حديث الجمعةشهر جمادى الثانية

حديث الجمعة 395: دُرُوسٌ مِنْ قصَّةِ آسيةِ بنتِ مُزَاحم امرأةِ فِرعونَ – التفقُّهُ في الدِّين – نُريدُ خِطابًا يحملُ همَّ الوطن

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّد الأنبياءِ والمرسلينَ محمَّدٍ وعلى آله الهُداةِ الميامين…


دُرُوسٌ مِنْ قصَّةِ آسيةِ بنتِ مُزَاحم امرأةِ فِرعونَ:


حينما يَطرحُ القرآنُ (قِصَّةً) أو (حَدَثًا) أو (مَثَلًا) ليسَ مِن أجلِ (التسليةِ) أو (التَرفِ الفكري) وإنَّما مِن أجلِ أنْ يُقدِّمَ ( درسًا وعِبْرةً) ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ…﴾ {يوسف/111}
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ {العنكبوت/43}
فقصصُ القرآنِ، وأمثالُ القرآنِ هدفُها أنْ تُربِّي الإنسانَ، أنْ تصنعَ عقلَهُ، أنْ تُهذِّبَ رُوحَهَ، أنْ تُرشِّدَ سلوكه.


• في الكلمةِ عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم:
«أصدقُ القَولِ، وأبلغُ الموعظةِ، وأحسنُ القصصِ، كتابُ الله».
ما الدُروسُ التي تستفيدُهَا المرأةُ المؤمنةُ مِن موقفِ آسيةَ بنتِ مُزاحم امرأةِ فِرعونَ؟


وإنْ كانَ هذا الموقفُ قدَّمَهُ القرآنُ (مَثَلًا) لكلِّ المؤمنينَ رِجَالًا ونِسَاءً ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ…﴾ {التحريم/11}،غيرَ أنَّ الحديثَ هُنا يُحاولَ أنْ يستَلهِمَ بعضَ دُرُوسٍ يُقدِّمُهَا للمرأةِ المؤمنةِ، في هذا العصرِ الذي تاهتْ مساراتُ المرأة، وتجاذبْتَها رُؤَى (التغريبِ الثقافي والأخلاقي) ممَّا يفرضُ على المرأةِ المسلمةِ أنْ تعودَ إلى (كينُونَتِها الإيمانية) وأنْ تتحدَّى كُلَّ مُحاولاتِ الاستلابِ والهيمنةِ التي اخترقتْ مجتمعاتِ المسلمين.


موقفُ آسيةَ بنتِ مُزاحِمَ امرأةِ فِرعونَ قدَّم للمرأةِ المُسلمةِ دُرُوسًا كبيرةً جدًّا، هذهِ بعضُها:


(الدَّرسُ الأوَّل):
مطلوبٌ من المرأةِ المُسلمةِ أنْ تكونَ واثقةً كلَّ الثِّقةِ بانتمائِها إلى هذا الدِّينِ الحقِّ، ومطلوبٌ أنْ تملكَ كلَّ الصَّلابةِ والشموخِ والإرادةِ في التعبيرِ عن انتمائِها الدِّيني وعن هُويتَها الإيمانية في زحمةِ كلِّ التحدِّياتِ، ومحاولاتِ الهيمنةِ والاستلابِ، كما فعلتْ آسيةُ بنتُ مُزاحِمَ امرأةُ فِرعونَ حينما عبَّرتْ بكلِّ ثقةٍ واطمئنانٍ وبكلِّ صَلابةٍ وتحدِّي عنْ انتمائِها وهُويَّتِها وإيمانِها باللهِ الواحدِ الأحد، وكَفرتْ بكلِّ الولاءاتِ التي تتنافى مع هذا الانتماء.
وإذا أردنَا أنْ نقرأَ واقعَ المرأةِ في مُجتمعاتِ المسلمين المعاصرة، فإنَّنا يمكن أنْ نُصَنِّفَ هذا الواقع إلى عدةِ تصنيفاتٍ:


الصِّنفُ الأوَّل:
هُناكَ بعضُ نساءِ المسلمينَ قد سَقطنَ أسيراتٍ لأيديولوجيَّاتٍ لا تعترفُ بالدِّين، فأعلنَّ الانفصالَ تمامًا عن الانتماء الديني، بل وأعلنَّ الحربَ لكلِّ أفكارِ وأحكامِ وقيمِ الدِّين، وتحوَّلنَّ إلى مواقع اختراقٍ خطيرةٍ في مجتمعاتِ المُسلمين، وإلى أدواتِ إفسادٍ وعبث بقيم هذه الأمَّة…
إنَّنا ندعو هذا النمطَ مِن النِّساءِ إلى إعادة النظر في هذا الانفصالِ الخطيرِ عن هُويةِ الأمَّةِ من خلالِ الصيغة النقيَّةَ الأصيلة، وليس مِن خلالِ الصِّيغ التي تطرحُ الدِّينَ طرْحًا مُشوَّهًا، مَمسُوخًا، مُتخلِّفًا، مُتطرِّفًا، هذا الطرحُ الذي أساءَ كلَّ الإساءةِ إلى الدِّين، ومفاهيمِ الدِّين، وقِيمِ الدِّين، وأساءَ كلَّ الإساءةِ إلى أتباعِ الدِّين، وإلى جميع المسلمين.
ولا يوجدُ خطرٌ على الدِّين الحقِّ في هذا العصرِ كخطرِ التَّياراتِ التكفيريةِ، الإرهابيةِ، المتطرِّفةِ.


وما أحوجَ هذه المرحلةِ إلى إعادة إنتاج الفكر الدِّيني الأصيل، فيمَا يحملُهُ هذا الفكرُ من نقاءٍ، وطُهْرٍِ، ومحبَّةٍ، وتسامحٍ، وعَدْلٍ، وأمنٍ، وخيْرٍ، وانفتاحٍ، وأَمَلٍ، وصِدْقٍ، وصفاءٍ، وتعاونٍ، وتآلفٍ، ورحمةٍ، ولطفٍ، وإنصافٍ، ومقاربةٍلكلِّ حاجاتِ الإنسانِ والحياةِ في كلِّ عصرٍ وزمان.


الصِّنف الثَّاني:
نساءٌ لم تتفاصلنَ مع الدِّين مفاصلةً تامةً كما الصِّنف الأوَّل، بقينَ مُسلماتٍ منتمياتٍ إلى الدِّين، مؤمناتٍ بعقائدهِ، ومُلتزماتٍ بعباداتِهِ مِن صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍ، وتلاوةٍ، وذكرٍ، ودعاءٍ، يحملِنَ مشاعرَ الدِّين وعواطفَهُ، والكثيرَ من قيمِهِ…


إلَّا أَنَّهنَّ سقطنَ في بعضِ مُنزلقاتِ التغريب، وبالأخصِ فيما يتصل بـ (مسائلِ السِّترِ والحِجاب)، و(مسائلِ الاختلاطِ)، و(الكثير من الأعرافِ الاجتماعية المتنافية مع أحكام الشَّرع)، وربَّما وُجد عُلماءُ دينٍ شرعَنُوا لهذه المُمارساتِ، فشرعَنُوا للتبرُّج والسُّفور، وشرعَنُوا للاختلاطِ المفتوحِ وغير المنضبط، وشرعَنُوا للمصافحة بين الرجالِ والنساءِ بلا ضَرورة، وشرعَنُوا للطربِ واللَّهوِ الفاسق، وشرعَنُوا للكثير من مُستورداتِ (ثقافة التغريب)، ممَّا أنتج نماذجَ نسائيةً تعيشُ الازدواجيةَ الفكريةَ والنفسيةَ والأخلاقيةَ والسُّلوكيةَ، بسببِ فهمٍ مُلتبسٍ، وشرعنةٍ خاطئة وإرادةٍ منهزمةٍ، وما لم تُعالجْ هذه الأسبابُ فسوف تتراكمُ المخالفاتُ ممَّا يؤدِّي إلى انفلاتٍ خطيرٍ في حياة نساءِ هذه الأمَّة.


