قضيَّة سماحةِ آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله، ورعاه) وهنا قضيَّةٌ أجدُ نفسي مضَّطرًا أنْ أكونَ فيها صريحًا كلَّ الصَّراحةِ، وواضحًا كلَّ الوضوح، غيرةً على هذا الوطنِ، وعلى أمنِهِ واستقرارِهِ، وعلى وحدتِهِ، وعلى كلِّ مصالحِهِ.
 
أنت الزائر
1646754
يوم السبت
29 رمضان 1438 هـ
صلاة الفجر 3:23
الشروق 4:46
صلاة الظهرين 11:40
الغروب 6:33
صلاة العشائين 6:48
24 يونيو 2017
 
 
» قضايا المرأة » قضايا المرأة« عدد القراءات: 2301 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
أسية بنت مزاحم مثالا ونموذجا في خط الإيمان
تاريخ: 2002-06-22 م | الموافق: 14جمادى الاول1423 | المناسبة: في ذكرى استشهاد الزهراء(ع) | المكان: مسجد الإمام الصادق(ع)بالقفول

بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وعلى أهل بيته الهداة المعصومين ..


 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : ((إن الله اصطفى على نساء العالمين أربع : آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد )) . 


ولا شك أنّ الزهراء فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله هي المرأة الأولى في تاريخ البشرية، ولذلك استحقت هذه الأوسمة :


·((فاطمة سيدة نساء العالمين)) .


·((فاطمة سيدة نساء المؤمنين)) .


·((فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)) .


الحديث الذي بدأنا به طرح أربعة نماذج نسائية يمثلن أرقى النماذج في تاريخ المرأة، نحاول هنا أن نقف مع هذه النماذج، ونستوحي منها شيئاً من الدروس الإيمانية والروحية والجهادية .


النموذج الأول : آسية بنت مزاحم (زوجة فرعون) :


 حدثنا القرآن الكريم عن هذه المرأة المؤمنة الصامدة في سورة التحريم "الآية (11)" :{ وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فِرعونَ إذ قالت ربِّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجّني من فِرعونَ وعملهِ ونجّني من القوم الظالمين }


 هذا النص القرآني يقدم "آسية بنت مزاحم امرأة فرعون" مثالاً ونموذجاً في خط الإيمان، ليس للنساء فقط، بل للنساء والرجال معاً، فالمرأة في منظور القرآن تملك القدرة أن ترقى إلى مستوى أن تكون المثل والقدوة لكل المسيرة البشرية . من هنا يجب أن تسقط كل المقولات الزائفة الظالمة التي تروّج لها الثقافات المعادية للإسلام والتي تتهم الإسلام بأنه يتعامل مع المرأة بدونية وامتهان, أخبروني في أي مبدأ أو دين أو نظرية قدّمت المرأة نمودجاً أرقى للرجال والنساء, في القرآن فقط جاء هذا التأكيد, مما يعني أنّ المرأة تحظى بموقع متميز جدا في الفهم الإسلامي.


 تحدثنا بعض الروايات أن أسية بنت مزاحم كانت حاضرة حينما جمع فرعون السحرة ليواجه بهم موسى عليه السلام.


جاء موسى عليه السلام بمعجزة العصا التي تحوّلت ثعباناً, واليد البيضاء ((فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين, ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين))


 فعقد فرعون اجتماعا مع مستشاريه لتدارس أمر موسى (( قال للملإِ حوله إنّ هذا لساحرٌ عليم, يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ))


 فماذا أشار عليه مستشاروه ((قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين, يأتوك بكل سحّار عليم)) إن موسى ساحر, وأنت تملك من السحرة ما تسقط به سحر موسى, فاجمع السحرة في مشهد كبير يحضره الناس..


وهكذا عقد الاجتماع (( فجمع السحرة لميقات يوم معلوم,وقيل للناس هل أنتم مجتمعون, لعلّنا نتّبع السحر ان كانوا هم الغالبين)), و ماذا حدث في هذا الملتقى الكبير؟


((فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئنّ لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين))


وبدأ التحدّي النبوي ..((قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون, فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون))  فماذا كان موقف السحرة وهم يشاهدون هذا التحدي الكبير؟


 ((فألقي السحرة ساجدين * قالوا أمنا برب العالمين * ربِّ موسى وهارون )) .


أما فرعون فأصر على الكبرياء والعناد وتهدّد السحرة بأقسى ألوان العذاب ...


(( قال ءامنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فسوف تعلمون ، لأقطعنَّ أيدِيَكم وأرجُلكم من خِلافٍ ولأُصَلِبنَّكمْ أجمعين)) .


