أنت الزائر
1725476
يوم الإثنين
4 جمادى الأولى 1439 هـ
صلاة الفجر 5:14
الشروق 6:26
صلاة الظهرين 11:49
الغروب 5:13
صلاة العشائين 5:28
22 يناير 2018
 
 
» حديث الجمعة » شهر ربيع الأول« عدد القراءات: 1379 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
حديث الجمعة 35:الأحوال الشخصية وصيحات التقنين الوضعي -الجزء الثالث
تاريخ: 2003-05-23 م | الموافق: 21ربيع الاول1424 | المناسبة: حديث الجمعة35 | المكان: مسجد الإمام الصادق(ع)بالقفول

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين،


)
لازال حديثنا مستمراً حول (قضية الأحوال الشخصية)، والقضية - أيّها الأحبة - في حاجة إلى مزيد من القول وإلى مزيد من الإيضاح، خاصة والساحة البحرانية تشهد تصعيداً محموماً في الدعوة إلى مشروع التقنين الوضعي لهذه الأحوال الشخصية، وقد استنفر دعاة التقنين الوضعي كل إمكاناتهم الإعلامية في الدفاع عن موقفهم وفي محاولة مستميتة لإقناع الرأي العام البحراني بصحة هذا الموقف.


وفي هذا السياق يستوقفنا (مؤتمر صحفي) عقدته لجنة تسمي نفسها لجنة الأحوال الشخصية ، وقد أثار هذا المؤتمر الصحفي من خلال ما طرحه المؤتمرون أو من خلال ما جاء في المداخلات مجموعة أفكار لنا معها وقفات.
الفكرة الأولى:
لقد حاول المؤتمرون وحاولت المداخلات التأكيد على أنّ الغرض من إستصدار قانون الأحوال الشخصية هو ضمان الإلتزام بتشريعات الإسلام عن طريق بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالعلاقات الأسرية.
ولا أريد أن أعرض الكلمات بما حملته من تأكيدات والتي تعبّر عن محاولة لإقناع الناس بأنَّ قانون الأحوال الشخصية لن يتجاوز أحكام الشريعة الإسلامية، ولن يخرج عن ثوابتها الفقهية، وضمن خصوصيات المذاهب.
ونلاحظ على هذا الكلام:
أوّلاً : إننــّا نرفض أساساً مبدأ الإحالة إلى مجلس النوّاب، لأنّ في هذه الإحالة سابقة خطيرة تجعل أحوالنا الشخصية فيما هي شؤون الزواج والطلاق والوصايا والمواريث والأنساب خاضعة لقناعات أعضاء البرلمان والذين لا يملكون مؤهلات التصدّي لإعطاء الرأي في مسائل الفقه والشريعة والذي هو من إختصاص الفقهاء والمجتهدين، ويوم تصبح الأحكام الشرعية تحت رحمة المداولات البرلمانية بكل حساباتها وأهوائها فالكارثة على الدين وعلى الشريعة وعلى الناس كبيرة وكبيرة جداً، وتجارب المجتمعات الأخرى أكبر شاهد على ذلك، من هنا كان رفضنا الذي لا يقبل المراجعة ولا المساومة في مسألة تحمل الخطورة كل الخطورة حينما يكون البرلمان هو الذي يحدد لنا شرعية الأحكام في زواجنا وطلاقنا وأحوالنا الشخصية.
ويحدد لنا الحلال والحــرام وما يصــح وما لا يصح وما يقبل وما يرفض، وأن يعتمــد رأياً فقهيــاً ويرفض آراء أخرى، وأن يرجح إجتهاداً ويلغي إجتهادات أخرى، إنــّه تدخل جريء في شرع اللّه ممن لا يملكون صلاحيات التدخــل : {قل ءاللّهُ أذن لكُمْ أمْ على اللّه تَفْتـَرون}.
فأساس هذا التخويل مرفوض تماماً حتى لو جاء القانون مطابقاً للشريعة الإسلامية مطابقة كاملة، فالبرلمان المخوّل إذا أعطانا اليوم قانوناً مطابقاً للشريعة، فسوف يأتينا في الغد بقانون مخالِف للشريعة.
ثانياً: كل التطمينات والتأكيدات التي يطلقها دعاة التقنين الوضعي في الحفاظ على أحكام الشريعة الإسلامية ما هي إلاّ كلمات تقال، ما هو الأساس الذي يجعلنا نقبل هذه التطمينات والتأكيدات، إننا لا نريد أن نتهم هؤلاء بالكذب وربّما يكون البعض صادقاً، إلاّ أنّ المسألة - أيّها الأحبة - أنّ هذه الكلمات لا تملك أيّ سند دستوري يوفّر لنا هذا الإطمئنان، وكفانا استغفالاً أن نقبل بالكلمات والتطمينات.


قولوا لنا ما هي الضمانات الدستورية التي تحمي التشريع من أن يتجاوز أحكام الشريعة الإسلامية، وأن يخرج عن ثوابتها؟ فليقل لنا رئيس جمعية المحامين الذي أكدّ في مداخلته أثناء هذا المؤتمر الصحفي «أنَّ المطالبة بقانون الأحوال الشخصية وفقاً للشريعة الإسلامية وليس مخالفاً للشريعة».
قل لنا يا رئيس جمعية المحامين ما هي الضمانات الدستورية التي تفرض إسلامية القانون؟


ربمّا تقول أو يقول الآخرون من دعاة التقنين الوضعي:
إنَّ هناك مادتين دستوريتين تشكّلان ضماناً قوياً لحماية التشريع من أن ينفلت عن أحكام الشريعة الإسلامية، وأن يتجاوز الثوابت الفقهية في الإسلام، وهاتان المادتان الدستوريتان هما:
1- المادة التي تنص أنَّ «دين الدولة الإسلام».
2- المادة التي تنص أنَّ «الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع».
فكيف يمكن الخروج على أحكام الشريعة؟
دعونا نتابع معهم هذا الكلام... إنــَّهم يقولون:
إنَّ المادة الدستورية التي تنص على أن «دين الدولة الإسلام» هي أكبر ضمانة دستورية تحمي التشريعات من الخروج عن أحكام الشريعة الإسلامية.
وهذا ما جاء في كلمة إحدى المحاميات المحاضِرات في المؤتمر الصحفي حيث قالت:
«إنَّ المغالطة المطروحة حالياً هي بُعد القانون عن الشريعة الإسلامية وهذا غير صحيح فهو مستنبط منها لأنّ الدستور البحريني يرفض أيَّ قانون مخاِلف للشريعة الإسلامية».


وهذا أيضاً ما أكدته إحدى العضوات في اللجنة:
إنَّ اللجنة أصدرت البيان رداً على الملابسات الأخيرة التي تمَّ تناولها في الصحف حول إبتعاد القانون عن الشريعة الإسلامية.
الحمدللّه هذه بيِّنة شرعية (رجل وإمرأتان) تشهد لنا بأنَّ القانون سيكون موافقاً للشريعة الإسلامية، ولا أدري هل تكفي هذه البيِّنة أن تقنع شعباً بكامله في قضية تحمل من الخطورة ما تحمل.
لنترك الحديث عن هذه الكلمات والتصريحات فلم تعد تقنع أحداً من أبناء هذا الشعب المسلم، ولنتجه بالنقاش إلى صلاحية مادة (دين الدولة الإسلام) أن تكون ضمانة لحماية التشريع، وأعتقد أنَّ رئيس جمعية المحامين، والمحامية المحترمة هما يعلمان - بصفة تخصصهما القانوني - وقبل الآخرين أنَّ هذه المادة لا تشكل ضمانة دستورية، وإنْ كانت تشكّل ضمانة فقد تمَّ تجاوزها جهاراً شهاراً في مملكتنا الحبيبة البحرين.


لا أريد أن أتحدث عن دولنا العربية والإسلامية التي تملك دساتير، وتتصدر دساتيرها هذه المادة المباركة (دين الدولة الإسلام) وكم تضج هذه الدول بالقوانين الخارجة عن أحكام الإسلام، وكم تضج بالإنتهاكات الصارخة لقيم الدين والواقع أكبر شاهد على ذلك.


ولكن لنبقى مع مملكتنا الحبيبة البحرين، والتي ينص دستورها وميثاقها أنَّ (دين الدولة الإسلام) أو بحسب تعبير المحامية المحترمة أنّ الدستور البحريني يرفض أيَّ قانون مخالف للشريعة الإسلامية.
لنتساءل:
هل أنَّ هذه المادة الدستورية حمت مملكتنا الحبيبة من تشريع القوانين التي تبيح (المعاملات الربوية) وتبيح الكثير من (المعاملات التجارية المحرمة)؟!.. إلاَّ أنه يُقال أنَّ (المساحة التجارية والاقتصادية) مستثناة فلا تخضع لهذه المادة الدستورية.
هل أنَّ هذه المادة استطاعت أن تحمي المملكة من القانون الذي يسمح بـ (فتح أماكن خاصة لبيع الخمور)؟! هذه المسألة أيضاً غير مشمولة للمادة الدستورية؟
هل أنّ المادة الدستورية استطاعت أن تخضع أحكام الجنايات والجرائم إلى الشريعة الإسلامية هذه المساحة خارجة أيضاً عن سلطة المادة المذكورة؟
هل استطاعت المادة الدستورية أن ترفض كل المخالفات للشريعة الإسلامية في مجالات الإعلام والثقافة والتربية والسياسة وبقية مجالات الحياة الاجتماعية؟
هذه المساحات الكبيرة لا يجب أن تخضع للمادة الدستورية التي تحدد هوية الدولة الإسلامية.
ثم نتساءل: هل استطاعت المادة التي تنص أنَّ (دين الدولة الإسلام) أن تحمي مملكتنا الطيبة من (مشروعات الدعارة) و(السياحة المعبئة بألوان الفجور) و(صالات اللهو والعبث بالأخلاق) و(الفنادق التي تمارس فيها المحرمات).. و.. و... إلى آخر الأوضاع الفاسدة التي تسيئ إلى قيم الدين، وأحكام الشريعة؟
أبَعدَ هذا يستطيع أنْ يقنعنا أحد بأن النص المذكور قادر أن يحمي البلد من إختراق القوانين المخالِفة للإسلام وللشريعة.
وأمّا المادة الدستورية الثانية التي تنص على أنّ (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) فهي الأخرى أعجز من أختها المادة الأولى في حماية التشريعات من الخروج عن أحكام الشريعة الإسلامية.
لقد ناضلت (الكتلة الدينية) في المجلس التأسيسي الذي شكّل لوضع (دستور) لهذا البلد بعد الإستقلال، ناضلت في أن تعدل في هذه المادة فعجزت وكان الإصرار من أعضاء الحكومة وأعضاء الكتل الأخرى أن تبقى المادة ضمن الصيغة المذكورة، وهذا الإصرار له دلالته ومعناه.
لقد طالب (الدينيون) في المجلس التأسيسي وهم قلة يومئذٍ، أن تعدل المادة إلى


الصيغة التالية:
«الشريعة الإسلامية مصدر التشريع»
وواضح أنَّ هذه الصيغة صريحة في إعتماد الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع، وفي ضوء هذه الصيغة ينحصر الرجوع إلى الشريعة الإسلامية في كل التشريعات، ولا مجال للرجوع لأيّ مصدر آخر يتنافى مع الشريعة الإسلامية إلاّ إذا هذا التعديل رُفض بقوة من قبل الوزراء - وهم أعضاء في المجلس التأسيسي - ومن قبل كل الكتل الأخرى.
حاول (الإسلاميون) أو (الدينيون) أن يطرحوا تعديلاً آخراً وهو حسب


الصيغة التالية:
«الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع»
هذا النص - حسب دلالته - يمنع الرجوع إلى المصادر الأخرى غير الرئيسية، مادام المصدر الرئيسي - وهو الشريعة الإسلامية - متوفراً على الحكم، فالنص هنا يفترض وجود مصادر غير رئيسية يمكن الرجوع إليها ولكن في طول الرجوع إلى المصدر الرئيسي - الشريعة الإسلامية - لا في عرضه.
وهذا التعديل هو الآخر رفض بقوة، وتمت المصادقة على الصيغة الموجودة بالفعل في الدستور وهي أنَّ (الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع).
كيف نفهم هذا النص؟
هذا النص - وحسب هذا التعبير - يفترض وجود مصادر رئيسية أخرى غير الشريعة الإسلامية، وهذه المصادر تقع في عرض واحد مع الشريعة، فيجوز الرجوع إليها متى إرتأى المشرِّع المدني ذلك، ولا يمنع وجود الحكم في الشريعة الإسلامية من اعتماد أيّ مصدر آخر رئيسي مادام مكافئاً في القوة إلـى الشريعة.
وهكذا يثبت لنا أنه لا توجد أيّ ضمانة دستورية تحمي التشريعات من الانفلات عن إطار الشريعة الإسلامية ولم يبقَ لدينا إلاَّ الكلمات والتصريحات والتطمينات والتي لا يجوز الاكتفاء بها قطعاً، ولا يجوز التعديل عليها.
فنحن نطالب هؤلاء أن يأتوا بدستور يفرض (إسلامية  التشريعات)، وأن يأتوا بأعضاء يملكون (الكفاءة الفقهية) التي تؤهلهم لاتخاذ القرار في هذه المسائل.. وعندها لا مشكلة لدينا.
نتابع الحديث في اللقاء القادم - إن شاء اللّه -


وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: شهر ربيع الأول   |   إلى أعلى ]