أنت الزائر
1725509
يوم الإثنين
4 جمادى الأولى 1439 هـ
صلاة الفجر 5:14
الشروق 6:26
صلاة الظهرين 11:49
الغروب 5:13
صلاة العشائين 5:28
22 يناير 2018
 
 
» حديث الجمعة » شهر ربيع الأول« عدد القراءات: 365 »

نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
حديث الجمعة 453: التَّقاربُ السُّنيُّ الشِّيعيُّ هو خَيَارُ الأوطانِ
تاريخ: 2016-12-22 م
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين محمَّدٍ وعلى آلِهِ الهُداةِ الميامين.

التَّقاربُ السُّنيُّ الشِّيعيُّ هو خَيَارُ الأوطانِ
في زحمةِ التَّحدِّياتِ الصَّعبةِ الَّتي تواجِهُ أُمَّتنا، وتواجِهُ وِحدَتَنَا تأتي القِيمةُ الكبيرةُ لِدعَوَاتِ التَّقارُبِ والتَّآلفِ بين المسلمين، ولدعواتِ المحبَّةِ والتَّسامُحِ بين المذاهب.
وفي مَرْحَلةٍ أصبحتْ مشروعاتُ التَّجزئةِ، والتَّشظِّي، والشَّتاتِ بكلِّ صياغاتِها هي (الخَيارُ) الَّذي تُصِرُّ عليه القُوى المعاديةُ لهذِه الأُمَّة في هذِهِ المرحلةِ المُثقلةِ بالتَّحدِّياتِ، والمؤامراتِ يجب أنْ تكونَ (مشروعاتُ التَّقارب) هي الخَياراتُ التي يجب أنْ تتبنَّاها أوطانُنا وشُعوبُنا، وحينما نقول: (تتبناها الأوطان والشُّعوب) ليس شعارًا فقط، وإنَّما (مشروعات جادَّة، وصادقة)، و(ممارسات متحرِّكة).
هل اتَّفقنا كمسلمين سُنَّةً وشيعةً، وبكلِّ انتماءاتِنا في هذا الوطنِ، أو ذاك على (خَيَار الوَحدةِ والتَّقارب)؟
وإذا اتَّفقنا على هذا الخَيارِ، فهل حولناه واقعًا مُتحرِّكًا في حياتنا؟
دعونا نقومُ بقراءةٍ موضوعيَّةٍ لواقعِ السَّاحةِ الإسلاميَّة بكلِّ مذاهبِها، وطوائفِها، وانتماءاتِها؛ لنرى كم هي (الرُّؤى، والقناعاتُ، والمواقف) من خَيَار الوحدةِ والتَّقارب.
وكم هي الممارساتُ الجادَّةُ الصَّادقةُ في تحريكِ وتفعيل هذا الخَيار؟
من خلالِ هذه القراءةِ يمكن أنْ نكتشِفَ مجموعةَ مواقفَ متباينةٍ، ومتخالفةٍ، ومتعارضةٍ أنتجتها رُؤى وقناعاتٌ متعدِّدةٌ.
وأشير – هنا، وفي عُجَالةٍ - إلى نماذج من هذه المواقف.
الموقف الأوَّل: الموقفُ المتشدِّدُ المتعصِّب
هذا الموقفُ يرفضُ بشدَّة أيَّ شكلٍ مِن أشكالِ التَّقارب بين المذاهب، والطَّوائف.
هذا الموقف يعتمد (رؤية التَّكفير للآخر)، فكيف يتقارب مع الآخر الَّذي يراه خارج دائرة الإسلام؟!
إنَّه موقف كلَّفَ المسلمين بكلِّ انتماءاتهم أثمانًا باهظةً من معاركَ وحروبٍ، وصراعاتٍ وفتنًا عمياء أراقت دماءً، وأزهقت أرواحًا، وهتكت أعراضًا، ودمَّرت أوطانًا، ومزَّقت شعوبًا.
إنَّ العقلاءَ المخلصين الواعين من كلِّ المذاهب وقفوا موقفًا رافضًا من هذا الخَيارِ، لماذا؟
أوَّلًا: لأنَّه خيارٌ لا يرتكز على أسُسٍ قرآنيَّةٍ، وفقهيَّةٍ، وعقليَّةٍ، وعلميَّةٍ، وموضوعيَّةٍ.
وإنَّما هو موقفٌ متشدِّدٌ منغلقٌ، ومُفرطٌ في التَّعصُّب، وإلغاءِ الآخرِ، ومصادرته.
ثانيًا: ولأنَّه يُشكِّل أحد أقوى مُنتجاتِ التَّطرُّفِ، والعنفِ، والإرهابِ في مجتمعات المسلمين.
ثالثًا: ولأنَّه أصبح أداةً بيد القوى الاستكباريَّة المعادية لتطلُّعاتِ شعوبِنا العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، فمصالح هذه القوى تتصادم دائمًا مع تطلُّعاتِ الشُّعوب الباحثةِ عن الحرِّيَّة والكرامةِ والعدالةِ؛ لذا تتَّجه السِّياساتُ الاستكباريَّةُ إلى إضعافِ الشُّعوب، معتمدة شتَّى الأساليب، ومن أهمِّها تغذيةِ الصِّراعات، والخلافات الطَّائفيَّة والمذهبيَّة؛ لكي تبقى الشُّعوب مَسلُوبةَ الإرادةِ، مُوزَّعةَ الانتماء، مُشَتَّتة المواقف، مشغولةً بصراعاتِها، وخلافاتِها، ومعارِكها.
ويجب أنْ لا ننسى مواقعَ أخرى متعدِّدة مارست دورًا كبيرًا في تأجيج الفتن الطَّائفيَّة، وتغذية الصِّراعاتِ المذهبيَّة، وينتظم ضمن هذه المواقع مواقعُ حكمٍ، ومواقعُ دينٍ، ومواقعُ ثقافةٍ، ومواقعُ إعلامٍ، ومواقعُ سياسةٍ، هذه المواقعُ المأسورةُ لعصَّبياتٍ عمياءَ، ممَّا صنع منها أدواتٍ؛ لإنجاحِ مشروعاتِ التَّفتيتِ الطَّائفيِّ التي أنتجتها مطابخُ الاستكبار العالميِّ، وسوَّقَتها قُوى محلِّيَّةٍ عميلَةٍ.
الموقِفُ الثَّانيُّ: الموقِفُ المُتحفِّظُ جِدًّا مِن مسألةِ التَّقاربِ بين المذاهب
لا ينطلقُ هذا الموقفُ من عصبيَّةٍ، وتشدُّدٍ وتطرّفٍ – كما هو الموقفُ الأوَّلُ -.
وإنَّما ينطلقُ من فَهمٍ مُلْتَبسٍ خاطِئٍ يرى أنَّ التَّقاربَ السُّنِّيَّ الشِّيعيَّ يُشكِّلُ إلغاءً للانتماء المذهبيِّ، فالسُّنِّيُّ يخشى أنْ يفقد هُويَّتَهُ المذهبيَّةَ حينما يتوحَّدُ، أو يتقاربُ مع الشِّيعيِّ، وكذلك الشِّيعيُّ يخشى أنْ يَفقِدَ هُويَّتَهُ المذهبيَّةَ حينما يتوحَّدَ، أو يتقاربَ مع السُّنِّيِّ.
وهذا الموقفُ – والذي أنتجه فهمٌ ملتبسٌ خاطئٌ - موقفٌ مرفوضٌ، وذلك للأسباب التَّالية:
السَّببُ الأوَّلُ: إنَّ مشروعاتِ الوَحدةِ والتَّقاربِ بين المذاهبِ لا تفرضُ أبدًا (التَّخلِّي عن الانتماءِ المذهبيِّ)، ولا تفرضُ إلغاءَ القناعات في تبنِّي هذا المذَّهبِ أو ذاك المذَّهبِ.
وإنَّما هي (تفعيلٌ عمليٌّ للقواسمِ المشتركةِ الكبيرةِ جدًّا بين المسلمين)، وتجسيدٌ لخطابِ الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ...﴾ (سورة آل عمران: الآية103).
ولخطابه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء: الآية92).
ولخطابه تعالى: ﴿... وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ...﴾ (سورة الأنفال: الآية46).
كما هي تفعيل للمواقفِ المشتركةِ في قضايا الأُمَّةِ المصيريَّةِ، كقضيَّة فلسطين، والموقف من الاستكبار العالميِّ، والموقف من الظُّلمِ والاستبداد، والموقف مِن قضايا الشُّعوب، والمواقف من مصالح الأوطان.
السَّببُ الثَّاني: إنَّ التَّنوُّعَ المذهبيَّ لا يُشكِّلُ عُقدةً أمامَ مشروعاتِ الوُحدةِ والتَّقارب؛ فالرُّؤى المذهبيَّةُ، والثَّقافيَّةُ، والسِّياسيَّةُ المتعدِّدةُ لا تمثلُّ (مكوِّناتِ تناقضٍ وتنافٍ) إلَّا إذا عاشت هذه الرُّؤى المتعدِّدةُ حالاتِ الإنسجانِ، والانغلاقِ على الذَّات، وحالاتِ النَّفي والمطلق للآخر، وإلَّا إذَا تحوَّل هذا التَّنوُّعُ إلى تعصُّبٍ، وتشدُّدٍ، وتطرُّفٍ، ممَّا ينتج خلافاتٍ، وصراعاتٍ، وصداماتٍ، ومواجهاتٍ.
إنَّ الخطابَ العاقل المنفتح قادِرٌ أنْ يُحوِّلَ الكثيرَ من نُقاطِ الاختلافِ في مجالاتِ الفكرِ والفقِهِ والسِّياسةِ إلى (منتجاتٍ فاعلةٍ) للتَّقاربِ والتَّآلفِ، وإلى (صياغاتٍ عمليَّةٍ متحرِّكةٍ) تغني الواقعَ بخياراتٍ متعدِّدةٍ، وتنشِّط آفاقَ الحوار في مجالاتِ الدِّين والثَّقافةِ والسِّياسةِ، وتدفعُ إلى المزيدِ من الحركيَّةِ والتَّجديدِ والإبداع، والشَّفافيةِ والمرونةِ والانفتاح.
الموقفُ الثَّالثُ: المَوقفُ اليائسُ من مشروعاتِ التَّقارب بين المذاهب والمكوِّنات
هذا الموقف مُثقلٌ باليأس، والتَّشاؤم، والإحباطِ، والهزيمة!
ليستْ المسألةُ تَعصُّبًا وانغلاقًا وتطرُّفًا كما هو الحال في الموقف الأوَّل.
وليستْ المسألةُ فهمًا مُلتبسًا خطأً كما هو الحالُ في الموقفِ الثَّاني.
وإنَّما هو الشُّعورُ النَّفسيُّ الضَّاغِطُ والذي أنتجه تاريخٌ من التَّجارب الفاشلة – حسب ما يدَّعي أصحابُ هذا الموقفِ - يقولُ هؤلاء: إنَّ كلَّ الجهودِ والمحاولاتِ والتَّجارب التَّاريخيَّة؛ لإيجادِ صيغٍ للتَّوحُّدِ والتَّقارب بين المذاهب قد فشلتْ، ممَّا أوجد قناعةً لدى الكثيرين من أتباع المذاهب أنَّ هذه الدَّعواتِ طوبائيَّةٌ خياليَّة لا يمكن أنْ تتحقَّق على أرضِ الواقع، نظرًا لوجود عددٍ كبير من الإشكالاتِ والمعوِّقاتِ النَّفسيَّةِ، والفكريَّةِ، والتَّاريخيَّة، والاجتماعيَّةِ، والسِّياسيَّةِ.
وهكذا تكرَّسَ لدى أصحابِ هذا الموقفِ إحساساتٌ منقبضةٌ تجاه أيِّ دعوة للوحدةِ والتَّقارب؛ كون هذه الدَّعوة مضيعةٌ للجهدِ والوقتِ، وتكرارٌ لتجاربَ ليس مكتوبًا لها النَّجاح.
وإذا سألتَ أحدَ أصحابِ هذا الموقف عن التَّعصُّب المذهبيِّ، وجدتَهُ يمقته كلَّ المقت!
وإذا سألته عن خطر الفرقة، والخلافِ، والصراع وجدتَهُ يؤكِّد بكلِّ قناعة ذلك الخطر.
وإذا سألتَهُ عن ضرورة الوحدةِ والتَّقارب وجدتَهُ مؤمنًا كلَّ الإيمان بتلك الضَّرورةِ.
إلَّا أنَّه يبقى مأسورًا لعُقدةِ اليأسِ الإحباط، فتسمعه يُردِّد: لا جدوى، لا فائدة، كلُّ المحاولاتِ السَّابقةِ فشلتْ، فلماذا نكرِّر تجاربَ فاشلةً، ومشروعاتٍ خياليَّةً طوبائيَّةً، محكومةً لمجموعةِ معوِّقاتٍ وإشكالاتٍ متجذِّرة في تاريخ المسلمين؟!
لا يعني أنَّ هؤلاءِ دعاةُ صراعٍ طائفيٍّ، وإنَّما يدعونَ إلى المحبَّةِ، والتَّسامحِ، والتَّآلف بلا حاجة إلى مشروعاتٍ متكلَّفةٍ لا تدفع إلَّا إلى التَّعقيد، والخلاف.
لنا بعضُ ملاحظات على هذا الموقف:
الملاحظةُ الأولى: ليس صحيحًا إطلاقُ القولِ: بأنَّ جميعَ دعوات التَّقارب والوحدة بين المذاهب قد فشلت، هذا قولٌ مجانب للصَّواب.
فتجربة (دار التَّقريب بين المذاهب في القاهرة) والتي تأسست في الخمسيناتِ – حسبما أتذكَّر – وقد احتضنتْ نخبةً من كبار علماءِ المسلمين السُّنَّة والشِّيعة، وكان لها إسهامات كبيرة في مواجهة التَّوتُّراتِ، والصَّراعاتِ الطَّائفيَّة والمذهبيَّة من خلال إصداراتها ومنشوراتها، والتي احتضنت أبحاثًا ودراسات راقية جدًّا كتبت بأقلام فقهاء ومفكِّرين من السُّنَّة والشِّيعة.
إنَّها تجربة ناجحةٌ كلّ النَّجاح، ولو قدر لهذا المشروع الرَّائد أنْ يستمرَّ لأغنى الواقع الإسلاميَّ بمعطياتٍ كبيرة جدًّا، إلَّا أنَّ أغراض السِّياسة التي لا تريد للمسلمين أنْ يتوحَّدُوا أجهزت على هذا المشروع وأَقْبَرَته، وحرمت الأمَّة من بركاتِه، وفيوضاته.
وهناك تجارب أخرى لا زالت قائمة كتجربة (المجمع العالمي للتَّقريب بين المذاهب)، وقد حقَّقت نجاحات، حيث استطاعتْ أنْ تقارب بين العلماء والمفكِّرين، والمثقَّفين من مختلف المذاهب الإسلاميَّة.
