شهر صفرملف شهر محرم

حديث الجمعة 616: قراءةٌ تقويميَّةٌ لمراسيم الإحياء العاشورائيِّ (3)

24 اغسطس 2023 | 7 صفر 1445

قراءةٌ تقويميَّةٌ لمراسيم الإحياء العاشورائيِّ (3)

 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياء والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.

السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.

 

وقفةٌ تقويميَّةٌ بعدَ كلِّ مَوْسمٍ عاشورائيّ

تقدَّم القولُ بضرورةِ أنْ تكونَ هناك وقفةٌ تقويميَّةٌ بعدَ كلِّ مَوْسمٍ عاشورائيِّ.

لماذا؟

لسَبيين أسَاسَين: 

السَّبب الأوَّل: تأصيل الإيجابيَّات 

السَّبب الثَّاني: محاسبة السَّلبيَّات

 

هكذا يستمرُ موسمُ عاشوراء، وهكذا تستمر الشَّعائر والمراسيم، وهكذا يتطوَّرُ الأداءُ العاشورائيُّ.

وإذا غابت هذه الوقفات التَّقويميَّة أصيب الموسم العاشورائيُّ بالجمود، واخترقته الأخطاء والتَّجاوزات.

 

فيما تقدَّم تناول الحديث (الوقفة التَّقويميَّة لخطاب المنبر).

كما تناول الحديث شيئًا مِن التَّقويم لِخطاب الموكب، وفي كلمة اللَّيلة تتمَّة مِن خلالها نتابع القراءة لِخطاب الموكب، فإذا كان للمنبر العاشورائيِّ جمهوره الكبير جدًّا، فإنَّ جمهور الموكب لا يقل إنْ لم يتفوَّق على جمهور المنبر. 

 

كلماتٌ موجَّهة إلى خطاب الموكب

وهنا بعضُ كلماتٍ موجَّهة إلى خطاب الموكب: 

(1) مطلوبٌ مِن خطاب الموكب أنْ يكون خطابًا عاشورائيًّا كما تقدَّم.

عاشوراء عقائد، مفاهيم، أخلاق، سُلوك، قضايا حياة، قضايا أوطان، قضايا شعوب. 

هكذا يتَّسع خطاب الموكب.

وحينما نقول يجب أنْ يحتفظ خطاب الموكب بعنوان عاشوراء، لا يعني أنْ يتحجَّم الخطاب في قضايا الفاجعة، وفي قضايا التَّاريخ، لأنَّ عنوان عاشوراء هو عنوان الإسلام، وبحسب ما يتَّسع عنوان الإسلام يتَّسع عنوان عاشوراء.

نعم، أكَّدنَا مِرارًا: يجب الاحتفاظ بعنوان عاشوراء، وشعارات عاشوراء، فهذا العنوان قادر أنْ ينفتح على كلِّ قضايا الحياة، وهذه الشِّعارات قادرة أنْ تقارب كلَّ الأوضاع.

 

(2) مِن أهمِّ مسؤوليَّات هذا الخطاب صناعة الأجيال العاشورائيَّة، في مواجهة كلِّ المشاريع التي تنشط لسرقة أجيالِنا، خاصَّة في هذا العصر بكلِّ تحدِّياته الصَّعبة، فليضع الشُّعراء والرَّواديد حراسة الأجيال هدفًا أساسًا. 

ليس الهدف أنْ يمتلك الرَّواديد حماس الشَّباب، وإنْ كان الحماس له قِيمته الكبرى ولكن حينما يتعبَّأ بالوعي والبصيرة والقِيم والاستقامة. 

فحينما نريد أنْ نقيِّم هذا الرَّادود أو ذاك لا نقيِّمه مِن خلالِ جمهوره، ولا مِن خلالِ الفوران العاطفيّ،

وإنَّما مِن خلالِ ما يُنتجه مِن صناعةِ أجيال عاشوراء. 

إنَّنا في عصرٍ تعبَّأت كلُّ وسائل الفساد، مدعومة مِن قوى كبرى في هذا العالم، ومسنودة مِن قِبلِ أنظمة هنا أو هناك. 

فمسؤوليَّة خطابنا الدِّينيِّ، خطاب المسجد، وخطاب المنبر، وخطاب الموكب أنْ يتصدَّى وبقوَّةٍ لكلِّ المشاريع الضَّالة والفاسقة مهما كانت مواقعها، ومهما كانت قوَّتها.

إذًا قِيمة المنابر، وقِيمة المواكب بمقدار ما تصنع الأجيال، فمنابر لا تصنع أجيالًا هي منابر تحتاج إلى تقويم، ومواكب لا تصنع أجيالًا هي الأخرى في حاجة إلى تقويم. 

إنَّ الكثافة الجماهيريَّة لمنابرنا، لمواكبنا، لمواسمنا العاشورائيَّة تُحمِّل المنابر، والمواكب، وكلَّ الفعَّاليَّات مسؤوليَّات كبرى.

 

(3) كلمة للرَّواديد 

حذارِ حذارِ مِن الانزلاق في الألحان غير المشروعة.

وهنا مطلوب مِن رواديد عاشوراء أنْ يتوفَّروا على رؤية فقهيَّة في تشخيص الألحان المعتمدة في الرَّدَّات العاشورائيَّة، خشية أنْ تقتحم أجواء المواكب أنغام محرَّمة ممَّا يفسد العطاءات الكبرى لمراسيم عاشوراء، أنا لا أشكُّ أنَّ رواديدنا الطَّيِّبين يحملون كلَّ الولاء لعاشوراء، وحريصون كلَّ الحُرص على حراسة كلِّ المراسيم العاشورائيَّة وحمايتها في مواجهة أيِّ شكلٍ مِن أشكالِ الانزلاق، ورُبَّما التبست الرُّؤية عند البعض، هنا الحاجة إلى استفتاء الشَّرع فيما هو جائز وفيما هو غير جائز. 

والحذر كلُّ الحذر مِن الخضوع لمزاجات الشَّارع، فالكثير ممَّا هو دخيل على مراسيم عاشوراء كان مِن إنتاج هذه المزاجات. 

فإذًا مطلوب مِن الشُّعراء الأفاضل أنْ يُخضِعوا مضامين القصائد إلى المعايير الشَّرعيَّة، ومطلوب مِن الرَّواديد الكرام أنْ يُخضِعوا ألحان القصائد إلى الضَّوابط الشَّرعيَّة.

 

صلحٌ وثورة

مَنهجانِ متغايرانِ والهدفُ واحد.

الإمام الحَسنُ (عليه السَّلام) مارس الصُّلحَ دفاعًا عن الإسلام. 

والإمام الحُسينُ (عليه السَّلام) مارس الثَّورةَ دفاعًا عن الإسلام.

وهذا ما أكَّدته كلمة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

«الحَسَنُ وَالحُسَينُ إمامانِ قاما أو قَعَدا». (المجلسي: بحار الأنوار 10/155، (ك: تاريخ الزَّهراء والحسنين (ع)، ب 12: فضائلهما ومناقبهما)، ح 54)

  • والمسألة ليست اجتهادًا واختلافًا في الرَّؤية، فالأئمَّة مِن أهلِ البيت (عليهم السَّلام) لا ينطلقون مِن رؤى اجتهاديَّة وهم الأئمَّة المعصومون.
  • والمسألةُ ليست اختلافًا في القدرات والاستعدادات، فالأئمَّة جميعًا مؤهَّلون بأعلى درجات التَّأهيل.
  • والمسألة ليست مزاجات متغايرة، فهذا يملك مزاجًا سِلميًّا، والآخر يملك مِزاجًا ثوريًّا، فالأئمَّة مِن أهل البيت لا تحكم مواقفهم المزاجات والانفعالات النَّفسيَّة.
  • والمسألة ليست اختلافًا في النَّزعة، فإمامٌ ينزعُ للسُّلطةِ والسِّياسة، وإمامٌ يعزفُ عن السُّلطةِ والسِّياسة، فالأئمَّة لا تحكمهم النَّزعات الذَّاتيَّة.
  • والمسألة ليست تناقضًا في الأسلوب، فالاختلاف في المواقف والأدوار لهُ أسبابُهُ ومبرِّراته.

 

ويبقى السُّؤال: 

لماذا هذا الاختلاف؟ 

لا شكَّ أنَّ لكلِّ مرحلةٍ ظروفها الموضوعيَّة، وهذا يفرض أنَّ تتعدَّد الأساليب والأدوار، الهدف المركزي لجميع الأئمَّة (عليهم السَّلام) واحدٌ وهو (حماية الرِّسالة) و(الدِّفاع عن الدِّين). 

فإذا كان الهدف لا يتحقَّق إلَّا بالمصالحة يُصالح الإمام، كما فعل الإمام الحَسن (عليه السَّلام). 

وإذا الهدف لا يتحقَّق إلَّا بالثَّورة يثور الإمام، كما فعل الامام الحُسين (عليه السَّلام). 

 

وإذا قرأنا أساليبَ بقيَّة الأئمَّة نجدها متنوعة.

فالإمام أمير المؤمنين (عليه السَّلام) مارس نمطين مِن الأدوار:

سالم في مرحلة، وحارب في مرحلة أخرى. 

والإمام زين العابدين (عليه السَّلام) مارس أسلوب الدُّعاء. 

والإمامان الباقر والصَّادق (عليهما السَّلام) مارسا أسلوب العلم والثَّقافة. 

وهكذا بقيَّة الأئمَّة (عليهم السَّلام) لهم أدوارهم المتنوعة وفق ما تفرضه المتغيرات.

ومع التَّعدُّد والتَّنوُّع تكون الأهداف المركزيَّة واحدة. 

فأئمَّتنا يملكون كلَّ القُدرات والكفاءات. 

ويملكون كلَّ الاستعدادات.

فحينما يسالمون ليس لأنَّهم لا يملكون قدرات المواجهة. 

وحينما يواجهون ليس لأنَّهم لا يملكون قدرات المسالمة.

وحينما يكونون حملة دعاء وروحانيَّة. 

وحينما يكونون صُنَّاع عِلم وثقافة. 

ليس لأنَّهم لا يملكون مؤهلات السِّياسة، ومؤهلات الثَّورة.

إنَّما هي المرحلة بكلِّ حيثيَّاتها الموضوعيَّة تفرض أسلوب التَّصدِّي، ونمط الممارسة.

 

هنا سؤال في غاية الأهميَّة، هذا السُّؤال يقول: 

كيف نستحضر عاشوراء في واقعنا المعاصر؟

عاشوراء الإمام الحُسين (عليه السَّلام) تحمل جانبين: 

الجانب الأوَّل: المعركة، المواجهة، التَّحدِّي، الشُّموخ، العنفوان، الصَّلابة، البطولة، الإباء، العِزَّة، الكرامة، التَّضحية، الفِداء، القُوَّة، الثَّبات، الشَّهادة …

 

الجانب الثَّاني: التَّسامح، الرَّحمة، المحبَّة، المُسالمة، الرِّفق، العطف، النُّبل، الفضيلة، الوفاء، الصَّفاء، الإيثار، الولاء، السُّمو، القِيم، العَطاء، الرَّوحانيَّة، الشَّفافيَّة … 

ورغم القِيمة العظمى لكلّ الجانبين، إلَّا أنَّ الاستحضار العاشورائيُّ يجب أنْ يضع في حسابه ضرورات كلِّ مرحلة، وحاجات كلِّ ساحة. 

وهذا ما يحدِّده القَيِّمون مِن الفقهاء والعلماء وحملة الفكر، وليس الأمر متروكًا لمزاجات الشَّارع، فلكلِّ مرحلةٍ خياراتها، وفي ضوءِ هذه الخيارات تتحدَّد الضَّرورات، وتتحدَّد الأساليب.

هناك عناوين يجب أنْ تكون حاضرة في كلِّ مواسم عاشوراء، مهما تعدَّدت الأعصر، ومهما تعدَّدت

الأماكن والأوطان. 

فالعِزَّة والكرامة، والسُّمو والشُّموخ، والتَّضحية والعطاء، والمحبَّة والتَّسامح، والقِيم والفضيلة، والثَّبات والإرادة.

 

هنا خطاب عاشوراء يجب أنْ يكون حاضرًا، يُقارب كلَّ هموم الأوطان والشُّعوب، ووطننا هذا واحدٌ مِن أوطان المسلمين، وشعبنا هذا واحدٌ مِن شعوب المسلمين. 

وهنا بعض هموم حينما يقاربها خطابُ عاشوراء، ليس مِن أجلِ إنتاج توتُّرات، فخطاب هذا الموسم حريصٌ كلَّ الحرص أنْ يزرع الأمن والاستقرار، ويؤسِّس للمحبَّة والتَّسامح، ولا يستقر الوطن إلَّا بمقاربة الأزمات.

فأزمة البطالة كم تربك أوضاع هذا الوطن. 

وزحفُ الوافدين مِن كلِّ الجنسيَّات كم يُعطِّل أعدادًا كبرى مِن مواطنين. 

وازدحام السُّجون يُؤزِّم المسارات، ويحمِّل الدَّولة أعباءً. 

وشكاوى نُزَّالِ السُّجون كم هي في حاجة إلى معالجةٍ جادَّة، مِن أجلِ الحفاظ على كرامة هذا الوطن، وعِزَّة هذا الشَّعب. 

وتيَّارات الشُّذوذ والفُسق والفُجُور تُشكِّلُ كارثة كبرى على الدِّين والقِيم.

 

لكي يبقى الوطن عزيزًا، كريمًا، هانئًا، قويًّا، مطلوب أنْ يتحرَّر مِن كلِّ الأزمات، وهذا ليس عسيرًا متى خلصت النَّوايا، وتقاربت الإرادات. 

لماذا تكبر الأزمات، لماذا تتعقَّد العلاجات، لأنَّ هناك خللًا في التَّعاطي مع هذه الأزمات، يجب أنْ يُعالج هذا الخلل، يجب أنْ تنشط العقول، يجب أنْ تكون هناك حوارات جادَّة وصادقة، ليس مِن أجلِ أنْ ينتصر فريق على الآخر، وإنَّما مِن أجلِ أنْ تنتهي الأزمات. 

مِن أجلِ أنْ تترشَّد المواقف. 

مِن أجلِ أنْ تتقارب القناعات. 

مِن أجلِ بناء الوطن.

مِن أجلِ أنْ ينتصر التَّسامُحُ على الانتقام.

مِن أجلِ أنْ ينتصرَ الحبُّ على العداوات.

مِن أجلِ أنْ ينتصرَ الأمنُ على الرُّعب. 

مِن أجلِ أنْ ينتصرَ الخيرُ على الشَّرِّ.

مِن أجلِ أنْ ينتصرَ التَّقاربُ على التَّباعد. 

مِن أجلِ أنْ ينتصرَ العدلُ على الظُّلم.

إنَّها إرادةُ أنظمةٍ وإرادةُ شعوب، متى تكاملتا كانت الأوطان بخير، وكانت الأوطان في

رفاهٍ، وكانت الأوطان في هناء.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى