قضيَّة سماحةِ آية الله الشَّيخ عيسى أحمد قاسم (حفظه الله، ورعاه، وحماه من المكاره والأسواء). قضيَّة تضع الوطنَ أمام منعطفٍ صعبٍ جدًّا. فهذا الإنسان يملك موقعًا دينيًّا، وروحيًّا، وعلميًّا، ووطنيًّا متميِّزًا جدًّا، ولا نريد أنْ يكونَ في سجلِّ هذا الوطن ما يُسيئ إلى رمزٍ في هذا المستوى من العلمِ، والفضلِ، والصَّلاح، والطُّهر، والنَّقاء، وله تاريخه النَّظيف في خدمة الدِّين، والوطن.
 
أنت الزائر
1656786
يوم السبت
27 شوال 1438 هـ
صلاة الفجر 3:38
الشروق 4:58
صلاة الظهرين 11:44
الغروب 6:30
صلاة العشائين 6:45
22 يوليو 2017
 
 
» حديث الجمعة » شهر ربيع الثاني« عدد القراءات: 537 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
حديث الجمعة 457: خَطْبٌ كَبِيرٌ! - القرآنُ يؤكّد مسؤوليَّةَ الكلمةِ
تاريخ: 2017-01-19 م | المكان: مسجد الإمام الصادق (ع) بالقفول - البحرين
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلينَ محمَّدٍ وعلى آلِهِ الهُدَاةِ الميامين.

خَطْبٌ كَبِيرٌ!
اسمحُوا لي أيُّها الأحبَّةُ، أنْ يكونَ القَولُ في هذا الحَدَثِ مُقْتَضبًا كُلَّ الاقتضابِ!
فاللِّسانُ يخرسُ، والكلماتُ تَتَعثَّرُ أمامَ خَطْبٍ كبيرٍ، ومُصَابٍ جَلَلٍ.

كوكبةٌ مِن شُبَّانِ هَذَا الوَطَنِ نودِّعُهُم إلى القبورِ بقلوبٍ مَفجُوعةٍ، وعَبَراتٍ مَسْكُوبةٍ، وآهاتٍ وحَسَراتٍ، وصرخات وصيحات، ومشاعر مصدومة، وعواطفَ مألومةٍ، فـ﴿... إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (سورة البقرة: الآية156)، وعَظَّمَ اللهُ أجورَكم، وعند الله نَحتَسِبُهُمْ.

وحينما يكونُ القولُ مقتضبًا، لا تقليلًا مِن قيمةِ الحَدَثِ، فهو في حاجةٍ إلى الكثير مِن الكلام، بما له مِن تداعياتٍ في غايةِ الخطورة، وبما له من منتجاتٍ في غايةِ التَّعقيدِ، وبما له من مآلاتٍ ليستْ في صالحِ هذا الوطنِ.

إنَّني ومنذ بدأتُ الخطابَ في هذا البلدِ، وفي هذا المسجد كانَ خطابًا يؤسِّسُ للمحبَّة، والتَّسامحِ، والتَّآلفِ، والتَّقارب.

وكانَ خطابًا يحاول أنْ يسترجع الثِّقة الغائبة.
وكانَ خِطابًا يجهدُ في إنتاجِ الأمل.
إلَّا أنَّ صَدْمَةً قاسِيَةً في حجم ما حَدَثَ في صبيحة يوم الأحدِ قادرةٌ أنْ تُسْقِط كلَّ مُعَطياتِ هذا الخطابِ الصَّادِر من كلِّ الغَيارى على هذا الوَطنِ.
فلا يعود الخِطابُ قادرًا أنْ يزرعَ حُبًّا، وتسامحًا.
ولا قَادِرًا أنْ يُؤسِّسَ تآلفًا، وتقاربًا.
ولا قَادِرًا أنْ يَستَنهض أملًا، وتفاؤلًا.
ولا قَادِرًا أنْ يبعث تصالحًا، وتفاهمًا.
ولا قَادِرًا أنْ يدفع إصلاحًا، وتغييرًا.
ولا قَادِرًا أنْ يَسْتَنبِتَ ثقةً، واطمئنانًا.

نعم، في أجواء هذه الصَدَماتِ العنيفةِ والقاسيةِ لا مجالَ لإنتاج كلِّ ذلك!

هل يعني ذلك أنَّه قد انتهى دورُ هذا الخطاب؟
السُّلطةُ هي التي تملك أنْ تبقى لهذا الخِطاب دورَه، وهي التي تملك أنْ تنهي هذا الدَّور.
وإذا تمَّ إنهاءُ دورِ هذا الخِطاب، فالبدائل سوف تكون مكلِفةً، ومرهقةً لأوضاعِ هذا الوطنِ.
ووفق كلِّ الحساباتِ، فلن ننزع إطلاقًا إلى لغةِ العنفِ والتَّطرُّف، لأنَّنا لا نؤمن بهذه اللُّغة، وما تؤدِّي إليه من مآلاتٍ مدمِّرةٍ.

وهذا لا يعني أنَّ الكلمةَ سوف تصمتْ، فالمسؤوليَّةُ الشَّرعيَّة والوطنيَّة تفرض على الكلمةِ أنْ تمارسَ دورَها.
وأنْ لا تكون خرساء.
أنْ تكونَ صادقةً، جريئةً، رشيدةً، حاملةً همَّ هذا الوطنِ، مطالبةً بالحقوقِ العادلةِ، رافضةً لكلِّ أشكالِ الفسادِ، مهما كانتْ معطيات الواقع، ومهما كانت التَّحدِّيات، والإرهاقات، والحسابات.
نعم، تلك مسؤوليَّةُ الكلمةِ، وإنْ حاصَرَتْها كلُّ الخَيَاراتِ الصَّعبةِ، وإنْ واجهتْها كلُّ المعوِّقاتِ القاسيةِ.

ربَّما تعبِّر الكلمةُ عن درجةٍ عاليةٍ من القلق، حينما تسودُ (الخَيَاراتُ القاسيةُ)، وليس هكذا تُعالج أوضاعُ الوطن، ولا يؤسِّسُ للعلاقاتِ.

إذا كانت هذه اللُّغة قادرةً أنْ تملك أجسادًا وأبدانًا، فهي غيرُ قادرةٍ أنْ تملك قلوبًا وأرواحًا، وأيُّ قيمةٍ في أنْ تُمْلَك الأجسادُ والأبدانُ ما دامت القلوب والأرواح متمرِّدةً نافرةً؟!
حينما تتأسَّس المفاصلةُ تتأزَّم وتتعقَّد الأوضاعُ والمآلاتُ، ولن يكون هذا مُرهقًا للشُّعوب فقط، بل هو قبل ذلك مرهقٌ للأنظمة، وبالتَّالي تكونُ الأوطانُ هي الضَّحية، فلا يُعدُّ انتصارًا للأنظمةِ حينما تنكسرُ الشُّعوب، وليس فخرًا للأنظمة حينما تعيش الشُّعوب العناءاتِ، والعذاباتِ.
القِيمةُ كلُّ القِيمة أنْ تتعافى الأوطان.

ولا تتعافى الأوطان إلَّا إذا تعافت الشُّعوب.
أنا أعلم أنَّ هناك خطابًا مبتهِجًا وشامتًا بما حدث، إلَّا أنَّ هذا – مهما كانت المُبرِّراتُ والمُسوِّغاتُ - في غايةِ السُّوء، ويدفع في اتِّجاه تأزيم اللُّحْمةِ الوطنيَّةِ، ويستنفر العواطف النَّاقمة، ويؤجِّج المشاعر، ويُحرِّك الضَّغائن، وإذا تقابلت العواطف والمشاعر، واستمرَّتْ الأحقادُ والكراهياتُ تُهَدِّم الوطن، وتمزِّق الشَّعب، ومات الحبُّ، والتَّسامح.


القرآنُ يؤكّد مسؤوليَّةَ الكلمةِ
• نقرأ في (سورة الأعراف: الآية 163) قوله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ...﴾.

إنَّها قريةٌ من قُرى بني إسرائيل، وهي قريةٌ تقعُ على ساحلِ البحرِ، أو قريبة من البحر، ويحتملُ بعضُ المفسِّرين أنَّه البحر الأحمر المجاور لفلسطين.

كان أصحاب هذه القريةِ يتعاطون مِهنةَ صيدِ الأسماكِ، وهذه المهنةُ هي مصدرُ كسبِهم، وتغذيتِهم.

وقد طلبوا أنْ يُجعلَ لهُمْ يوم راحةٍ يتَّخذونه للعبادةِ، ولا يشتغلون فيه بشؤونِ المعاشِ.
فجعل لهم (السَّبت) يومَ عطلةٍ، وعبادةٍ، وحُرِّم عليهم الصَّيدُ في هذا اليوم!
فأراد الله سبحانه أنْ يضع أصحابَ هذهِ القريةِ أمام ابتلاءٍ وامتحانٍ، كون اليهود اعتادوا على الفسقِ، والعصيانِ، والتَّمرُّدِ على أوامِر اللهِ تعالى.

ماذا كان أسلوبُ الابتلاء والامتحان؟
• ﴿... إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (سورة الأعراف: الآية163).

هكذا قدَّر اللهُ سبحانَهُ أنْ تتواجدُ الأسماكُ بكثافةٍ في يوم السَّبت فقط، اليوم المحرَّم فيه الصَّيد، وأمَّا بقيَّة الأيَّامِ فتختفي الأسماكُ تمامًا، هذا هو الابتلاءُ والامتحانُ.
ماذا كان موقفُهم من هذا الابتلاء والامتحان؟

انقسموا إلى ثلاث طوائف:
الطَّائفة الأولى: المتمرِّدة على الأمر الإلهيِّ
وتشكِّل الأكثريَّة.
هذه الطَّائفة تمرَّدتْ على الأمر الإلهيِّ، ومارستْ الصَّيد في يوم السَّبت.
• قال الله تعالى متحدِّثًا عن هذه الطَّائفة: ﴿... إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ...﴾ (سورة الأعراف: الآية163).
وهؤلاء مارسوا التَّمرُّد من خلال أسلوبين:
الأسلوب الأوَّل: الصَّيد في يوم السَّبت.
الأسلوب الثَّاني: احتال بعضُهم على التَّكليف - كما هي عادة اليهود -، فكان هذا البعضُ يقيم الحواجزَ، والحظائِرَ في يوم السَّبت، فتدخلها الأسماك، حتَّى إذا جاء يوم الأحد سارع، فجمع الأسماكَ، وقال: إنَّه لم يصطد في يوم السَّبت!
وما أكثر الذين يحتالون على النُّصوص، والقوانين.


الطَّائفة الثَّانية: الامتناع عن الصَّيد والتَّصدِّي للطَّائفة الأولى
وتشكِّلُ الأقلِّيَّة.
هذه الطَّائفة مارستْ عَمَلَيْن:
العمل الأوَّل: امتثلتْ لأمر الله تعالى، فامتنعت عن الصَّيد في يوم السَّبت.
العمل الثَّاني: مارست دور التَّصدِّي للطَّائفة الأولى المتمرِّدة على أوامر الله تعالى.


الطَّائفةُ الثَّالثةُ: الامتثال، والصَّمت، التَّثبيط
وتشكِّلُ – أيضًا - أقلِّيَّة.
هذه الطَّائفة مارست ثلاثة أعمال:
العمل الأوَّل: لم تتمرَّد على الأمر الإلهيِّ كما الطَّائفة الأولى.
العمل الثَّاني: مارستْ الصَّمت تجاه الطَّائفة الأولى المتمرِّدة.
العمل الثَّالث: مارست دور التَّثبيط للطَّائفة الثَّانية المتحرِّكة في مواجهة الطَّائفة الأولى.
• ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ ...﴾ (سورة الأعراف: الآية164)، وهم الطَّائفة الثَّالثة المخدِّرة والمثبِّطة.
• ﴿... لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ...﴾ (سورة الأعراف: الآية164)
هذه هي التي اعتمدوها في التَّخدير: ما جدوى العمل؟!
ما قِيمة الموعظة مع هؤلاء الطَّائشين المتمرِّدين؟!
اتركوهم، اسكتوا عنهم، فالله سبحانه سوف يتكفَّل بعذابهم!!
ماذا كان جواب الطَّائفة الثَّانية؟
• ﴿... قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (سورة الأعراف: الآية164).

هنا يطرح ُهؤلاءِ سببين أساسين لإصرارهم على ممارسة دورِهم في الإصلاح:
السَّببُ الأوَّلُ: ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾
إنَّها المسؤوليَّة الشَّرعيَّة التي تفرض على المؤمنين أنْ يمارسُوا دورَهُمْ في الإصلاحِ، ومواجهة الواقعِ الفاسدِ مهما كانتْ الصُّعوبات، والتَّحدِّيات، ومهما كانت التَّضحيات بشرط أنْ تكونَ الأساليبُ والأدواتُ مدروسةً، ورشيدةً، وخاضعةً للضَّوابطِ والمعايير الشَّرعيَّة من دونِ انفلاتٍ ونزوعٍ نحو العنفِ، والتَّطرُّفِ.

السَّببُ الثَّاني: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
أصحابُ الأهدافِ الرِّساليَّةِ الكبيرةِ لا ييأسون مهما كانت التَّحدِّياتُ، والمُعوِّقاتُ، والصُّعُوباتُ.
الَّذين يتراجعون، يتوقون، يسقطون هم مَنْ يحملون إيمانًا ضعيفًا، مهزوزًا.
هم مَنْ لا يملكون رُشدًا، وبصيرة.

هم مَنْ ارتبطوا بأهداف الأرضِ، ولم يرتبطوا بأهدافِ السَّماء.
نستمرُّ في قراءة المقطع القرآنيِّ من سورة الأعراف.
ثمَّ تحدَّث هذا المقطع عن نزول العذاب الإلهيِّ على تلك القرية.

مَنْ هم النَّاجون من العذاب؟
﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوء ...ِ﴾ (سورة الأعراف: الآية165).
يظهر من هذا المقطع القرآنيِّ أنَّ الذين نجوا هم فقط (الطَّائفة الثَّانية)، وهم الذين التزموا الأمر الإلهيَّ، ومارسوا التَّصدِّي للمتمرِّدين.

وأمَّا الطَّائفة الأولى وهم المتمرِّدون، والطَّائفة الثَّالثة وهم الصَّامتون المخدِّرون، فكانوا من الهالكين الذين أصابهم العقاب الإلهيُّ.

ويظهر من خلال سياق النَّصِّ أنَّ الطَّائفة الثَّالثة كان عقابها الهلاك.
وأمَّا الطَّائفة الأولى، فنزلت بها عقوبتان: المسخ، والهلاك!
• ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (سورة الأعراف: الآية166).
مُسِخُوا قِردَةً!!

وأكثرُ المفسِّرين فهموا (المسخ) حسبما هو معناه الظَّاهريُّ، أنَّهم فِعلًا تحوَّلوا قِردَةً، وبعد ذلك أُهْلِكُوا.

وقِلَّةٌ من المفسِّرين قالوا: إنَّ المسخ – هنا - كان (مَسْخًا روحيًّا) بمعنى أنَّ طباعَهم تحوَّلتْ إلى طباع القِرَدَةِ والخنازير، كما هو شأن الكثير من الأشرار، والفجَّار.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: شهر ربيع الثاني   |   إلى أعلى ]