وكتجربة (علماء المسلمين في لبنان)، وهي تجربة شاخصة تؤكِّد إمكانيَّة أنْ يجتمع علماء المذاهب الإسلاميَّة في مواجهة قضايا العصر وتحدِّياته، وهي قضايا محوريَّةٌ تشكِّلُ نقاطَ استقطاب لحركة الأمَّةِ بكلِّ انتماءاتِها، وتوجُّهاتها، وتياراتها.
وكم نتمنَّى أنْ تبرز تجارب جديدة من كلِّ أوطاننا، فما أحوج الأوطان إلى مشروعات الوحدة والتَّقارب، والمحبَّة، والتَّسامح في هذا الزَّمن البئيس المشحون بالأحقاد، والعداوات، والتَّناقضات، والمأزوم بشتَّى ألوان الخلافات، والصِّراعات.
الملاحظة الثَّانية: لو سلَّمنا – جَدَلًا - أنَّ كلَّ تجاربَ الوحدة والتَّقارب بين المذاهب، والتي انطلقت في السَّابقِ كانت فاشلةً، فهذا لا يبرِّر إطلاقًا أنْ تتجمَّدَ التَّجاربُ والمحاولاتُ الجديدة، فلا يأس مع الإيمانِ، فمهما واجَهَ السَّائرون في درب البناء، والإصلاح، والتَّغيير من صعوباتٍ ومعوِّقاتٍ، وتحدِّياتٍ، فإنَّ هذا لا يبرِّرُ أنْ يهتزَّ في داخلهم الثَّباتُ، والإصرارُ، والاستمرار مادامت قلوبهم يملأها حبُّ اللهِ تعالى، والثِّقة بتأييدِهِ.
الملاحظة الثَّالثة: وإذا كانَ هناك تاريخ من الصِّراعِ المذهبيِّ، فإنَّ هناك تاريخًا طويلًا من التَّعايش بين المذاهب، فلماذا يغيب هذا التَّاريخُ المملوءُ بالمحبَّة، والتَّسامح؛ لتبقى الصُّورة السَّوداءُ جاثمةً في العقولِ، والقلوبِ.
فلا مُبرر أنْ يحكمنا اليأسُ في مواجهة مشروعاتِ التَّجزئةِ، والتَفتيت، والتي يُغذِّيها دائمًا أعداءُ هذه الأمَّةِ، والعابثون بمصالحها، والمتطرِّفون، والجهلاءُ من أبنائها.
فإنْ كان في وطننا الحبيب – البحرين - بعض استنفاراتٍ طائفيَّةٍ ومذهبيَّةٍ، فهي لا تعبِّر عن أصالةِ هذا الشَّعب الذي جسَّد تاريخًا من التَّعايش المذهبيِّ، وتاريخًا من الأُخوَّةِ، والمحبَّةِ، والتَّسامحِ.
إنَّ هذه الاستنفاراتِ إنتاجٌ مشبوهٌ أراد أنْ يصنع واقعًا مُزَوَّرًا يسيئ إلى سمعةِ هذا الوطن، فليس من أبناءِ هذا الشَّعبِ الشُّرفاءِ سُنَّةً وشيعةً مَنْ يتسقَّط في هذا المنحدرِ الطَّائفيِّ، ويستجيبُ لخطاباتِ الشَّحنِ المسكونةِ بالكراهيةِ، والانتقامِ.
فتاريخ المحبَّةِ، والتَّآلفِ أكبر من كلِّ محاولاتِ التَّأزيمِ، والتَّفتيت.
أنا لا أشكُّ أنَّ هناك مَنْ يَضيقُ بحديث الوحدة، والتَّقارب – وهذا استثناء في هذا الوطن -، ولماذا يضيق؟، لأنَّ هذا الفريقَ من النَّاسِ تشكَّلتْ مصالحُهُ من خلال الفتن، والخلافاتِ والصِّراعات، وما أسوأها من مصالح تقتات على آلام وويلات ومعاناة الآخرين!
هؤلاء ليسوا أسوياء، ولا يملكون ضمائر، وإلَّا لما أَسَّسُوا وجودَهم، وبقاءهم، وراحتَهم، وسعادتهم على عذابات الشُّعوب، وعلى المعتركات بين الطَّوائفِ، والمذاهبِ، والمكوِّنات.
نعم، أقول: إنَّ هذا الفصيل من النَّاسِ المسكونِ بالكراهية، والأحقاد، والضَّغائن هو استثناء في وطنٍ ما عرف أبناؤه إلَّا بالمحبَّة، والأُخوَّة، والتَّصافي.
وبسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين محمَّدٍ وعلى آلِهِ الهُداةِ الميامين.
التَّقاربُ السُّنيُّ الشِّيعيُّ هو خَيَارُ الأوطانِ
في زحمةِ التَّحدِّياتِ الصَّعبةِ الَّتي تواجِهُ أُمَّتنا، وتواجِهُ وِحدَتَنَا تأتي القِيمةُ الكبيرةُ لِدعَوَاتِ التَّقارُبِ والتَّآلفِ بين المسلمين، ولدعواتِ المحبَّةِ والتَّسامُحِ بين المذاهب.
وفي مَرْحَلةٍ أصبحتْ مشروعاتُ التَّجزئةِ، والتَّشظِّي، والشَّتاتِ بكلِّ صياغاتِها هي (الخَيارُ) الَّذي تُصِرُّ عليه القُوى المعاديةُ لهذِه الأُمَّة في هذِهِ المرحلةِ المُثقلةِ بالتَّحدِّياتِ، والمؤامراتِ يجب أنْ تكونَ (مشروعاتُ التَّقارب) هي الخَياراتُ التي يجب أنْ تتبنَّاها أوطانُنا وشُعوبُنا، وحينما نقول: (تتبناها الأوطان والشُّعوب) ليس شعارًا فقط، وإنَّما (مشروعات جادَّة، وصادقة)، و(ممارسات متحرِّكة).
هل اتَّفقنا كمسلمين سُنَّةً وشيعةً، وبكلِّ انتماءاتِنا في هذا الوطنِ، أو ذاك على (خَيَار الوَحدةِ والتَّقارب)؟
وإذا اتَّفقنا على هذا الخَيارِ، فهل حولناه واقعًا مُتحرِّكًا في حياتنا؟
دعونا نقومُ بقراءةٍ موضوعيَّةٍ لواقعِ السَّاحةِ الإسلاميَّة بكلِّ مذاهبِها، وطوائفِها، وانتماءاتِها؛ لنرى كم هي (الرُّؤى، والقناعاتُ، والمواقف) من خَيَار الوحدةِ والتَّقارب.
وكم هي الممارساتُ الجادَّةُ الصَّادقةُ في تحريكِ وتفعيل هذا الخَيار؟
من خلالِ هذه القراءةِ يمكن أنْ نكتشِفَ مجموعةَ مواقفَ متباينةٍ، ومتخالفةٍ، ومتعارضةٍ أنتجتها رُؤى وقناعاتٌ متعدِّدةٌ.
وأشير – هنا، وفي عُجَالةٍ - إلى نماذج من هذه المواقف.
الموقف الأوَّل: الموقفُ المتشدِّدُ المتعصِّب
هذا الموقفُ يرفضُ بشدَّة أيَّ شكلٍ مِن أشكالِ التَّقارب بين المذاهب، والطَّوائف.
هذا الموقف يعتمد (رؤية التَّكفير للآخر)، فكيف يتقارب مع الآخر الَّذي يراه خارج دائرة الإسلام؟!
إنَّه موقف كلَّفَ المسلمين بكلِّ انتماءاتهم أثمانًا باهظةً من معاركَ وحروبٍ، وصراعاتٍ وفتنًا عمياء أراقت دماءً، وأزهقت أرواحًا، وهتكت أعراضًا، ودمَّرت أوطانًا، ومزَّقت شعوبًا.
إنَّ العقلاءَ المخلصين الواعين من كلِّ المذاهب وقفوا موقفًا رافضًا من هذا الخَيارِ، لماذا؟
أوَّلًا: لأنَّه خيارٌ لا يرتكز على أسُسٍ قرآنيَّةٍ، وفقهيَّةٍ، وعقليَّةٍ، وعلميَّةٍ، وموضوعيَّةٍ.
وإنَّما هو موقفٌ متشدِّدٌ منغلقٌ، ومُفرطٌ في التَّعصُّب، وإلغاءِ الآخرِ، ومصادرته.
ثانيًا: ولأنَّه يُشكِّل أحد أقوى مُنتجاتِ التَّطرُّفِ، والعنفِ، والإرهابِ في مجتمعات المسلمين.
ثالثًا: ولأنَّه أصبح أداةً بيد القوى الاستكباريَّة المعادية لتطلُّعاتِ شعوبِنا العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، فمصالح هذه القوى تتصادم دائمًا مع تطلُّعاتِ الشُّعوب الباحثةِ عن الحرِّيَّة والكرامةِ والعدالةِ؛ لذا تتَّجه السِّياساتُ الاستكباريَّةُ إلى إضعافِ الشُّعوب، معتمدة شتَّى الأساليب، ومن أهمِّها تغذيةِ الصِّراعات، والخلافات الطَّائفيَّة والمذهبيَّة؛ لكي تبقى الشُّعوب مَسلُوبةَ الإرادةِ، مُوزَّعةَ الانتماء، مُشَتَّتة المواقف، مشغولةً بصراعاتِها، وخلافاتِها، ومعارِكها.
ويجب أنْ لا ننسى مواقعَ أخرى متعدِّدة مارست دورًا كبيرًا في تأجيج الفتن الطَّائفيَّة، وتغذية الصِّراعاتِ المذهبيَّة، وينتظم ضمن هذه المواقع مواقعُ حكمٍ، ومواقعُ دينٍ، ومواقعُ ثقافةٍ، ومواقعُ إعلامٍ، ومواقعُ سياسةٍ، هذه المواقعُ المأسورةُ لعصَّبياتٍ عمياءَ، ممَّا صنع منها أدواتٍ؛ لإنجاحِ مشروعاتِ التَّفتيتِ الطَّائفيِّ التي أنتجتها مطابخُ الاستكبار العالميِّ، وسوَّقَتها قُوى محلِّيَّةٍ عميلَةٍ.
الموقِفُ الثَّانيُّ: الموقِفُ المُتحفِّظُ جِدًّا مِن مسألةِ التَّقاربِ بين المذاهب
لا ينطلقُ هذا الموقفُ من عصبيَّةٍ، وتشدُّدٍ وتطرّفٍ – كما هو الموقفُ الأوَّلُ -.
وإنَّما ينطلقُ من فَهمٍ مُلْتَبسٍ خاطِئٍ يرى أنَّ التَّقاربَ السُّنِّيَّ الشِّيعيَّ يُشكِّلُ إلغاءً للانتماء المذهبيِّ، فالسُّنِّيُّ يخشى أنْ يفقد هُويَّتَهُ المذهبيَّةَ حينما يتوحَّدُ، أو يتقاربُ مع الشِّيعيِّ، وكذلك الشِّيعيُّ يخشى أنْ يَفقِدَ هُويَّتَهُ المذهبيَّةَ حينما يتوحَّدَ، أو يتقاربَ مع السُّنِّيِّ.
وهذا الموقفُ – والذي أنتجه فهمٌ ملتبسٌ خاطئٌ - موقفٌ مرفوضٌ، وذلك للأسباب التَّالية:
السَّببُ الأوَّلُ: إنَّ مشروعاتِ الوَحدةِ والتَّقاربِ بين المذاهبِ لا تفرضُ أبدًا (التَّخلِّي عن الانتماءِ المذهبيِّ)، ولا تفرضُ إلغاءَ القناعات في تبنِّي هذا المذَّهبِ أو ذاك المذَّهبِ.
وإنَّما هي (تفعيلٌ عمليٌّ للقواسمِ المشتركةِ الكبيرةِ جدًّا بين المسلمين)، وتجسيدٌ لخطابِ الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ...﴾ (سورة آل عمران: الآية103).
ولخطابه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء: الآية92).
ولخطابه تعالى: ﴿... وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ...﴾ (سورة الأنفال: الآية46).
كما هي تفعيل للمواقفِ المشتركةِ في قضايا الأُمَّةِ المصيريَّةِ، كقضيَّة فلسطين، والموقف من الاستكبار العالميِّ، والموقف من الظُّلمِ والاستبداد، والموقف مِن قضايا الشُّعوب، والمواقف من مصالح الأوطان.
السَّببُ الثَّاني: إنَّ التَّنوُّعَ المذهبيَّ لا يُشكِّلُ عُقدةً أمامَ مشروعاتِ الوُحدةِ والتَّقارب؛ فالرُّؤى المذهبيَّةُ، والثَّقافيَّةُ، والسِّياسيَّةُ المتعدِّدةُ لا تمثلُّ (مكوِّناتِ تناقضٍ وتنافٍ) إلَّا إذا عاشت هذه الرُّؤى المتعدِّدةُ حالاتِ الإنسجانِ، والانغلاقِ على الذَّات، وحالاتِ النَّفي والمطلق للآخر، وإلَّا إذَا تحوَّل هذا التَّنوُّعُ إلى تعصُّبٍ، وتشدُّدٍ، وتطرُّفٍ، ممَّا ينتج خلافاتٍ، وصراعاتٍ، وصداماتٍ، ومواجهاتٍ.
إنَّ الخطابَ العاقل المنفتح قادِرٌ أنْ يُحوِّلَ الكثيرَ من نُقاطِ الاختلافِ في مجالاتِ الفكرِ والفقِهِ والسِّياسةِ إلى (منتجاتٍ فاعلةٍ) للتَّقاربِ والتَّآلفِ، وإلى (صياغاتٍ عمليَّةٍ متحرِّكةٍ) تغني الواقعَ بخياراتٍ متعدِّدةٍ، وتنشِّط آفاقَ الحوار في مجالاتِ الدِّين والثَّقافةِ والسِّياسةِ، وتدفعُ إلى المزيدِ من الحركيَّةِ والتَّجديدِ والإبداع، والشَّفافيةِ والمرونةِ والانفتاح.
الموقفُ الثَّالثُ: المَوقفُ اليائسُ من مشروعاتِ التَّقارب بين المذاهب والمكوِّنات
هذا الموقف مُثقلٌ باليأس، والتَّشاؤم، والإحباطِ، والهزيمة!
ليستْ المسألةُ تَعصُّبًا وانغلاقًا وتطرُّفًا كما هو الحال في الموقف الأوَّل.
وليستْ المسألةُ فهمًا مُلتبسًا خطأً كما هو الحالُ في الموقفِ الثَّاني.
وإنَّما هو الشُّعورُ النَّفسيُّ الضَّاغِطُ والذي أنتجه تاريخٌ من التَّجارب الفاشلة – حسب ما يدَّعي أصحابُ هذا الموقفِ - يقولُ هؤلاء: إنَّ كلَّ الجهودِ والمحاولاتِ والتَّجارب التَّاريخيَّة؛ لإيجادِ صيغٍ للتَّوحُّدِ والتَّقارب بين المذاهب قد فشلتْ، ممَّا أوجد قناعةً لدى الكثيرين من أتباع المذاهب أنَّ هذه الدَّعواتِ طوبائيَّةٌ خياليَّة لا يمكن أنْ تتحقَّق على أرضِ الواقع، نظرًا لوجود عددٍ كبير من الإشكالاتِ والمعوِّقاتِ النَّفسيَّةِ، والفكريَّةِ، والتَّاريخيَّة، والاجتماعيَّةِ، والسِّياسيَّةِ.
وهكذا تكرَّسَ لدى أصحابِ هذا الموقفِ إحساساتٌ منقبضةٌ تجاه أيِّ دعوة للوحدةِ والتَّقارب؛ كون هذه الدَّعوة مضيعةٌ للجهدِ والوقتِ، وتكرارٌ لتجاربَ ليس مكتوبًا لها النَّجاح.
وإذا سألتَ أحدَ أصحابِ هذا الموقف عن التَّعصُّب المذهبيِّ، وجدتَهُ يمقته كلَّ المقت!
وإذا سألته عن خطر الفرقة، والخلافِ، والصراع وجدتَهُ يؤكِّد بكلِّ قناعة ذلك الخطر.
وإذا سألتَهُ عن ضرورة الوحدةِ والتَّقارب وجدتَهُ مؤمنًا كلَّ الإيمان بتلك الضَّرورةِ.
إلَّا أنَّه يبقى مأسورًا لعُقدةِ اليأسِ الإحباط، فتسمعه يُردِّد: لا جدوى، لا فائدة، كلُّ المحاولاتِ السَّابقةِ فشلتْ، فلماذا نكرِّر تجاربَ فاشلةً، ومشروعاتٍ خياليَّةً طوبائيَّةً، محكومةً لمجموعةِ معوِّقاتٍ وإشكالاتٍ متجذِّرة في تاريخ المسلمين؟!
لا يعني أنَّ هؤلاءِ دعاةُ صراعٍ طائفيٍّ، وإنَّما يدعونَ إلى المحبَّةِ، والتَّسامحِ، والتَّآلف بلا حاجة إلى مشروعاتٍ متكلَّفةٍ لا تدفع إلَّا إلى التَّعقيد، والخلاف.
لنا بعضُ ملاحظات على هذا الموقف:
الملاحظةُ الأولى: ليس صحيحًا إطلاقُ القولِ: بأنَّ جميعَ دعوات التَّقارب والوحدة بين المذاهب قد فشلت، هذا قولٌ مجانب للصَّواب.
فتجربة (دار التَّقريب بين المذاهب في القاهرة) والتي تأسست في الخمسيناتِ – حسبما أتذكَّر – وقد احتضنتْ نخبةً من كبار علماءِ المسلمين السُّنَّة والشِّيعة، وكان لها إسهامات كبيرة في مواجهة التَّوتُّراتِ، والصَّراعاتِ الطَّائفيَّة والمذهبيَّة من خلال إصداراتها ومنشوراتها، والتي احتضنت أبحاثًا ودراسات راقية جدًّا كتبت بأقلام فقهاء ومفكِّرين من السُّنَّة والشِّيعة.
إنَّها تجربة ناجحةٌ كلّ النَّجاح، ولو قدر لهذا المشروع الرَّائد أنْ يستمرَّ لأغنى الواقع الإسلاميَّ بمعطياتٍ كبيرة جدًّا، إلَّا أنَّ أغراض السِّياسة التي لا تريد للمسلمين أنْ يتوحَّدُوا أجهزت على هذا المشروع وأَقْبَرَته، وحرمت الأمَّة من بركاتِه، وفيوضاته.
وهناك تجارب أخرى لا زالت قائمة كتجربة (المجمع العالمي للتَّقريب بين المذاهب)، وقد حقَّقت نجاحات، حيث استطاعتْ أنْ تقارب بين العلماء والمفكِّرين، والمثقَّفين من مختلف المذاهب الإسلاميَّة.
وكتجربة (علماء المسلمين في لبنان)، وهي تجربة شاخصة تؤكِّد إمكانيَّة أنْ يجتمع علماء المذاهب الإسلاميَّة في مواجهة قضايا العصر وتحدِّياته، وهي قضايا محوريَّةٌ تشكِّلُ نقاطَ استقطاب لحركة الأمَّةِ بكلِّ انتماءاتِها، وتوجُّهاتها، وتياراتها.
وكم نتمنَّى أنْ تبرز تجارب جديدة من كلِّ أوطاننا، فما أحوج الأوطان إلى مشروعات الوحدة والتَّقارب، والمحبَّة، والتَّسامح في هذا الزَّمن البئيس المشحون بالأحقاد، والعداوات، والتَّناقضات، والمأزوم بشتَّى ألوان الخلافات، والصِّراعات.
الملاحظة الثَّانية: لو سلَّمنا – جَدَلًا - أنَّ كلَّ تجاربَ الوحدة والتَّقارب بين المذاهب، والتي انطلقت في السَّابقِ كانت فاشلةً، فهذا لا يبرِّر إطلاقًا أنْ تتجمَّدَ التَّجاربُ والمحاولاتُ الجديدة، فلا يأس مع الإيمانِ، فمهما واجَهَ السَّائرون في درب البناء، والإصلاح، والتَّغيير من صعوباتٍ ومعوِّقاتٍ، وتحدِّياتٍ، فإنَّ هذا لا يبرِّرُ أنْ يهتزَّ في داخلهم الثَّباتُ، والإصرارُ، والاستمرار مادامت قلوبهم يملأها حبُّ اللهِ تعالى، والثِّقة بتأييدِهِ.
الملاحظة الثَّالثة: وإذا كانَ هناك تاريخ من الصِّراعِ المذهبيِّ، فإنَّ هناك تاريخًا طويلًا من التَّعايش بين المذاهب، فلماذا يغيب هذا التَّاريخُ المملوءُ بالمحبَّة، والتَّسامح؛ لتبقى الصُّورة السَّوداءُ جاثمةً في العقولِ، والقلوبِ.
فلا مُبرر أنْ يحكمنا اليأسُ في مواجهة مشروعاتِ التَّجزئةِ، والتَفتيت، والتي يُغذِّيها دائمًا أعداءُ هذه الأمَّةِ، والعابثون بمصالحها، والمتطرِّفون، والجهلاءُ من أبنائها.
فإنْ كان في وطننا الحبيب – البحرين - بعض استنفاراتٍ طائفيَّةٍ ومذهبيَّةٍ، فهي لا تعبِّر عن أصالةِ هذا الشَّعب الذي جسَّد تاريخًا من التَّعايش المذهبيِّ، وتاريخًا من الأُخوَّةِ، والمحبَّةِ، والتَّسامحِ.
إنَّ هذه الاستنفاراتِ إنتاجٌ مشبوهٌ أراد أنْ يصنع واقعًا مُزَوَّرًا يسيئ إلى سمعةِ هذا الوطن، فليس من أبناءِ هذا الشَّعبِ الشُّرفاءِ سُنَّةً وشيعةً مَنْ يتسقَّط في هذا المنحدرِ الطَّائفيِّ، ويستجيبُ لخطاباتِ الشَّحنِ المسكونةِ بالكراهيةِ، والانتقامِ.
فتاريخ المحبَّةِ، والتَّآلفِ أكبر من كلِّ محاولاتِ التَّأزيمِ، والتَّفتيت.
أنا لا أشكُّ أنَّ هناك مَنْ يَضيقُ بحديث الوحدة، والتَّقارب – وهذا استثناء في هذا الوطن -، ولماذا يضيق؟، لأنَّ هذا الفريقَ من النَّاسِ تشكَّلتْ مصالحُهُ من خلال الفتن، والخلافاتِ والصِّراعات، وما أسوأها من مصالح تقتات على آلام وويلات ومعاناة الآخرين!
هؤلاء ليسوا أسوياء، ولا يملكون ضمائر، وإلَّا لما أَسَّسُوا وجودَهم، وبقاءهم، وراحتَهم، وسعادتهم على عذابات الشُّعوب، وعلى المعتركات بين الطَّوائفِ، والمذاهبِ، والمكوِّنات.
نعم، أقول: إنَّ هذا الفصيل من النَّاسِ المسكونِ بالكراهية، والأحقاد، والضَّغائن هو استثناء في وطنٍ ما عرف أبناؤه إلَّا بالمحبَّة، والأُخوَّة، والتَّصافي.
وجناية كبرى على هذا الوطن أنْ يتحوَّل الاستثناءُ أصْلًا، وأنْ يتحوَّلَ الأَصلُ استثناءً، أو بحسب تعبير الروِّايات أنْ يتحوَّل المنكرُ معروفًا، والمعروفُ مُنكرًا، وهكذا تنقلب المفاهيم، وتتبدَّل القِيمُ، وذلك حينما تغيبُ المعاييرُ الصَّحيحةُ في تقويم الأمور، وفي محاسبة الممارسات.
لا يَحتاجُ الوطنُ إلى شيئ كما يَحتاجُ إلى المَحبَّةِ، والتَّسامحِ من الحاكم إلى المحكوم أوَّلًا، ومن المحكوم إلى الحاكم ثانيًا، ومتى غابت المحبَّة، والتَّسامح، فالشَّرُّ كلُّ الشَّرِّ، والعَناءُ كلُّ العَناء، والبؤسُ كلُّ البؤس لهذا الوطن، ولكلِّ أبناءِ هذا الوطنِ.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربِّ العالمين.
نسخة للطباعة  |   أرسل إلى صديق
 
[ عودة إلى قسم: شهر ربيع الأول   |   إلى أعلى ]