 إلا أنّهم وقد تجّلت الهداية الربانية في قلوبهم ، وأبصروا نور الإيمان ، واجهوا تهديدات فرعون بكل إصرار وعنفوان وثبات (( قالوا لا ضَيْرَ إنّا إلى ربِّنا منقلبون)) .


 وكان ممن حضر هذا المشهد " آسية بنت مزاحم امرأة فرعون" فلمّا رأت المعجزة الإلهية أعلنت إيمانها ، وهنا حاول فرعون أن يجعلها أن تتراجع  عن هذا الإيمان ، فنهاها وحذّرها وخوفها ، ولكنّها أبت وأصرّت على الإيمان .


فانتقل معها إلى أسلوب العنف والإرهاب أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد ، وألقاها في الشمس ، ثمَّ أمر أن يلقى عليها صخرة عظيمة، ومارس معها أقسى  أنواع البطش والتعذيب، وكانت في ذروة العذاب تردد بكل هدوء وثقة واطمئنان  (( ربِّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ، ونجني من فرعون وعمله ونّجني من القوم الظالمين )) .


 ما هي الدروس الكبيرة التي يجب أن تتعلمها المرأة المؤمنة من قصة آسية بنت مزاحم .؟


الدرس الأول :


يجب على المرأة المؤمنة أن تعبر بكل شموخ وجرأة عن أصالتها وهويتها وانتمائها إلى خط الإيمان ، كما عبّرت آسية بنت مزاحم ، وأن ترفض كل الانتماءات الأخرى .


وإذا وجدت المرأة التي ألغت انتماءها إلى الدين ، أنَّها مأسورة لنظريات وأيديولوجيات وأفكار بعيدة عن ثقافة الدين ، وأحكام الدين وقيم الدين ، فما هو المبرر الذي يدفع بالمرأة المسلمةِ المنتميةِ إلى الدين أن تبحث عن " وجودها" و" حريتها" و" حقوقها" و" قيمتها" في غير تربتها النظيفة ، في غير أرضها الإيمانية الخصبة ، وفي غير نبعها الإيماني الصافي .


وإذا كانت المرأة المأسورة  لثقافة التغريب قد عاشت الشقاء والبؤس والظمأ والحرمان في ظل سعادة موهومة زائفة ، ومن خلال اللهث وراء سراب خادع ، ولذة كاذبة ، فجدير بالمرأة المسلمة التي تملك الأصالة ، والطهر ، والنقاء والنظافة أن تعبّر عن أصالتها الإيمانية وطهرها الروحي ونقاوتها الأخلاقية، ونظافتها السلوكية من خلال الالتزام العملي بتوجيهات الدين وأحكامه وقيمه ، والرفض لكل ما يتنافى مع هذه التوجيهات والأحكام والقيم .


 الدرس الثاني :


الصمود والثبات على العقيدة أمام الإغراءات والتحديات .


واجهت آسية بنت مزاحم أسلوبين خطيرين من أجل أن تتخلى عن عقيدتها :


 الأسلوب الأول:


أسلوب الإغراءات...


وأيّ إغراء أكبر من " دنيا فرعون " و" قصور فرعون " ، إلاّ أنّها رفضت كل ذلك ، لأنها مشدودة إلى عطاءات الله الكبيرة التي لا تنفذ " ربِّ إبن لي عندك بيتاً في الجنّة " فما قيمة دنيا فرعون أمام جنة " عَرْضُها كعرضِ السماءِ والأرضِ أُعدَّت للذين آمنوا بالله ورُسُله ، ذلك فَضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " الحديد / الآية 21.


" وسارعوا إلى مغفِرةٍ من ربكم وجنّة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين،" آل عمران / الآية 133.


فهل تتعلم النساء ، ويتعلم الرجال ، وتتعلم الشابات ، ويتعلم الشباب ، أنَّ العقيدة أثمن وأكبر من كل إغراءات الدنيا ، فكم هم أؤلئك الذين يضحون بكل الدنيا ، ولذائِذها ومتعها ، وشهواتها ، حينما يكون الخيار بينها وبين العقيدة ؟


 وكم هم أؤلئك الذين باعوا دينهم ، وعقيدتهم من أجل متعة زائلة ، ولذة عابرة ، ومن أجل وظيفة ما هي إلا متاع أيام، ومن أجل حظوة لا تدوم عند حاكم أو سلطان ، أو تاجر أو وجيه ؟.


الإنسان الذي استشعر لذة العقيدة ، ولذة الإيمان ، ولذة حب الله ، لا يمكن أن تبهره كل لذائذ الدنيا .. هكذا يكون الإيمان الصادق وهكذا تكون العقيدة النقية..


 الأسلوب الثاني :


مارس فرعون أقسى ألوان الإرهاب والعنف مع (آسية بنت مزاحم) ،ولكنها كانت الصامدة الثابتة، تحمّلّت كل العناء، والبلاء ،والعذاب، ولم تتنازل عن عقيدتها، ومبدئها، ودينها، كانت تهزأ بكل العذاب، وكانت تهزأ بكبرياء فرعون ،وطغيان فرعون لأنها تحمل في قلبها ((حب الله))، ما قيمة فرعون وجبروت فرعون، وإرهاب فرعون، أمام ((حب الله )) و ((قدرة الله )) و ((عظمة الله )) الأيمان قوة تتحدى كل الطواغيت والجبابرة والمستكبرين ،وتتحدى كل الإرهاب والعنف والطغيان .


 دخلت إمرأة على الحجاج، وكانت هذه المرأة تحمل " الولاء لأمير المؤمنين" تحدّثت مع الحجاج بلغة أغاظته ،ذكّرها الحجاج بأنها تتحدث مع الحجاج وفي مجلس الحجاج، فكيف تتحدث بهذه اللغة، ألا تخشى بطش الحجاج وسطوته ،أجابته هذه المرأة المؤمنة وبكل عنفوان وصمود " إني خفت الله خوفاً صيّرك عندي أحقر من ذبابة "


هكذا يصنع الأيمان الصادق، فهل تتعلم نساؤنا وبناتنا في هذا العصر من موقف آسية بنت مزاحم ومن مواقف المؤمنات الصادقات، مواقف الصمود والثبات، والإصرار على العقيدة والمبدأ والدين والقيم، خاصة وأن المرأة في هذا الزمان تواجه تحديات صعبة وقاسية، تحديات في داخل الأسرة، في الشارع، في المدرسة، في الجامعة، في العمل، في المؤسسات، في كل مكان ،المرأة اليوم تواجه تحديات الثقافة المنحرفة، والإعلام المنحرف، والصحافة المنحرفة، والتعليم المنحرف، والمجتمع المنحرف، والسياسة المنحرفة .. فهل تسقط أمام هذه التحديات ؟ المرأة المؤمنة الصادقة في إيمانها لا تسقط، لا تضعف ، لا تنهزم، مهما كان حجم وضراوة التحديات، لأنها واثقة بعطاء الله، واثقة بنصر الله ..


 الدرس الثالث :


الإنسان المؤمن مشدود النظر دائماً إلى عطاء الله ونعيم الآخرة  " ما عند الله خير وأبقى " .. كانت الدنيا بكل ترفها ولذاتها ومتعها تركع بين يدي آسية بنت مزاحم ، كان بإمكانها أن تغرق في حياة الترف واللذة والمتعة، ولكنها كانت مشدودة إلى نعيم أكبر، وحياة أبقى "ما عند الله خير أبقى"، "ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة" .


لا يعني الارتباط بهم الآخرة، التخّلي عن هموم الدنيا، إنّ همّ الآخرة هو الذي يعطي لهموم الدنيا معناها الأنقى والأطهر والأنظف، إن هم الآخرة هو الذي يصوغ تطلعات الحياة في مسارها الأصوب والأقوم والأسلم .


 إنّ الذي يعيش هموم الدنيا مفصولة عن الآخرة، قد يتوفر له شيء من المتعة الحرام، واللذة الحرام، والشهوة الحرام، إلاّ أنّ عاقبة ذلك الندم والخسران، والشقاء والحرمان، حينما يصب فوق رأسه من عذاب الحميم "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، كالمهل يغلي في البطون، كغلي الحميم، خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم، ثمّ صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم، ذق إنكّ أنت العزيز الكريم، إنّ هذا ما كنتم به تمترون" الدخان : 43-50


 وأما الذي عاش العفة في البطن والفرج ولم تأسره أهواء النفس، وشهواتها المحرمة، وتطلّع إلى الجنة ونعيمها فهو مع المتقين "في مقام أمين، في جناتٍ وعيونٍ، يلبسون من سندس وإستبرقٍ متقابلين كذلك وزوجناهم بحورٍ عينٍ، يدعون فيها بكل فاكهةٍ ءامنين، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم، فضلاً من ربّك ذلك هو الفوز العظيم" .


    اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم اجعلنا من الأبرار المتقين، اللهم اجعلنا في زمرة أوليائك في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر .


وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة على أشرف خلقه محمد وآله الطاهرين ..

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: قضايا المرأة   |   إلى أعلى ]