حديث الجمعةشهر ربيع الأول

حديث الجمعة 190: في ذكرى شهادة الإمام العسكري (ع) – شعار المجلس العلمائي (اقرأ إسلامك) (2)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين وأفضل الصّلوات على سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ وعلى آله الهداة الميامين..
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


في ذكرى شهادة الإمام العسكري عليه السلام:
نحاول أن نقرأ المرحلة التاريخيّة التي عاصرها الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وهذه القراءة ضروريّة لمعرفة الأساليب التي مارسها الإمام في ظلّ تلك الظروف فالأئمّة عليهم السّلام كانوا يحرّكون أساليبهم وأدوارهم من خلال فهمٍ دقيقٍ جدًا للأوضاع المتحرِّكة حولهم، وللظروف الموضوعيّة المحيطة بهم، فما كانوا يندفعون اندفاعات انفعاليّة غير محسوبة، وما كانوا يتقاعسون عن أداء مسؤوليّاتهم في الدفاع عن الإسلام وحماية الشريعة وتوجيه الأمّة….


إنّ اهتمام الأئمّة عليهم السّلام برصد الأوضاع السّياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والروحيّة، المتحرّكة في عصورهم هو الذي جعل أساليبهم وأدوارهم تتنوّع وتتعدّد رغم وحدة الهدف الاستراتيجي المركزي لكلّ الأئمّة عليهم السّلام..
فمطلوبٌ من العاملين الإسلاميين أن يرصدوا بدقّة الأوضاع التي يعاصرونها لكي يحدّدوا الأساليب الأصلح والأقدر على تحقيق الأهداف ومواجهة الأوضاع…..
ولا يعني هذا الاستسلام للظروف الضاغطة والخنوع أمام قهر الأنظمة الحاكمة واستبدادها، وإنّما هو «الاختيار الواعي والمدروس» للأساليب والممارسات، لكي لا يتحول الموقف إلى ردود فعلٍ انفعاليّة طائشة، أو ممارساتٍ مرتجلة لها نتائجها المدمّرة، وأثارها الخطيرة…
وحينما نتحدّث عن أهميّة القراءة للأوضاع والظروف المتحرّكة يجب أن نلتفت إلى محذورٍ خطير… البعض يهوّل من حجم الأوضاع والظروف القاهرة والضاغطة إلى حدٍ يوحي لنفسه بالعجز عن ممارسة أيّ دورٍ في اتجاه الإصلاح والتغيير… هذا أمر لابدّ من الحذر منه..
نخلص إلى أنّ التعاطي مع الظروف والأوضاع التي تحكم المجتمعات له ثلاثة أشكالٍ من المواقف لدى العاملين الإسلاميين والسّياسيين:


الشكل الأول: الموقف الذي لا يضع حسابًا للظروف الأوضاع، هذا الموقف يوصف بالارتجال والانفعال والاندفاع غير الواعي وبالتالي فهو موقف فاشل، وله أثار خطيرة ومدمرّة…


الشكل الثاني: الموقف الذي يهوّل من هيمنة الظروف والأوضاع إلى درجة الإحساس بالعجز الكامل، واليأس الكامل، ومن خلال هذا الإحساس يترشّح التصور بضرورة الصمت والسكوت ومسايرة الأوضاع والتخلّي عن أيّ محاولةٍ في اتجاه الرفض والتغيير..
بل ربمّا دفع هذا الإحساس البعض إلى المداهنة المقيتة للأنظمة الحاكمة بحجّة «التقيّة السّياسية»


الشكل الثالث: الموقف الذي يملك وعيًّا في قراءة الأوضاع والظروف، ويملك فهمًا في تشخيص المكوّنات السّياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والدينيّة، ويملك إحساسًا بمسؤوليّة الموقف، وبمسؤوليّة التصدّي من خلال هذا الوعي، وهذا الفهم، وهذا الإحساس، ومن خلال «البصيرة الدينيّة» و«الرؤية الفقهيّة» يتشكّل الموقف فيما هو الأسلوب وفيما هي الممارسة، وفيما هو التكليف فلا خنوع ولا استسلام ولا مداهنة… ولا ارتجال، ولا انفعال، ولا اندفاع غير محسوب النتائج….


قد يقال: ما المانع أن تتعدّد الرؤى والمواقف والخيارات، ما دامت القناعات متعددة؟
لا مشكلة في أن تتعدّد القناعات الدينيّة أو السّياسيّة أو الثقافيّة، ما دامت هذه القناعات غير محكومةٍ للجهل والتعصّب والأنانيات، والأغراض المشبوهة….
ولا مشكلة في أن تتعدّد الرؤى والمواقف والخيارات ما دام هذا التعدّد يثري المسيرة الدينيّة والسّياسيّة والثقافيّة، ويخدم مصالح الأمّة وأهدافها المشروعة…..
أمّا إذا تحوّل هذا التعدّد إلى تفريطٍ في المسؤوليّات، وإلى غباءٍ في الممارسات وإلى طيشٍ في المواقف، وإلى صراعاتٍ وعداواتٍ وفتنٍ وأهواءٍ وأغراضٍ مشبوهة.. وإلى تفتيتٍ وتشتيتٍ وتمزيقٍ وإضعاف….
فهو تعدّد مرفوض، ومدان، وخطير…
وهنا يتحدّد دور المخلصين الواعين في تقويم الرؤى والمواقف والخيارات بعيدًا عن ضغوطات الأهواء والمصالح، وبعيدًا عن حالات الانفعال والارتجال، واستنادًا إلى بصيرةٍ من عقلٍ ودين، وإحساسًا بضرورة الوحدة والائتلاف، ودفاعًا عن الحقوق والكرامات، وإصرارًا على المبادئ والقيم، واستعدادًا للتضحية والعطاء…..
أرجئ الحديث عن القراءة لمرحلة الإمام العسكري عليه السّلام إلى الأسبوع القادم بإذن الله تعالى..


استمرارًا للحديث حول شعار المجلس العلمائي (اقرأ إسلامك)
تناولنا في حديثنا السابق: المصدر الأول للمعرفة الإسلاميّة وهو «القرآن الكريم»
وفي حديث الليلة نعرض للمصدر الثاني:
وهو «أحاديث النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم وأحاديث المعصومين من ذرّيته عليهم السّلام»
هذه الأحاديث تشكّل مصدرًا أساسيًا إلى جانب القرآن لفهم الإسلام والتعرف على مبادئه وأحكامه وقيمة…..
ونظرًا لبروز «ظاهرة الدّس والتزوير والكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وعلى الأئمة عليهم السّلام» وفي مرحلةٍ مبكرة، فقد انتشرت أحاديث مكذوبة ومزورة ورغم جهود العلماء المخلصين المبذولة في «التصفيّة والتنقيح» إلاّ أنّ كتب المسلمين لا زالت تحتضن الكثير من الأحاديث الموضوعة والروايات الساقطة….
ثمَّ إنّ فهم الأحاديث والروايات ميسورًا لكلّ النّاس….


هنا نطرح هذا السؤال:
إذا كان الأمر كذلك، فهل يصحّ أن ندفع النّاس والذين لا يملكون تخصّصًا إلى قراءة الكتب التي تحتضن (أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وأحاديث الأئمّة عليهم السّلام) باعتبارها مصدرًا مهمًّا من مصادر المعرفة الدينيّة والثقافيّة الإسلاميّة؟


في الجواب على هذا التساؤل:
نقسّم الأحاديث إلى قسمين:
القسم الأول:
الأحاديث التي تؤسّس لمفاهيم عقيديّة ولرؤى دينيّة، ولأحكامٍ شرعيّة.. هذا النمط من الأحاديث في حاجة إلى قدرات تخصصيّة، وكفاءات علميّة، فلا يسمح لأيّ إنسانٍ لا يملك هذه القدرات والكفاءات أن يتعامل معها…
كما هو شأن النصوص التخصصيّة الأخرى في الطب والهندسة وبقيّة العلوم الأخرى، فهل يصحّ لأيّ إنسانٍ لا يملك تخصّصًا أن يتعامل مع هذه النصوص….


القسم الثاني:
الأحاديث التي تمثّل توجيهاتٍ عامّة، وإرشاداتٍ موجّهة لكلّ الإنسان في مجالات السلوك والأخلاق والعلاقات الاجتماعيّة، وتقوية الحالة الإيمانيّة والروحيّة والعباديّة فيما يعبّر عن «مسلّمات إسلاميّة ودينيّة» لا تحتاج إلى اعتماد رأي الفقهاء والمتخصّصين هذا النمط من الأحاديث ميسورٌ لكلّ إنسان أن يتعامل معها بشرط أن يملك درجةً من فهم «الألفاظ والكلمات والعبارات»


وللتوضيح أطرح بعض الأمثلة:
المثال الأول:

حينما يروى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله: «من أكثر ما يُدخل النّاس الجنّة تقوى الله وحسن الخلق»
المعنى العام لهذا الحديث يستطيع أيّ إنسان حتى العامي تمامًا أن يفهمه ما دام يعرف معنى هذه المفردات….
نعم التعمّق في فهم الحديث في حاجةٍ إلى مستوى أكبر، وهكذا تتعدّد مستويات الفهم، إلاّ أنّ الحد الأدنى من الفهم ميسورٌ للجميع….
– دخول الجنّة معنى واضح.
– تقوى الله معنى واضح في دلالته العامّة.
– حسن الخلق معنى واضح في دلالته العامّة…
فهل نحجز على النّاس أن يستفيدوا من هذا الحديث إلاّ بالرجوع إلى العلماء، نعم للتعمق في الفهم لا مانع من الاستعانة بالعلماء وأصحاب الفهم الأكبر.


المثال الثاني:
جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فقال له: أوصني.. فقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم: «وهل مستوصٍ إن أوصيَك؟» [أي هل تعمل بالوصيّة] وكرّر عليه النبيّ صلّى الله عليه وآله ذلك ثلاث مرات فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «إذا أنت هممت بأمرٍ فتدبّر عاقبته، فإن كان رشدًا فأمض به، وإن يك شرًّا فانتهِ عنه»
المعنى واضح: إذا أردت أن تقوم بعملٍ ما، ففكّر في نتائجه، وعلى ضوء النتائج حدّد موقفك في الإقدام أو التراجع..
ويبدو أنَّ الرّجل الذي طلب من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يوصيه ليس من البارزين المعروفين وإلاّ لذكر اسمه، وهذا يعني أنّ هذه الوصيّة موجِّهٌ لأيّ إنسان مهما كان مستواه، وفهمها لا يحتاج إلى كفاءة وتخصّص….
نعم بعض حالات التطبيق قد تحتاج إلى درجات من الكفاءة والتخصص…
 أوضح هذا الأمر:
 هذه الوصية حينما تكون موجّه إلى الأمور العادية، فتطبيقها لا يحتاج إلى خبرة أو تخصّص…
إذا تحرك في داخلك العزم على أن تذهب إلى مسجد لحضور صلاة الجماعة، أن تذهب إلى مجلسٍ حسيني، أن تذهب إلى محاضرة نافعة، أن تقضي حاجة مؤمن، أن تساعد فقيرًا، أن تزور أخًا في الله، أن تعود مريضا، أن، أن…. من الأمور الصالحة.. هنا وأنت تتدبّر نتائج هذه الأعمال الخيّرة، قرّر بعزم وتصميم أن تنفّذ ما عزمت عليه.
وإذا تحرّك في داخل الإنسان العزم على أن يذهب إلى ملهى، إلى مجلس فساد، إلى عمل محرّم، إلى ممارسة ظلم، إلى إعانةٍ على باطل إلى.. إلى… من الأمور السيّئة، هنا يجب أن يقرّر الإنسان – من خلال النتائج – أن يجمّد هذا العزم وأن يتوقّف….
ولكن قد تكون الأمور أكبر وأخطر:
أن يهمّ إنسان بمشروعٍ اقتصاديّ، بمشروعٍ ثقافيّ، بمشروعٍ اجتماعيّ، بمشروع سياسيّ..
هنا لابدّ من امتلاك «خبرة هذه المشروعات» لاتخاذ القرار….
وكلمّا كان الأمر يرتبط بقضايا أخطر وبمواقع أكبر كانت الحاجة إلى التدبّر أكبر وأكبر….
الفارق واضحٌ بين أمور تتحرّك في دائرة مصالح الأفراد، واهتمامات الأفراد، وأمور تتحرّك في دائرة مصالح شعوب أو مصالح أوطان أو مصالح العالم كلّ العالم….
كم هو عظيمٌ وعظيم لو ألتزم السّاسة والحكّام بهذه الوصيّة الذهبيّة الخالدة….. وما كانوا ليغرقوا الشعوب بقوانين جائرة وظالمة، وبقراراتٍ مدمّرة ومهلكة، وبمشروعاتٍ لم تجنِ منها الشعوب إلاّ البؤس والدمار والعناء والعذاب….
لو وقف السّاسة والحكّام قبل أن يصدروا أوامرهم ونواهيهم ليتدبّروا العواقب والنتائج لاختلفت الأوضاع كثيرًا…
والمسلمون يستقبلون ذكرى ميلاد سيد الأنبياء والمرسلين نتمنّى أن يضعوا – حكامًا وأنظمة وعلماء ومفكرين، ومثقفين، وسياسيين، وجماهير – هذه الوصية أمامهم، ليكتشفوا البركات الكبيرة لتوجيهات ووصايا نبيّهم الأعظم صلىّ الله عليه وآله وسلّم….
نتابع الحديث حول شعار المجلس العلمائيّ إن شاء الله تعالى.


وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى