الشيخ عيسى أحمد قاسم

نص كلمة العلّامة السيد عبدالله الغريفي: اللقاء التضامني مع آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم – مأتم السنابس

نص كلمة سماحة السيد عبدالله الغريفي
اللقاء التضامني مع آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم – مأتم السنابس
24 شهر رمضان 1432هـ‏

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلوات على سيّد الأنبياء والمرسلين محمدٍ وعلى آله الهداة وصحبه المنتجبين…

السَّلام عليكم أيّها الأحبة الأطايب ورحمة الله وبركاته…
منذ وقتٍ ونحن نتابعُ ما تمارسه إحدى الصحفِ المحليةِ المحسوبةِ على السّلطةِ مِن شحنٍ ممنهج، وتعبئةٍ ممركزةٍ في استهدافٍ مكشوفٍ لرمزٍ دينيّ كبيرٍ يمثّلُ قامةً شامخةً في هذه الطائفةِ، ليس على مستوى البحرين فحسب، بلْ على مستوى السّاحةِ الشيعيةِ الواسعةِ، كما يعدّ عنوانًا شاخصًا في أوساطٍ عالميةٍ، ألا وهو سماحة آية الله العالم المجاهد الشيخ عيسى أحمد قاسم حفظه الله ورعاه وسدّد خطاه…
هذا الرمزُ الكبيرُ والعنوانُ الشاخصُ والقامةُ الشّامخةُ يعتبرُ – وفق صحيفة الشحن الممنهج والتعبئة المضادة-:
المحرّضَ الأولَ ضدَّ نظامِ الحكم!!
وَهُوَ العقلُ المؤسّسُ لخيارِ العنفِ في هذا البلد!!
وَهُوَ المهندسُ لمشروعِ حكومةِ ولايةِ الفقيهِ في البحرين!!
وَهُوَ الداعيةُ لتمزيقِ وحدةِ الصّف الوطني!!
وَهُوَ المؤجّجَ للفتنةِ الطائفيةِ!!
وَهُوَ الموَقعُ الذي اختطفَ إرادةَ الطائفيةِ!!
وَهُوَ عنوانُ العَمالةِ لكلِّ مشروعاتِ الخارجِ التي تستهدفُ هذا الوطنَ، وأمنه، وحريّته!!
وَهُوَ.. وَهُوَ.. وَهُوَ..
هذا سيلٌ من الزّيفِ، والهُراءِ، والهذيان، والشنآن، والبهتانِ…
ورغم أنّه لا يحمل قيمةً في ألفاظِهِ وكلماتِهِ إلاّ أنّنا حينما نقرأهُ، نقرأهُ في سياقِ حَراكٍ يُمهّدُ لمشروعٍ أخطر، خاصة ونحنُ نتابع تصعيدًا في وتيرةِ الكلماتِ المطالبةِ بإيقافِ خطابِ الشيخ، والمطالبةِ بمحاسبتِهِ، والمطالبةِ باعتقالهِ، والمطالبةِ بمحاكمتِهِ، و.. و.. و…
لا نفهمها مجردَ كلماتٍ منفلتةٍ، وقد احتضنتها صحيفةٌ محسوبةٌ وموجّهة، وإنّما نفهمها نوايا وهواجسَ، وتوجيهات..
وإلاّ ما كان لها أن تنطلقَ في هذا الفضاءِ المفتوح..
وما كانَ لها أن تجرأ بهذا الصراخ المسعور..
وما كان لها أن تتجرأ لتنالَ مِن رمزٍ دينيّ كبيرٍ، تدركُ السلطةُ كلّ الإدراكِ حجمهُ، وثقلهُ، ومكانَتُه، وموقعهُ، وامتدادَهُ، ومساحتَهُ..
إلاّ أن يكونَ وراءَ الأكمة ما وراءها..
وإلاّ أن يكون هناك ضوء أخضر…
هذا إذا لم تكن الأفكارُ والكلماتُ معدّة في مطابخَ خاصةٍ، ثمَّ تنسبُ لهذا أو ذاك مِن أسماءَ مفروضةٍ قبال ثمن مدفوع…

وجاءتْ الرسالةُ الأخيرةُ الموجّهةُ مِن معالي وزير العدلِ والشؤونِ الإسلاميةِ والأوقافِ إلى سماحةِ آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم لتحتضن بين أسطرها مجموعةَ تُهمٍ:

(1)إثارة الحساسيّاتِ وتوسيع الشقّ بين المسلمين…
(2)تحريض النّاس للخروج على القانون…
(3)التقرير منفردًا مِن فوق منبر رسول الله [صلّى الله عليه وآله] في شأنِ عامة المسلمين..
(4)إطلاق أحكام لطرفٍ أو لآخر بأنّه مظلومٌ أو مستهدَف..
(5)احتكار كلمة الشعب والتحدّث باسمه..
(6)التدخّل في سير المحاكمات..
(7)خطبة الجمعة تزجّ بالشباب نحو العنف والتخريب..
(8)الزجّ بمنبر رسول الله [صلّى الله عليه وآله] واستغلاله في شأن الانتخابات التكميلية وهو أمر غير مقبول على كافة المستويات..
(9)وختم معالي الوزير رسالتَه ناصحًا وموجّهًا ومحذّرًا بقوله: (إنّنا نتوقع بهذه الرسالةِ التي نوجّهها لشخصٍ في مثل موقعكم ومكانتكم أن لا تستمروا في هذا المنهج، وأن تحكمّوا ضميرَ العالِمِ العابدِ الذي يعمل لوحدة المسلمين، ولمّ شملهم، ويقفُ مع بقاءِ الوحدة الوطنية بين كافة أطيافِ المجتمع بكلّ دياناتهِ وطوائفهِ في إطار المواطنةِ الحقّةِ التي تحفظ السلم والأمنَ الأهليّين(

الرسالة تحمل مجموعة دلالات:
الدلالة الأولى:

محاولة لفرض وصاية رسمية على خطاب الجمعة، وخطاب المسجد، ولا زال في الذاكرة القرار الخاص بضوابط الخطاب الديني، والذي أثار ضجّةً في وقته…

الدلالة الثانية:

التهديد المبطّن بإيقافِ خطابِ سماحة الشيخ إذا استمر على هذا النهج…

الدلالة الثالثة:

تجميع أرقام تدين سماحته، وربّما تمهيدًا لخطوات أخرى…

إنّنا مِن خلال هذا اللقاء نؤكّد على ما يلي:
أولاً:
إنّنا نرفض أن يكون خطابُ الجمعةِ خاضعًا لوصاية المؤسّسة الرسمية التي لا تسمح له أن يمارس دوره الشرعي في مقاربة هموم الشعب وقضاياه، وفي محاسبة أخطاء النظام، وفي
المطالبةِ بالإصلاحات السّياسية، لتبقى صلاة الجمعة وهي الصلاة العبادية الاجتماعية السّياسية مدجّنةً لا تمارس حضورًا في قضايا الشعب وهمومه، في أوضاع المسلمين العامة…

ثانيًا:
كلّ التهم الموجّهةِ إلى خطاب سماحةِ الشيخ تهمٌ باطلة، إلاّ إصراره على معالجة قضايا السّاحة، إنّ المتابع المنصفَ لهذا الخطاب يجده:
* خطابَ إصلاحٍ وبناءٍ..
* وخطابَ وحدةٍ وتقاربٍ..
* وخطابَ محبة ووئام..
* وخطابَ حوار وتفاهم..
* وخطابَ تهدئة وأمن واستقرار..
* وخطابَ وعي وحكمةٍ وبصيرة..
* وخطابَ هداية وإرشاد..
* وخطابَ قيم وأخلاق..

إنّ خطاب الجمعة عند سماحته واضح المنهج والهدف، وقد شكّل هذا الخطابُ صمّام أمانٍ لحماية أوضاعِ السّاحةِ من الانفلات، وخَلقَ درجةً كبيرةً مِن الانضباط في الشارع السّياسي..

فمن الظلم أن يُتَّهم خطاب الشيخ بأنّه يحرّض الناس للخروج على القانون…
ومِن الظلمِ أن يُتَّهم هذا الخطاب أنّه يزرع الفرقة والشقاق..

ومِن الظلمِ أن يُتَّهم هذا الخطاب أنّه يدفع الشباب نحو العنف والتخريب…
ومِن الظلمِ أن يُتَّهم هذا الخطاب بأنّه تجاوز مسؤولياته..

ومِن الظلمِ الفاحشِ الفاحشِ أن تقرأ كلمات سماحة الشيخ قراءة معكوسة، ومن أجل أهداف أصبحت واضحةً ومكشوفةً…

فيا لمهزلة الزمن أن يصبح هذا العنوانُ الشامخُ، وداعيةُ المحبةِ والتسامحِ، ورجلُ الحكمةِ والبصيرة، ورمزُ الصلاحِ والتقوى، أن يصبح مُخرّبًا، ومُفسدًا، ومتآمرًا على مصالحِ هذا الوطن، ورجلَ فتنة، وإنسانَ عنفٍ!!!
ألاَ بئست المعاييرُ الزائفةُ المحكومة لغواياتِ السّياسةِ الظالمة…

ألا بئست المعايير المزدوجة التي حوّلت المواقف العادلة حَراكًا ظالمًا…
وصمتت عن مواقف تملك كلّ النزق والطيش…

أين هي الإجراءات الصارمة في مواجهة منابر تجاوزت كلّ الشرعِ والأدبِ والأعراف والقانون؟

أين هي الإجراءاتُ الصادقة في مواجهة منابَر الفتنة، والقذف، والسّب، والتحريض ضدَّ طائفة بكاملها، وضدَّ علمائِها ورموزِها وشعائرِها ومقدّساتِها؟

أين هي الصرامة في دولة المؤسّساتِ والقانون، والتي لن تستثني أحدًا فوق القانون؟

أثبتوا صدقية ذلك في التصدّي إلى خطب الثأر والانتقام…
أثبتوا صدقية ذلك بإسكات أبواق الفتنة…
الأرقام على تجاوزاتِ المنابر الدينية المدعومة من قبل وزارة الشؤون الإسلامية كبيرة وواضحة وفاضحة…
ابدأوا بها لتبرهنوا على مصداقية الموقف…
واطمأنوا، فإنّ منابرنا الدينية لن تتجاوز ضوابط الشرع والدين، ولن تفّرط في حماية أمن الوطن، وسلامة لحمته ووحدته…
هكذا كانت منابرنا، وسوف تبقى…

ثالثًا:
إنّ الإقدام على أيِّ خطوةٍ غير مسؤولةِ تجاه سماحة الشيخ سوف تقودُ إلى نتائج في غاية الخطورة ولن تكون في صالحِ هذا الوطن الذي أرهقته الأزمات فلم يعد قادرًا أن يتحمّل مزيدًا من الارهاقات والعناءات والأزمات…
إنّ هذا العالم المجاهد أصبح عنوانًا دينيًا كبيرًا، ورمزًا سياسيًا بارزًا، وقد تجذّر في الكثير من العقول، وعشقته الكثير من القلوب، وذاب في حبّه جمعٌ كبير، ولن يبخلوا عليه في يوم مِن الأيام بكلّ ما في عروقهم مِن دماء… وحتّى الذين يختلفون معه يحملون كلّ الاحترام والتقدير، ويعترفون له بالورع والتقوى، والعلم والفضل..

فالمساسُ بهذا الطرازِ من الشخصيات، وخاصة إذا كان مساسًا ظالمًا، يشكّل انتحارًا سياسيًا، نحذّر أيّ جهةٍ تحاول أن تتورّط فيه …
إنّ المرحلة الراهنة التي يعيشها الوطن في حاجةٍ إلى مزيد من العقلِ والحكمةِ، وليس إلى مزيدٍ من النزق والطيش ….
هناك مَنْ يدفع إلى هذا الطيش..
وإن كان على حساب دمار الوطن …
هناك مَنْ تسكن في داخله هواجس الانتقام..
هناك مَنْ يتغنّى بعذاباتِ طائفةٍ كبيرة من أبناء هذا الوطن…
هناك مَنْ يرقصُ على أشلاء الضحايا..
ويطربُ لصرخاتِ المعذَّبين في السجون، ولآهاتِ المنكوبين، وعناءاتِ المطاردين…

أما آن لتلك النفوس المسكونة بالأحقادِ والضغائن أن تتطهّر في شهر الطهر والإنابة والخلاص؟
أكرّر القول إنّ المساس بشخصيةٍ في حجم سماحة الشيخ مجازفة خطيرة، وإذا كان في دولة القانون أن لا أحد فوق القانون فهذا جميلٌ جدًا، نؤيّده ونسانده ولكن أيّ قانون هذا؟؟
هل هو القانون العادل الذي يقرّه شرع الله، والقانون العادل الذي تقرّه دساتير الأنظمة الديمقراطية الصالحة…

وأمّا القانون الظالم الذي يعبّر عن مزاجات الحكم ورغباته بمصادرة حرية التعبير، وفي الهيمنة على منابر الدين فهذا مرفوض كلّ الرفض..
ليس قانونًا عادلاً هذا الذي يحاكمني حينما أطالب بحقوقي..
ليس قانونًا عادلاً هذا الذي يحاكمني حينما أتحدّث عن المظلومين..
ليس قانونًا عادلاً هذا الذي يحاكمني حينما أحاسب أخطاء النظام ..

رابعًا:
في ضوء الاستهدافات والإساءات التي تحاول أن تنال من سماحة شيخنا الكبير، فإنّنا ومن خلال هذا اللقاء المبارك نعلن وبكلّ إصرارٍ تضامننا مع سماحة الأب القائد والفقيه المجاهد، كما نؤكّد استنكارنا لأيّ محاولة مساس أو إساءة..

فإنّ المساس به يعتبر مساسًا بالطائفة، وبكلِّ علمائها، وبجميع مكوّناتها وأطيافها.
ومن هنا نثمّن مواقف كلّ الفعاليات الدينية والسّياسية والثقافية، والتي عبّرت عن تضامنها واستنكارها..

كما ونكبر لجماهيرنا الصادقة تفاعلَها، وإصرارها في أن تزحف إلى مصلّى الجمعة في الدراز تعبيرًا عن ولائها للقائد الفقيه الرمز.

خامسًا:
إنّنا نؤكّد أنّ هذا الاستنفار الغاضب لا يهدف إلى افتعال أزماتٍ طائفية، أو إنتاج تأجيجاتٍ سياسية، كما تزعم بعضُ ردود الفعل المستفزّة الظالمة..

إنّ الاستفزازاتِ الظالمةَ لن تجرّنا إلى معتركٍ طائفي، مهما كلّفنا ذلك من ثمن، فالسقوط في المنزلقِ الطائفي أمرٌ مدمّرٌ، ومآلاته أن يحترق هذا الوطن، وأن تُسفك الدماء، وأن تُنتهك الأعراض.

وإذا كان هناك مَنْ يريد لهذا الشعب كلَّ الشرِّ من خلال صراعاتٍ طائفيةٍ طائشةٍ، ومِن خلال معاركَ مذهبيةٍ مجنونةٍ، فلن نسمح لأنفسنا أن نكون وقودًا لنارِ الفتنةِ الطائفيةِ العمياء..

دَعَوْنا، ولا زلنا ندعو إلى المحبّة والتآلف بين مكوّنات هذا الشعب في بلد شهد تاريخًا طويلاً من الأخوة والوئام، فنحن جميعًا أخوةُ دينٍ ووطن، ونحن جميعًا شركاء على هذه الأرض، ونحن جميعًا نتحمّل مسؤولية الإصلاح والبناء..

وإذا كنّا لا نهدف من خلال هذا الاستفزاز افتعال أزمات طائفية، فكذلك لا نهدف إلى إنتاج تأجيجات سياسية، بل الموقف يعبّر عن مواجهة أحد أهم عوامل التأزيم السيّاسي، فالإساءة إلى رموز دينية، واستهداف شعائر ومقدّسات من أخطر المؤجّجات الطائفية والسياسية، فغضبتنا فيها حماية لأوضاع الوطن في مواجهة أسباب التأزيم والتأجيج…

ومن أغرب ما قرأت، كلامٌ يقول: إنّ ردودَنا المنفعلةَ تجاه رسالة وزير العدل والشؤون الإسلامية تعبّر عن محاولة هروب من أزمة عميقةٍ نعيشها بسبب إفلاسنا السيّاسي، وإخفاقنا في تكوين رأي مقاطعٍ للانتخابات التكميلية!!!!

إنّنا لا نفهم العلاقةَ بين الموقفِ الرافض لاستهداف رمزٍ دينيّ كبير، والإفلاس السيّاسي، أو بين هذا الموقف والإخفاقِ في تكوين رأي مقاطعٍ للانتخابات التكميلية…
يبدو أنّ صاحب هذا الكلام هو المصاب بالإفلاس والإخفاق…

وهنا نتساءل:
إنّ القوى المعارضة حينما تبقى محافظة على مبادئِها، ومطالِبها العادلة، وشعاراتِها، ومصداقيتها في زحمةِ كلّ الحصارات والمصادرات لا يمكن أن نصفها بالإفلاس السيّاسي…
وأمّا الإخفاق في مقاطعة الانتخابات، فسوف تكون صناديق الانتخاب هي الحكم…

وفي الختام نرفع أكفّ الضراعة إلى الله مستمطرين رحمتَه، وعفوَه، ولطفه، وعنايتَه، وتسديدَه، ونصرَهُ وتأييدَه، وفيضَهُ وبركاتِه …

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

السيد عبدالله الغريفي
24 شهر رمضان 1432هـ – 24/8/2011 م

للاستماع للكلمة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى