا خرجت ودعتني…"


3) رعاية الأطفال (التربية الإيمانية/العبادية/الأخلاقية/الثقافية/العملية)
4) مراقبة سلوك الزوج
(2) الدائرة الاجتماعية:
1. العمل التربوي
2. العمل الثقافي
3. العمل الاجتماعي
4. العمل السياسي


" كيف نثبت من وجهة نظر الإسلام مسؤولية المرأة في المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية (المحاضرة القادمة إن شاء الله)

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: قضايا المرأة   |   إلى أعلى ]