وحينما نقرأُ الأخبارَ التي تتحدَّثُ عن آخرِ الزمانِ – لا يقصد بآخر الزمان في هذه الأخبار هو المقطع الأخير من أشواط البشرية، لأنَّ هذا المقطع هُو قِيام دولة العدل الإلهي – نجدُها تحملُ (توصيفاتٍ) تنطبقُ كلَّ الانطباق على ما هو مُشاهدٌ في عصرِنا الحاضر، بما في ذلك توصيفاتٌ خاصةٌ ببعضِ نساءِ هذه الأمَّة في آخر الزمان…


• جاءَ في الخبرِ عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم متحدِّثًا عن النَّاس في آخر الزمان:
«نساؤُهُم كاسياتٌ عارياتٌ على رؤوسهنَّ كأسنمةِ البُخت العجاف».
– كاسيات عاريات: أزياءٌ نسائية فاضحة جدًّا.
– على رؤوسهنَّ كأسنمةِ البُخت العجاف: تسريحاتٌ للشعرِ ليس لها مصداق إلَّا في هذا العصر.


• وعنه صلَّى الله عليهِ وآلِهِ وسلَّم:
«كيف بكم إذا فسد نساؤكم، وفسق شبابكم؟ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عنْ المنكر؟
قالوا: ويكونُ ذلك يا رسول الله؟
قال صلّى الله عليه وآلِهِ وسلّم: نعم، وشرٌّ مِن ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف؟
قالوا: ويكونُ ذلك يا رسول الله؟
قال صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم: نعم وشرٌّ مِن ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروفَ منكرًا، والمنكر معروفًا؟».


• وعن أمير المؤمنين عليه السَّلام:
«يظهرُ في آخرِ الزمانِ واقترابِ السَّاعةِ – وهو شرُّ الأزمنة – نُسوَةٌ كاشِفاتٌ، عارياتٌ، مُتبرِّجاتٌ، خارجاتٌ من الدِّين، داخلاتٌ في الفتن، مائلاتٌ إلى الشهواتِ، مسرعاتٌ إلى اللَّذات، مستحلاتٌ للمحرَّمات…».


• وعن أمير المؤمنين عليه السَّلام متحدِّثًا عن آخر الزَّمان:
«وتشبَّهَ النساءُ بالرجالِ، والرجالُ بالنساءِ».
والأخبار في هذا السِّياق كثيرة…
وكلَّ هذا الواقعَِ المشحونِ بالفسادِ والمنكرات هو قبل ظهور الإمام المهديِّ من آل محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآلِهِ الذي يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئتْ ظلمًا وجورًا.
للحديث تتمَّة إنْ شاءَ اللهُ تعالى.


التفقُّهُ في الدِّين:
لكي يُحقَّق الحضورُ في جَلساتِ التَّفقُّهِ أهدافَه، ولكي يحظى حُضَّارُ هذه الجَلساتِ بالثواب الكبير، لا بدَّ مِن توفُّرَ شروطٍ، أشرنا إلى اثنين منها:


الشرط الأول: حضورُ القلب والذّهن…


الشرط الثاني: التمثُّلُ العلمي لمعطياتِ الحضور.
نقرأ في القرآنِ قوله تعالى في سورة الزُمَر (17، 18 ):
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ {*} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾.
الاستماعُ يعني توجُّهَ السَّمعِ والقلبِ والعقلِ الأمر الذي يوفِّر القُدرةَ لتقويم الأفكار المطروحة وهكذا يكونُ هذا الاستماعُ وسيلةً معرفيةً وعلميةً وثقافيةً، وليس ترفًا، وملهاةً، وإضاعةً للوقت.
وإذا كان الاستماعُ جادًّا وهادِفًا وواعيًا فإنَّه يضعُ الإنسانَ أمامَ الاختيارِ الصَّائب الصحيح، بل أمام أفضل الخيارات ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾،فلا يخضعون للأهواءِ والانفعالاتِ والتأثيراتِ وإنَّما يُحاسبونَ الأفكارَ المطروحةَ وفق المعايير الإيمانيةِ الصَّائبةِ، فيأخذونَ بما هو الحقُّ والصَّواب، وبما هو الأفضلُ والأنفع، ويُحوِّلونه عملًا، وسلوكًا، وممارسةً، هذا النمط من النَّاس هُم ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ و﴿هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ وهكذا يؤسِّسُ النصُّ القرآني مَنْهجًا عقليًّا رشيدًا في التعاطي مع أيّ خِطابٍ، سواءً أكانَ خِطابًا دينيًا، أو ثقافيًا، أو علميًا، أو اجتماعيًا، أو تربويًا، أو سياسيًا، أو في أيّ مجال…
رُبَّما كانَ الخِطابُ – أيُّ خطاب – فاسدًا، سيئًا، زائفًا…
رُبَّما كانتْ أهدافُ الخِطابِ مَشْبُوهةً، ملتبسةً، ضَالةً…
رُبَّما كانتْ لغةُ الخِطابِ، جذَّابةً، آسرةً، خادعةً…
رُبَّما مَلَكَ الخِطابُ إعلامًا، ضجيجًا، صَخبًا…
رُبَّما مَلَكَ قوَّةً، سلطةً، مالًا، جماهير…
رُبَّما… رُبَّما…


هُنا تَكونُ الحاجةُ كبيرةً إلى (الرُشدِ العقلي) في التعاطي مع أيّ خطابٍ أو (قول) حسب القرآن خشيةَ أنْ يُسْرقَ وعيُ الإنسانِ، وأنْ تزوَّرَ رؤاهُ وأفكارُهُ وقناعاتُه، وأنْ تتلوَّثَ قيمُهُ وأخلاقُهُ، وأنْ تنحرِفَ خطاهُ وممارساتُه…
مِن هُنا يمكن أنْ نفهم: لماذا اعتبرتْ الرواياتُ (جلْسةَ التفقُّهِ في الدِّين) جَلْسةً عباديةً، بل تفوقُ في الثوابِ الكثير من العبادات «أفضل من قيام ألفِ ليلة»«أفضل من صيامِ ألفِ يوم»،«أحبُّ إلى الله مِن اعتكافِ سنةٍ في البيتِ الحرام»،«أفضلُ مِن سبعينَ طوافًا حول البيت»،«يكتب له بكلِّ حرفٍ عبادةُ سنة»… إلى آخر ما ورد في الروايات…


ولكن لكي تكونَ (جَلْسةَ التفقُّهِ في الدِّين) جَلْسةً عباديةً تحتاج إلى (شرطِ الإخلاصِ للهِ تعالى)، فلا عبادةَ بدونِ إخلاصٍ لله، ولا ثوابَ بدونِ نيةِ قربةٍ إلى الله.


صحيحٌ يُوجدُ في الشريعة الإسلاميةِ نمطانِ من الأعمال: أعمال عبادية، وأعمال توصلية…


(1) الأعمال العبادية:
هي التي يشترطُ فيها (نيةَ القُربة إلى الله) وإلَّا وقعت باطلةً، ومن أمثلة العبادات: الوضوء، الغسل، الصَّلاة، الصِّيام، الاعتكاف، الحج، العُمرة، الزكاة، الخُمس، الجِهاد…


(2)  الأعمال التوصُّلية:
لا يشترط فيها (نية القربة إلى الله)، بل تقع صحيحةً، وإنْ خلتْ مِن نية (القربة) ومن أمثلة التوصُّلياتِ: تطهيرُ البدنِ والملابسِ من النجاسةِ، الإنفاق على الزوجةِ، صلة الأرحام، تعلُّم الأحكام، البر بالوالدين، ردُّ التحية، الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر…


وهُنا تنبيهٌ مهمٌ جدًّا:
إذا جاء الإنسانُ بأيّ عملٍ توصلي من دونِ نية (القربة إلى الله) يعتبر قد امتثل التكليف وسقط عنه العقاب، إذا كان التكليف إلزاميًا، إلَّا أنَّه لا يستحق بذلك الأجر والثواب.


وأمَّا إذا مارسَ العمل التوصُّلي بنية القربة إلى الله دفع عن نفسه العقاب، واستحق بلطف الله تعالى الأجر والثواب…
ولكي يحظى الإنسان بالثواب الإلهي على أيّ عملٍ يمارسُهُ، فلينطلق فيه بنيَّة القربة إلى الله تعالى، فبإمكانك أنْ تحوِّل أيَّ عملٍ إلى ممارسة عبادية توفِّر لك الكثير من الثواب والأجر عند الله تعالى…
للحديث تتمَّة إنْ شاء الله.


نُريدُ خِطابًا يحملُ همَّ الوطن:


كيف نقرأ هذا العنوان؟
يمكنُ أنْ نفكِّكَ مُفرداتِهِ على النحو التالي:


1- (نُريدُ) مَنْ نحنُ الذينَ نُريدُ؟
كلُّ مَنْ ينتمي إلى هذا الوطنْ انتماءً حقيقيًا، ولن أدخل في لغةِ التصنيف، هذا ينتمي، وهذا يدَّعي، وهذا أصيلٌ، وهذا دخيلٌ، وهذا صادقٌ، وهذا كاذبٌ، هذه اللُّغة لها مُنتجاتُها المُدمِّرة، ولها تداعياتِها الخطيرة، فكمْ مَزَّقتْ أوصالَ أوطانٍ، وكم أنتجتْ حُروبًا، وأزهقتْ أرواحًا، وخلقتْ فِتنًا عمياء…
هُنا وطنٌ، وهُنا مُنتمونَ إلى هذا الوطن…
هُنَا نظامٌ وحكمٌ وسلطةٌ، ومُؤسَّساتُ دولة…
هُنَا شعبٌ يعيشُ على هذه الأرضِ، بكلِّ مُكوِّناتِهِ، وانتماءاتِهِ، ومذاهبِهِ…
هُنَا قُوى دينيةٌ، ثقافيةٌ، اجتماعيةٌ، سياسيةٌ بكلِّ ألوانِها وأطيافِها، وتنوعاتِها…
هُنَا مُؤسَّساتٌ مدنيةٌ، جمعياتٌ، فعَّالياتٌ، نشاطاتٌ، حراكاتٌ…
فحينما أقولُ (نُريدُ) فينتظم في هذه الإرادة كلُّ مُكوِّناتِ الوطن، الحكمُ بكلِّ مؤسَّساتِه، والشعبُ بكلِّ انتماءاتِه، والقُوى بكلِّ تنوُّعاتِها، والفعَّالياتِ بكلّ مساحاتِها، كلّ مَنْ يَنتسبُ إلى هذا الوطن ويتجذَّرُ في أرضه، ويعشقُ تُربتَهُ…
2- (نُريدُ خِطابًا):
الخِطاب مجموعةُ رُؤى وأفكارٌ وقناعاتٌ موجَّهةٌ إلى الناسِ، قد تكونُ هذه الرؤى والأفكارُ والقناعاتُ دينيةً فيُسمىالخِطابُ (دينيًّا)، وقد تكونُ ثقافيةً فيُسمى الخِطابُ (ثقافيًا)، وقد تكونُ أدبيةً فيسمى الخِطابُ (أدبيًا)، وقد تكونُ سياسيًا فيسمى الخِطابُ (سياسيًا)، وهكذا بقيةُ الخطابات..
وقدْ يُصنَّفُ الخِطابُ بلحاظاتٍ الأخرى:
فيقال: خطابُ السُّلطةِ، خطابُ المسجدِ، خطابُ الجمعةِ، خطابُ المنبر، خطابُ المعارضةِ، خطابُ الشارع، خطابُ الإعلام، خطابُ الصَّحافة…
فحينما أقول: (نُريدُ خِطابًا) فعن أيّ خطاب أتحدَّثُ؟
أتحدَّثُ عن أيِّ خطابٍ له تأثيراته على أوضاع الوطن، ربَّما تتفاوتُ مستوياتُ التأثير بين خطابٍ وآخر…
لا شكَّ أنَّ خِطابَ السُّلطة له تأثيره الأكبر، ولا شكَّ أنَّ خِطابَ الدِّينِ له قُدرتُه الأقوى، ولا شكَّ أنَّ خطابَ القوى النَّاشطة له دوُره الفاعل…
ولا شكَّ أنَّ خِطابَ الشّارعِ له قيمتُه العظمى..
ولا شكَّ أنَّ خِطابَ الإعلام والصَّحافة له حضوره المؤثِّر جدًا.
فلا يمكنُ استثناءُ أيّ خِطابٍ في تأثيرهِ على أوضاعِ الوطن، حينما يحاولُ هذا الخطابُ تناولَ هذه الأوضاع، وحينما يحاولُ أنْ يقاربَ هُمومَ الوطن.


3- (نُريدُ خطابًا يحملُ همَّ الوطن):
همَّ الوطنِ كلِّ الوطنِ، وليس همَّ الحكم فقط، وليس همَّ هذه الطائفةِ أو تلك الطائفة فقط، وليس همَّ هذا المكوِّنِ أو ذاك فقط، وليس همًّا في مساحةٍ فقط دونَ بقيةِ المسَاحاتِ، وفي شأنٍ فقط دُونَ بقية الشُؤونِ، وفي مفصلٍ فقط دونَ بقيةِ المفاصل.


وماذا يعني همُّ الوطنِ كلِّ الوطن؟
همُّالوطن ينتظمُ مجموعةَ عناوين، أتناولُ بعضًا منها:
العنوانُ الأوّل: الأمنُ أكبرُ همٍّ للوطن…
وليس الحديث هُنا عن أمنِ السُّلطةِ فقط، ولا عن أمنِ الوطنِ كلِّ الوطن، فحينما يتوفَّر الأمنُ للسُّلطةِ، ولا يتوفَّر لهذه الطائفةِ أو تلك، ولا لهذا المكوِّنِ أو ذاك، ولا لهذا المواطنِ أو ذلك، ولا لهذه القريةِ أو تلك، فلا أمنَ لهذا الوطن، الأمنُ همٌّ لا يتجزَّأ، وأيّ محاولةٍ لتجزئةِ هذا الهمِّ فهي محاولةٌ للقضاء على أمنِ الوطن…


فحينما نُريدُ خِطابًا يحملُ همَّ الوطن، فمِن أولويات هذا الهمّ هو (أمن الوطن كلِّ الوطن) فنحن نُريدُ خِطابًا يحملُ همَّ الأمنِ لكلِّ الوطن…
فالخطابُ الذي ينشرُ العُنفَ، والرُّعبَ، والخوفَ، والقلقَ، والإرهابَ، والتطرُّفَ، لا يحملَ همَّ الوطن، سواءً أكان هذا الخِطابُ خِطابَ سُلطةٍ، أو خِطابَ دينٍ، أو خِطابَ سياسةٍ، أو خِطابَ مُوالاةٍ، أو خِطابَ معارضةٍ، أو خِطابَ إعلامٍ، أو خِطابَ صحافةٍ، أو خِطابَ ثقافةٍ وأدبٍ وفنٍ…


والخطابُ الذي لا يُفكِّر إلَّا في الأمنِ المجزَّأ لا يحملُ همَّ الوطن، وهل يُمكنُ أنْ نتصوَّرَ أمنًا مُجزَّءًا؟ لا يُمكنُ أنْ نتصوَّرَ ذلك، فمتى ما سقط الأمن في مفصلٍ من مفاصلِ الوطن سقط في بقية المفاصل.


هل يُمكنُ لنظامِ حُكمٍ أنْ يعيش آمنًا، إذا كانَ الشعبُ لا يعيشُ الأمنَ..؟
هل يُمكنُ لطائفةٍ أو مكوّنٍ أنْ يعيش الأمن إذا كانت بقيةَ الطوائف أو المكوّنات لا تعيش الأمن؟
هل يُمكنُ لمُدنٍ وقُرى أنْ تعيش الأمن إذا كانت هناك مُدُنٌ وقُرى أخرى محرومةَ  من الأمن؟
الجواب بكلِّ تأكيد (لا)، لماذا؟
لأنَّ أمنَ الوطنِ لا يتجزَّأ، ولأنَّ همَّ الوطنِ لا يتجزَّأ، ولأنَّ آلام الوطن لا تتجزَّأ..


وإذا تجزَّأ الأمن، وتجزَّأ الهمَّ، وتجزَّأ الألم، فما عادتْ هناك لحمةٌ بين أبناء الوطن، فأبناء الوطن أخوة دينٍ، وأخوة إنسانيةٍ، وأخوة مصالح مُشتركة، مِن هُنا وجب أن يكون همُّهم مُشتركًا، وأمنهم مُشتركًا…
فالذين يُفكِّكونَ في المصالح والحقوق بين أبناء الوطن، والذين يفكِّكون في الهموم والآمال والآلام بين أبناء الوطن، والذين يفكِّكون في الأمنِ والأمانِ بين أبناء الوطن…


هؤلاء لا يحملونَ همَّ الوطن…
وإذا كان الأمن والأمان أول همٍّ من هموم الوطن، فإنَّ للوطن هُمومًا أُخرى كبيرة، نذكُرها في حديثٍ قادمٍ إنْ شاء اللهُ تعالى.


وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى