حديث الجمعةشهر شوال

حديث الجمعة 179: القيمة للتقوى والورع عن محارم الله

بسم الله الرحمن الرحيم
  
   الحمد لله ربِّ العالمين وأفضل الصَّلوات على سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ وعلى آله الطَّيبين الطَّاهرين…
السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته…


نتابع حديث الجمعة الماضية…


   قُلنا أنَّ المطلوب منَّا بعد الشَّهر الفضيل أن نحرِّك عطاءاته في حياتنا، وفي كلِّ واقعنا.. ومن أعظم عطاءات شهر رمضان (التقوى والورع) فلا قيمة لصيام لا ينتج التقوى والورع….
سأل أمير المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وآله:
أيّ الاعمال أفضل في هذا الشهر؟
فأجاب رسول الله صلَّى الله عليه وآله: أفضل الأعمال الورع عن محارم الله…
لماذا لم يقل الصَّلاة؟
والصَّلاة عمود الدين إن قبلت قُبِل ما سواها وإن رُدَّت رُدَّ ما سواها…
والصَّلاة التي قال الله عنها على لسان أصحاب النار حينما سُئلوا: (ما سلككم في سقر؟
قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين وكنَّا نخوض مع الخائضين وكنا نكذِّب بيوم الدين…). [المدثر: 42-46]
ذكر أصحاب النَّار – في جوابهم – أربعة أسباب لدخولهم النار:
السبب الأول: (لم نك من المصلين):
ما كنّا نؤدّي الصَّلاة الواجبة علينا، واستدِلَّ بهذه الآية على أنَّ الكفار مخاطبون بالعبادات….
السبب الثاني: (ولم نك نطعم المسكين): 
ما كنّا نحمل همَّ البؤساء والفقراء والمساكين والمحرومين، ماتت في داخلنا روح الرَّحمة والشفقة، نشاهد الذين يعانون من البؤس والحرمان فلا تتحرك قلوبنا القاسية، هؤلاء الذين لا يحملون همَّ الفقراء والمحرومين لهم اشدّ العذاب يوم الحساب.
• في الحديث: (أيَّما مؤمن منع مؤمنًا شيئًا يحتاج إليه وهو يقدر عليه، من عنده أو من عند غيره أقامه الله يوم القيامة مسوَّدًا وجهه، مزرقةً عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه، ويقال: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله ثم يؤمر به إلى النَّار).
• وفي حديث آخر: (من كان عنده فضل ثوبٍ وعلم أنَّ بحضرته مؤمنٌ يحتاج إليه، فلم يدفعه إليه أكبَّه الله في النَّار على منخريه).


   أمّا الذين تمتلأ قلوبهم بالرَّحمة، ويتحسَّسون آلام الفقراء والبؤساء والمحرومين، فأولئك من الفائزين الرابحين يوم يخسر المجرمون…
وما أعظم ثواب العطاء والبذل لإنقاذ الأسر البائسة المحرومة..
• في الحديث عن الإمام الكاظم عليه السَّلام: (لأن أعول بيتًا من المسلمين، أسدُّ جوعتهم، وأكسو عورتهم، وأكفُّ وجوههم عن النَّاس أحبُّ إليَّ من حجَّة وحجَّة وحجَّة – إلى أن عدَّ عشرًا- ومثلها ومثلها ومثلها – إلى أن عدَّ سبعين).


السبب الثَّالث: (وكنَّا نخوض مع الخائضين):
   ليس عندنا قاعدة إيمانيَّة ننطلق منها نحدِّد موقفنا في الرَّفض والقبول، في العداء والولاء، في المعارضة والتأييد، وإنَّما نتحرك كما يتحرك النَّاس، نرفض إذا رفض النَّاس ونقبل إذا قبل النَّاس، نعادي إذا عادوا ونوالي إذا والَوا، نعارض إذا عارضوا ونؤيِّد إذا أيَّدوا…
إذا أنحرف النَّاس انحرفنا وإذا استقام النَّاس استقمنا…
   نحن نتحرك مع الأوضاع إذا تغيَّرت تغيَّرنا، وإذا مالت ملنا، وإذا فسدت فسدنا، إذا صفَّق الشَّارع لهذا صفَّقنا، وإذا حارب الشَّارع حاربنا…
   هكذا خضنا مع الخائضين، وتهنا مع التائهين … فكان مصيرنا النَّار، وبئس القرار…
أمّا الذين ينطلقون من القاعدة الشَّرعية التي تحدد لهم المواقف، والقناعات، والخيارات والإنتماءات، والولاءات، فهؤلاء في جنَّات النَّعيم لهم فيها حياة الزُّلفى والأجر العظيم، والثَّواب الجزيل، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون..


فمن أيِّ الفريقين نكون؟
السبب الرَّابع: (وكنَّا نكذِّب بيوم الدِّين):
   ما وضعنا في حسابنا (الآخرة)، (الجنَّة)، (النَّار)… شغلتنا الدُّنيا بكلِّ زخارفها، وبكلِّ إغراءاتها، وبكلِّ أطماعها، فأعرضنا عن ذكر الله، ونسينا يوم الحساب بل وكذَّبنا بيوم الدِّين…
واحدة من هذه الأسباب كافيةٌ لإدخال النَّار، وواحدةٌ من هذه الأسباب مبرِّرة للعذاب، وواحدةٌ من هذه الأسباب توجب الحسرة والندامة في يوم الحساب…
ويبقى ترك الصَّلاة في أوَّل قائمة هذه الأسباب إذا كانت هذه مكانة الصَّلاة وقيمتها وأهميّتها، فلماذا لا تكون هي أفضل الأعمال في شهر رمضان؟
ولماذا يكون الورع عن محارم الله هو أفضل الأعمال في شهر الصِّيام؟
إنَّ قيمة الصَّلاة بمقدار ما تصنع من (الورع والتقوى):
• (إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
• (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعدًا).
لماذا لم يقل صلَّى الله عليه وآله: أفضل الأعمال الصِّيام؟
وهو الذي قال الله فيه – كما جاء في الحديث القدسي- (كلُّ عمل ابن آدم هو له غير الصِّيام هو لي وأنا أجزي به).
وهو الذي قال فيه رسول الله صلَّى الله عليه وآله:
(ما من مؤمنٍ يصوم شهر رمضان احتسابًا إلَّا أوجب الله له سبع خصال:
أوَّلها: يذهب الحرام من جسده..
والثَّانية: يقرِّب من رحمة الله..
والثَّالثة: يكون قد كفَّر خطيئة أبيه آدم (ع)..
والرَّابعة: يهوِّن الله عنه سكرات الموت..
والخامسة: آمان من الجوع والعطش يوم القيامة..
والسَّادسة: يعطيه الله براءة من النَّار..
والسَّابعة: يطعمه الله من طيبات الجنَّة.
نعم فلماذا لا يكون الصِّيام أفضل الأعمال؟
لا قيمة للصِّيام إلَّا بمقدار ما يصنع (الورع والتقوى).
• ( يا جابر هذا شهر رمضان من صام نهاره وقام وردًا من ليله وعفَّ بطنه وكفَّ لسانه، خرج من الذّنوب كخروجه من الشَّهر.
قال جابر: يا رسول الله ما أحسن الحديث..
فقال رسول الله: وما أشدّ هذه الشروط يا جابر؟ ).


لماذا لم يقل صلَّى الله عليه وآله: أفضل الأعمال الذِّكر؟
وهو الذي قال الله فيه: (ولذكر الله أكبر).
وقال تعالى: (أذكروا الله ذكرًا كثيرًا).
ومدح الذَّاكرين فقال: (الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم).
وهنا أيضا نقول:
قيمة الذِّكر بمقدار ما يصنع من (الورع والتقوى).
• جاء في الحديث: (من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلَّت صلاته وصيامه وتلاوته، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته).


   لماذا لم يقل صلَّى الله عليه وآله أفضل الأعمال تلاوة القرآن…. وقد ورد فيه ما ورد من الثَّواب العظيم والأجر الجزيل..
كذلك نقول:
قيمة التلاوة بمقدار ما تصنع من (الورع والتقوى).
• ربَّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه.
• ما آمن بالقرآن من استحل محارمه.
• من قرأ القرآن ولم يعمل به.


وهكذا الكلام بالنسبة للحج الفريضة العظيمة عند الله تعالى..
فقيمة الحج بمقدار ما يصنع من الورع والتقوى.
• إنّ الله لا يعبأ بمن قصد هذا البيت ما لم يرجع بثلاث:
– ورع يعصمه عن محارم الله..
– وخُلق يعيش به مع الناس..
– وحلم يداري به جهل الجاهل.


أيُّها الأحبَّة:
   من هنا نفهم لماذا قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله: أفضل الأعمال في هذا الشَّهر – أي شهر رمضان- …
أمَّا ما معنى الورع عن محارم الله، فيأتي الحديث في الجمعة القادمة بإذن الله تعالى.


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى