المعارف الأخلاقيةمحاضرات إسلامية

كيف نعيش الحج مضمونا روحيا؟

كيف نعيش الحج مضمونا روحيا؟


يفقد الحج نبضة وحرارته وحركيته حينما يبقى مضمونا فقهيا بحتا، رغم ما لهذا المضمون الفقهي من قيمة كبيرة وكبيرة جدا، فلن يكون الأداء صحيحا إذا غابت الرؤية الفقهية الصحيحة، وإذا غاب التطبيق الفقهي الصحيح، من هنا كانت الضرورة أن يتوافر الحجاج على ثقافة فقهية متقنة وعلى ممارسة تطبيقية صائبة.


ولكن السؤال المطروح هنا:
هل أن التعاطي الفقهي وحدة هو الذي يضعنا أمام “حج حقيقي”؟
الجواب بالتأكيد “لا”

لكي نكون حجاجا حقيقيين نحتاج إلى مجموعة مكونات:
1. المكون الفقهي.
2. المكون الثقافي
3. المكون الروحي.


ولكل واحد من هذه المكونات قيمته وأهميته وضرورته في صوغ “الأداء الحقيقي للحج”، فالمكون الأول يوفر لنا ” الأداء الصحيح” و بدونه يكون الحج باطلا أو مرتبكا أو ناقصا، والكون الثاني يوفر لنا “الأداء الواعي” و بدونه يكون الحج ساذجا أو متخلفا أو متعثرا،والكون الثالث يوفر لنا “الأداء الفاعل” و بدونه يكون الحج جامدا أو راكدا أو مشلولا.


في هذا الحديث أحاول أن أتناول “المكون الثالث” من خلال الإجابة على هذا السؤال:


كيف نعيش الحج مضمونا روحيا؟
لكي نحقق هذه المعايشة الروحية يجب أن نملك العناصر التالية:


• العصر الأول: الاستعداد الروحي
ويشكل هذا العنصر الأرضية التي تهييء للمعايشة الروحية، فما لم توجد الأرضية الصالحة فسوف تفشل كل المحاولات لإنتاج الروحانية في أي ممارسة عباديه سوى أكانت صلاة أو دعاء أو ذكرا أو تلاوة أو صوما أو حجا أو عمرة أو زيارة.


ما ذا نعني بالاستعداد الروحي؟
يتوفر هذا الاستعداد من خلال الأمور التالية:


1. طهارة القلب.
فالقلب الملوث لا يصلح أن يكون التربة الصالحة لازدهار الروحانية بما تعبر عنه هذه الروحانية من انصهار وذوبان مع الله سبحانه وتعالى فهل يتمكن قلب مملوء بالحقد والحسد والشحناء والبغضاء والغش والخبث أن يكون قلبا عاشقا لله سبحانه، وقلبا خائفا وخاشعا، وقلبا راجيا طامعا في عطاء الله، وقلبا يعيش الحياة من الله؟
جاء في الحديث “لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات”، وجاء في الحديث “من مات في قلبه غش لأخيه المؤمن بات في سخط الله، وأصبح كذلك في سخط الله، فان مات، مات على غير دين الله”.


أيها الأحبة الأطايب:
لكي نعيش روحانية الصلاة والدعاء والتلاوة والصيام والحج فيجب أن نبدأ بتطهير قلوبنا من كل التلوثات، وهذا هو المنطلق في رحلة العروج الروحي ورحلة القرب من الله تعالى.
وإذا بقيت قلوبنا مشدودة إلى المستنقعات فأنى لها أن تعرج وان تسمو وان تحلق في آفاق الملكوت، وهل يفوز برضوان الله يوم اللقاء الأكبر إلا “القلوب السليمة النظيفة””يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم”.


2. طهارة البطن.
أن تتلوث بطوننا بالحرام مسألة تصادر كل استعداداتنا للدخول في أجواء الروحانية وتصادر كل قدراتنا على التعاطي مع المضامين الروحية للصلاة والصيام والحج ولكل الممارسات العبادية.
جاء في الحديث:”من أكل الحرام أسود قلبه، وضعفت نفسه، وقلت عبادته، ولم تستجب دعوته”، وجاء في حديث آخر:”من أكل الحلال أربعين يوما أجرى الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه”


3. طهارة الجوارح.
لكي نملك استعدادا روحيا فنحن في حاجة أيضا إلى “طهارة جوارح”،ولن تكون الجوارح طاهرة إلا من خلال الطاعة والابتعاد عن المعصية، وبمقدار ما تنتفي جوارحنا من المعاصي والذنوب نكون أكثر استعدادا للمعايشة الروحية وبمقدار ما تتلوث الجوارح نكون أكثر بعدا عن الانفتاح على روحانية العبادة.
جاء في الحديث “ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب”، وجاء في حديث آخر:” كيف يجد لذة العبادة من لا يصوم عن الهوى”.


• العنصر الثاني: الوعي الروحي
أن نملك وعيا وفهما وبصيرة بالمضمون الروحي للحج، فلا يكفي الاستعداد الروحي إذا لم تصاحبه درجة كافية من الوعي الروحي والذي من خلاله ننفتح على المعاني والدلالات الروحية التي تحملها أعمال ومناسك الحج.


• العنصر الثالث: الممارسة الروحية:
لا تتحقق المعايشة الروحية من خلال الاستعداد الروحي ومن خلال الوعي الروحي فقط ما لم يتحول هذا الاستعداد إلى ممارسة عملية متحركة، فهذه الممارسة هي التعبير الصادق والحقيقي لتلك المعايشة.
القيمة الروحية مرتبطة كل الارتباط بالتطبيق والعمل والالتزام وهكذا قيمة كل العبادات.


فحينما نتحدث عن مضمون روحي للحج فلا نعني مجرد مشاعر روحية تتحرك في داخل النفس، وإنما نعني ممارسات روحية متحركة تطبع السلوك والفعل والحركة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى