حديث الجمعةشهر ربيع الأول

حديث الجمعة 280: الإيمانُ والعملُ (2) – الأوضاعُ في البحرين بخير.. هكذا يقول النظام

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد للهِ ربِّ العالمين، وأفضل الصلوات على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمدٍ وآله الطاهرين المعصومين…


هكذا تحدَّث القرآن عن الإيمان والعمل الصالح


إذا تأمَّلنا كلامَ اللهِ سبحانه كما جاءَ في الكتاب الكريم فلن نجد – في الغالب – كلمةَ الإيمان إلَّا وهي مقرونة بالعمل الصالح..


هذه بعض أمثلةٍ من آيات القرآن المجيد:
• ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾. (البقرة/ 25)
• ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. (المائدة/ 9)
• ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾. (البقرة/ 82)
• ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾. (الرعد/ 29)
• ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. (البينة/ 7-8)
هذه الآياتُ وغيرُها كثيرةٌ في كتابِ اللهِ، وهي تؤسِّسُ لمبدأ قرآني صارمٍ لا استثناءَ فيه، وهو مبدأ (التزاوج بين الإيمان والعمل الصالح) فأيّ إخلالٍ بهذا التزاوج هو خروج على هذا المبدأ القرآني.


ومِن أجلِ أن ينتجَ الإيمانُ العملَ الصالحَ يحتاج إلى توفِّرِ شرطين أساسين، فغياب هذين الشرطين أو أحدِهما يُعطِّلُ دورَ الإيمانِ في إنتاجِ الأعمالِ الصالحةِ.


والشرطانِ هما: البصيرة والإخلاص


(1) فإذا غابتْ البصيرةُ أصبح الإيمان أعمى، يقود صاحبَهُ إلى التَّيهِ والضَّلالِ والفسادِ والانحرافِ.


• في الحديث: «العاملُ على غيرِ بَصيرةٍ كالسائرِ على غير الطريق، لا يزيده سرعة السَّير إلَّا بُعدًا»[1].


الخوارج الذين كفَّروا عليًا عليه السَّلام، وحاربوه، وقتلوه في محرابهِ كانوا يحملونَ عقيدة، وهم عُبَّادُ ليلٍ، وقُرَّاء قرآنٍ، إلَّا أنَّهم لا يملكون البصيرة فضلُّوا الطريقَ، ومَرقُوا عن الدين، ووقعوا في أبشع الجرائم…


الجماعاتُ التكفيريَّة الإرهابيَّة في هذا العصر نموذج لمن يحملونَ العقيدة الضالَّةَ التي لا تملكُ البصيرة، لذلك كفَّروا، وقتلوا، وفجَّروا، وسفكوا الدِّماء، وهتكوا الأعراض، ودمَّروا المقدَّسات، كلّ ذلك باسم الدين والعقيدة والشوق إلى الجنَّة، وإلى لقاء رسول الله صلَّى الله عليه وآله..


(2) وإذا غاب الإخلاصُ تحوَّلَ الإيمانُ إلى سُلعةٍ رخيصةٍ تباعُ في سوقِ الأطماعِ والشهواتِ، ومِن أجل أغراضِ الدنيا الزائفة، فلا مانع أنْ يُقتَل الحُسينُ سبطُ رسول الله صلَّى الله عليه وآله، وأن يُذبح طفلُهُ الرضيعُ مِن الوريد إلى الوريد، وأن تُسبى حُرَمَه وعياله، كلّ ذلك استجابةً لتلك الأطماعِ والشهواتِ والأغراضِ…


ولا مانع أن يُلاحَقَ المؤمنونَ الصادقونَ ويُسجنوا، ويُعذَّبُوا، ويُعدَمُوا…


ولا مانع أنْ تُسحقَ الكراماتُ، وتُقمعَ الحرياتُ، وتُدنَّسَ المقدَّسات…


ولا مانع أنْ تجوعَ الشعوبُ، وأنْ تضمأ، وأن تعرى، وأن تموت…


كلُّ ذلك استجابةً لهوى نفسٍ، ولأغراضِ دنيا، ولنزوةِ حُكْمٍ، ولطيشِ سُلطانٍ….


والأسوءُ حينما تُمارسُ أنظمةُ الجورِ والظلمِ والاستبداد كلَّ ذلك باسم الدِّينِ والحقِّ والعدالة…


والأكثرُ سَوءًا حينما يُوظَّف خطابُ الدينِ لشرعنةِ جرائمِ الأنظمةِ الحاكمةِ، وجورِها، واستبدادِها…


لقد وُظِّفَ خطابُ الدِّينِ لقتل الحسين بن عليّ، حينما أفتى قاضي البلاط بأنَّ الحسين خرج عن حدِّه فقتل بسيف جدِّه، ووظِّف الدين في هدم الكعبة، ووظِّف الدِّين في استباحة مدينة رسول الله صلَّى الله عليه وآله، فقد استباح جيش يزيد المدينة ثلاثة أيام، فهجم على البيوت وقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وبلغ عدد القتلى سبعمائة من المهاجرين والأنصار، ومن غيرهم عشرة آلاف، واستبيحت الأعراض حتى قيل أنّه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج…


وهكذا عبر التاريخ كانت بلاطات الأنظمة الحاكمة توظِّف خطاب الدِّين من أجل تضليل النَّاس، وإعطاء الشرعية لسياساتِ الحُكَّام، وإن مارسوا الظلمَ والقهر والجور والعبث، والفساد، وارتكبوا كلَّ الجرائم، وكلَّ الموبقات…
وحتى النزوات الشخصية للحكام تجد لها شرعنةً لدى وُعَّاظ السَّلاطين…


– يُحدِّثنا التاريخُ أنَّ أبا البختري وهب بن وهب قاضي بغداد دخل على هارون الرشيد، وهارون يطيِّر في الحمام فقال: هل تحفظ في هذا شيئًا؟
فقال: حدَّثني هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة أنَّ النبي صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم كان يطيِّر الحمام. [2]


– وروى أحد وعَّاظ البلاط العباسي حديثًا مرفوعًا إلى رسول الله (ص) قال: أتاني جبرئيل وعليه قباء أسود ومنطقة وخنجر فقلت: ما هذا؟ فقال: يأتي على الناس بعد الإسلام كهذا، قلت: يا حبيبي مَنْ يكون رئيسهم، قال مِن ولد العباس. [3]


هذا هو قاضي الدولة يكذبُ على رسول الله صلَّى الله عليه وآله من أجل أن يتناغم مع نزواتِ السلطانِ والسلطانُ نفسه يعلم أنَّ هذا القاضي يكذب، فالويل كلّ الويل للرعية حينما يكون قضاةُ العدلِ ألعوبةً بيد السلاطين والحكَّام..
وهؤلاء هم وعَّاظ السلاطين يكذبون ويكذبون استجابة لأهواء الحكَّام..


ولماذا نذهب بعيدًا في التاريخ، فها هو بالأمسِ القريب، طاغيةُ العراقِ المقبور صدَّام، قادته نزواتُه أن يتقمَّص زورًا وكذبًا (الانتساب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وآله) فانبرى عددٌ من مزوِّري التاريخ ليصدروا شهاداتٍ تاريخيَّة لإثبات مزاعم الطاغية..


هكذا يُوظَّف الدِّينُ وخطابُ الدِّينِ لخدمة أهداف الحكَّام والسلاطين..


للحديث صلة – إن شاء الله تعالى –



 الأوضاعُ في البحرين بخير.. هكذا يقول النظام


لا يوجد مُخْلِصٌ لهذا البلدِ، لا يتمنَّى أن تكون الأوضاعُ فيه بخير، أن تكون السِّياسة بخير، أن يكون الأمنُ بخير، أن تكون مصالحُ الشعبِ بخير، أن تكون كرامة المواطن بخير، أن تكون الحريةُ، العدالةُ، الإنصافُ بخير…


مَن لا يتمنَّى كلَّ هذا، ومَن لا يعمل له فهو خائنٌ لهذا الوطن…


وكذلك خائنٌ لهذا الوطنِ مَن يُزوِّر حقيقة ما يجري في هذا البلد…


النظام يقول: الأوضاعُ في البحرين بخير؛ لا أزمات سياسيَّة، لا أزمات حقوقيَّة، لا مشاكلَ أمنيَّة، لا اضطرابات، لا احتجاجات لا اعتقالات، لا ملاحقات، لا مداهمات، لا ضحايا، لا قتلى، لا مفصولين.. لا… لا…..


إذا كان الأمر كذلك..


فلماذا مُنع ناشطون حقوقيُّون من الدخول للبحرين؟
ولماذا مُنع صحافيون ومراسلون؟
ولماذا مُنعت منظمات دولية ولجان إنسانية؟
ولماذا التشويش على مواقع وفضائيات؟
وإذا كان الأمر كذلك…


فهذا يعني أنَّ ما صدر عن لجنة تقصِّي الحقائق (لجنة بسيوني) من وجودِ تعذيبٍ ممنهج، وحالاتِ وفاةٍ بسبب التعذيب، وبسبب استخدام القوة المميتة والغازات الخانقة، ووجود انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان، ووجود عقوباتٍ صدرت بسبب التعبير عن الرأي، وحالاتِ فصلٍ نتيجة ممارسةِ حقِ التعبير وحرية الرأي والتجمع، وهدم منشآتٍ دينيةٍ (مساجد، حسينيات، أضرحة، مضايف)…..


هذا كلُّه وغيره ممَّا صدر عن اللجنة البحرينيَّة المستقلَّة لتقصِّي الحقائق والتي تشكَّلت بأمرٍ ملكي.. يُعتبر كذبًا وافتراءً وفق مقولة (البحرين بخير)


يُضاف إلى ذلك الكثير من التقارير الصادرة عن منظماتٍ وجمعياتٍ حقوقيةٍ وإنسانيةٍ دوليةٍ أكَّدتْ أنَّ الأوضاعَ في البحرين مأزومةٌ أشدّ التأزيم، والانتهاكات واضحةٌ كلَّ الوضوح، فلماذا هذا التلميعُ الموهومُ الكاذبُ؟ ولماذا هذه التصريحاتُ الخادعة؟
مِن أجل إقناعِ العالم؟


فما عادتْ الأمورُ مستورةً، وما عاد التضليلُ الإعلامي قادرًا أن يتستَّر على الأوضاع، وإن كانت الكثيرُ من أنظمةِ العالم، تحكمُ مواقفها، وسياساتِها المصالحُ، فلا يعنيها كلُّ الحقائق، ولا يهمُها أن تُسحقَ إراداتُ الشعوبِ، وأن تنتهك كراماتُها، وأن تُقمع حَرَاكاتُها العادلةُ المشروعة..


وهذا لا يلغي وجودَ مواقفَ نظيفةٍ شريفة تساندُ الشعوبَ المظلومةَ، وتفضح سياساتِ الأنظمة العابثة بالحرياتِ والكرامات…


إنَّنا حينما نستعينُ بشهاداتٍ منصفةٍ كلَّ الإنصافِ، أو بعض الإنصاف، لا مِن أجل أن نقنع أنفسنا بصدقيَّة حَرَاكنا، وبصحَّة ومشروعيةِ مطالبنا، وبزيف التضليلِ الموجَّه ضدَّنا، وببطلانِ أكذوبة أنَّ الأوضاعَ في البحرين بخير…


فنحن نعيش المعاناةَ كلَّ المعاناة، ونحمل مرارة هذه الأوضاعِ المأزومة، ويحاصرنا هذا الجموحُ الأمّنيُ الباطشُ والفاتكُ، فواضحة لدينا كلَّ الوضوح أكذوبة الأمن والاستقرار، وأنَّ الأمور بخير…


أيُّ خيرٍ هذا الذي يتحدَّثون عنه؟ وأيُّ أمنٍ واستقرار؟ وفي كلِّ شبرٍ نقطةُ تفتيش، وفي كلِّ موضعٍ أدواتُ قمعٍ وبطش، وفي كلِّ قريةٍ عنفٌ وفتك…


وربَّما قالوا إنَّها إجراءاتٌ تفرضها الضرورةُ في مواجهةِ فوضى، وعبثٍ، وتخريبٍ، وشغبٍ، وعنف، وتطرُّف..


المطالبة بالحقوقِ العادلةِ ليست فوضى وعبثًا…


الإصرارُ على التغيير والإصلاح ليس تخريبًا وشغبًا..
الممارسة السلمية في الاحتجاجات، والتجمُّعاتِ، والمسيراتِ، والاعتصاماتِ ليس عنفًا وتطرُّفًا…


وقد شكَّل حَرَاكُ هذا البلد أوضحَ نموذجٍ في حَرَاكاتِ الربيع العربي انتهاجًا للسلميَّة، وابتعادًا عن كلِّ أشكال العنفِ والتطرُّفِ، وإذا كانت هناك بعضُ مواجهاتٍ فقد فرضتها ضروراتُ الدفاعِ، وحمايةُ الأنفسِ والأعراضِ، ولا تُشكِّلُ نهجًا ينحرفُ بالحَرَاكِ عن سِلميَّتِهِ…


ونؤكّد هنا أنَّ هذا الحديث لا يهدفُ إلى تشويه سمعةِ هذا البلدِ، وإعطاءِ صورةٍ سيِّئةٍ عنه، بقدر ما هو رصدٌ لواقعٍ باتَ مُقْلِقًا ومُرعِبًا، ندعو الله تعالى أن لا يدوم، لتكون البحرينُ وطنَ الحريةِ، وكرامةَ الإنسان، وبلدَ الخيرِ والعطاءِ..


ولن يتحقَّقَ ذلك إلَّا:
– بإنهاءِ كلِّ أشكالِ التحشيد الأمني..
– وإطلاقِ سراحِ كلِّ الرموز وبقيَّة السجناءِ والمعتقلين الصامدين..
– ومحاكمةِ كلَّ الجناة الذين مارسوا القتلَ والتعذيبَ وانتهاكَ الأعراضِ، والإساءةَ إلى المقدَّساتِ.
– والاستجابةِ لمطالبِ الشعبِ المشروعةِ في الإصلاحِ الحقيقي، وإقامةِ العدالةِ، وإنهاءِ كلِّ مظاهرِ الفساد والتمييز.





الهوامش:
[1] الكليني: الكافي 1/ 43، كتاب فضل العلم، باب من عمل بغير علم، ح1. (ط4، 1365ش، دار الكتب الإسلامية، طهران – إيران)
[2] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 13/ 458. (ط1، 1417هـ – 1997م، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان)
[3] ابن حجر: لسان الميزان 3/ 136، رقم 472. (ط2، 1390هـ – 1971م، مؤسَّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت – لبنان)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى