السيد محمد حسين فضل اللهحديث الجمعةشهر شوال

حديث الجمعة 474: ذكرى رحيلِ المرجع الدِّيني الكبير آية الله السيد محمد حسين فضل الله – لا زالت الألسن تلهج بالدُّعاء لهذا الوطن

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلينَ محمَّدٍ، وعلى آلِهِ الهُدَاةِ الميامين….

فيفي ذكرى رحيلِ المرجع الدِّيني الكبير آية الله السيد محمد حسين فضل الله
تمرُّ بنا في هذه الأيام ذكرى رحيلِ المرجعِ الدّيني الكبير آية الله السَّيد محمد حسين فضل الله تغمَّده الله بوافر رحمتِهِ ورضوانه.

ووفاءً لهذا الإنسان الكبير نستحضر بعض (لَقْطاتٍ) من حياتِهِ الغنّيةِ بالفيضِ والعطاء، ولا تستطيع كلمةٌ عاجلةٌ محكومةٌ لهذه الدقائقِ المحدودةِ أنْ تقارب شخصيةً هي واحدة من شخصيات استثنائية في تاريخ الرجال العظماء، والمفكرين المبدعين.

نعم لا تتسع هذه الكلمة إلَّا إلى بعض لَقْطاتٍ عاجلة، أذكرها معتذرًا إلى سيدنا الأستاذ رضوان الله عليه.

ذكرى رحيلِ المرجع الدِّيني الكبير آية الله السيد محمد حسين فضل الله

تمرُّ بنا في هذه الأيام ذكرى رحيلِ المرجعِ الدّيني الكبير آية الله السَّيد محمد حسين فضل الله تغمَّده الله بوافر رحمتِهِ ورضوانه.

ووفاءً لهذا الإنسان الكبير نستحضر بعض (لَقْطاتٍ) من حياتِهِ الغنّيةِ بالفيضِ والعطاء، ولا تستطيع كلمةٌ عاجلةٌ محكومةٌ لهذه الدقائقِ المحدودةِ أنْ تقارب شخصيةً هي واحدة من شخصيات استثنائية في تاريخ الرجال العظماء، والمفكرين المبدعين.

نعم لا تتسع هذه الكلمة إلَّا إلى بعض لَقْطاتٍ عاجلة، أذكرها معتذرًا إلى سيدنا الأستاذ رضوان الله عليه.

النَسَب
إنَّه حسنى النسب، حيث ينتهي نسبُهُ الشريف إلى (الإمام الحسن المجتبى بن أمير المؤمنين عليهما السلام).

ولادتُهُ
وُلد في التاسع عشر من شهر شعبان سنة 1354هـجرية في مدينة النجف الأشرفِ حيث كانَ والدُهُ آيةُ الله السَّيدُ عبد الرؤوف فضل اللهِ مهاجرًا إلى النجف الأشرف للدراسةِ في حوزتها.

وفاته
انتقل إلى جوارِ ربّهِ صباح الأحد 21 رجب 1431هـ الموافق 4 يوليو 2010م، وذلك بمستشفى بهمن في بيروت، وقد شيعته حشودٌ كبيرةٌ في الضاحية الجنوبية إلى مثواه الأخير بجامع الإمامين الحسنين (عليهما السَّلام).

دراسته
بدأ دراسته الحوزوية في سنٍ مبكرةٍ جدًّا، ففي التاسعة من عمره بدأ الدراسة على يد والده السَّيد عبد الرؤوف، وتدرَّج في دراستِهِ الحوزوية حتى التحق بالدروس العليا (بحوث الخارج)، وهو بَعدُ لم يكمل العشرين من عمره، فحضر على كبار أساتذة البحث الخارج:
• المرجع الدِّيني السَّيد محسن الحكيم.
• المرجع الدِّيني السَّيد أبو القاسم الخوئي.
• المرجع الدِّيني السَّيد محمود الشاهرودي.
• الفقيه الكبير الشيخ حسين الحلي.
وحضر درس (الأسفار) عن الملا صدرا البادكوبي..

وكان متميزًا في تحصيله العلمي، ويُذكَر أنَّ الشهيد السيد الصدر قد أخذ تقريرات بحث السيد فضل الله إلى السَّيد الخوئي لكي يطلعه على مدى الفضل الذي كان يتمتع به سماحته، ممَّا جعل له مكانة عند أستاذه السَّيد الخوئي.

عَوْدتُهُ إلى لبنان
عاد السَّيد فضل الله إلى لبنان في العام 1966م وللشهيد السَّيد محمد باقر الصدر كلمة مأثورة قالها في حقِّ السَّيد محمد حسين فضل الله، حينما غادر النجف عائدًا إلى لبنان، وهذه الكلمة هي: “كلُّ مَنْ خرج من النجف خسر النجف إلَّا السَّيد فضل الله فعندما خرج من النجفِ خسَرَهُ النجف”.

الدُروس العليا في الفقه والأصول
مارس السّيد فضل الله أبحاثه العليا في الفقه والأصول (أبحاث الخارج حسب المصطلح الحوزوي) وقد حضر دروسه العليا أعدادٌ كبيرة من طلاب الحوزة، وكان لي شرف الحضور في هذه الدروس، حينما بدأها سماحته في (حوزة المرتضى) التي أسَّسها في منطقة السيدة زينب (عليها السلام) في سوريا.

وقد صدرت مجموعة من التقريرات لأبحاثه الفقهية العليا نذكر منها:
• فقه الشِركة.
• فقه المواريث.
• الصَّيد والذباحة.
• الوصية.
• كتاب النكاح.
• القرعة والاستخارة.
• اليمين والعهد والنذر.
• لا ضرر ولا ضرار.
• كتاب الجهاد.

اهتماماته الثقافية
إلى جانبِ اهتماماته الحوزوية كانت له اهتمامات ثقافية وأدبية متميِّزة، فكان عضوًا في المجمع الثقافي لمنتدى النشر الذي تأسَّس في النجف الأشرف.
وكانت له مشاركاتٌ كبيرة في المهرجانات الثقافية والأدبية…
وقد برزت قدرات الشعرية في مرحلة مبكرة.

كان لديه اهتمام واضح بالاطلاع على ثقافةِ العصر، يقرأ كثيرًا للأدباء والمفكرين ورجال الثقافة في ذلك العصر.

شارك مع بعض زملائه كالسيد مهدي الحكيم نجل المرجع السيد محسن الحكيم في إصدار مجلة خطية باسم (الأدب).

حينما أصدر جماعة العلماء في النجف الأشرف (مجلة الأضواء) كانت له مساهمة واضحة، وكان سماحته أحد المشرفين عليها مع السَّيد محمد باقر الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين.
يقول السَّيد فضل الله متحدِّثا عن (الأضواء): “كان السَّيد محمد باقر الصدر في السنة الأولى منها يكتب افتتاحيتها بعنوان (رسالتنا)، وكنت أكتب أنا الافتتاحية الثانية بعنوان (كلمتنا) وقد جمعت هذه الافتتاحيات في كتابي (قضايا على ضوء الإسلام).

المرجعية الشاملة
يطرح السَّيد محمد حسين فضل الله (مشروع المرجعية الشاملة).

ويعتمد هذه المشروع على ثلاثة مرتكزات:

المرتكز الأول: (المرجع)
وهو قمة المشروع المرجعي…
ويؤكِّد السَّيد فضل الله على ضرورة أنْ يتوفَّر الموقع المرجعي إلى جانب (الكفاءة الفقهية والأصولية) على مجموعة مؤهلات تُعطي للمرجع موقعه القيادي، فهو مرجع وليس مجرد مفتي، والفارق كبير بين العنوانين.
يقول السَّيد فضل الله:
“إنَّني أتصور المرجع شخصًا منفتحًا على العالم كلّه، من خلالِ انفتاح الإسلام على العالم، وشخصًا واعيًا للأحداث، بحيث يتابعها يوميًا حتى في صغريات الأمور”.

المرتكز الثاني: (المؤسَّسة المرجعية)
فما يطمح إليه السَّيد فضل الله أنْ يجعل المرجعية مؤسَّسة متكاملة موحَّدة لا تعيش الفواصل في شخصيات المراجع، ولا يتحدَّد امتدادها الزمني بحياة المرجع.

يقول السَّيد فضل الله:
“أنْ تكون المرجعية مؤسَّسة بحيث أنَّ المرجع عندما يأتي، يأتي إلى مؤسَّسة تختزن تجارب المراجع السَّابقين، بحيث تكون كلُّ الوثائق التي تمثل علاقات المرجعية بالعالم وتجاربها، وخصوصيات القضايا التي عالجتها حتى في مسألة الاستفتاءاتِ، متوفرة للمرجع الجديد الذي يجد كلَّ هذه التجارب جاهزة في مؤسَّسة المرجعية ليبدأ من حيث انتهى المرجع السَّابق، لا ليبدأ بعيدًا عن كلِّ التجارب السَّابقة”.

المرتكز الثالث: (الأمة الإسلامية)
وهنا يؤكد السَّيد فضل الله على عنصرين أساسين:
العنصر الأول: التماسك بين مكوّنات الأمة
فمهما تعددت الانتماءات والقناعات يجب أنْ تتماسك الجماهير وأنْ تتلاحم فيما هي الأهداف العليا المشتركة، وفيما هي التحديات المشتركة.

العنصر الثاني: التواصل المرجعي- الجماهيري
وبقدر ما تكون المرجعية حاضرة في قضايا الأمة وهمومها، وتطلعاتها المشروعة، تكون الأمة بكل جماهيرها وامتداداتها متلاحمة ومتواصلة مع المرجعية.

يقول السَّيد فضل الله:
“إنَّ المطلوب أن يكون للمرجع الرشد الفقهي والرشد الاجتماعي والرشد السياسي والرشد الحركي مع الاستقامة الأخلاقية والقوة الروحية، بحيث يستطيع من خلالها أنْ يطلَّ على قضايا الأمة، وأنْ ينفتح على كلِّ الخبرات، وعلى كلِّ الطاقات…”.

اطلالة على الواقع المؤسَّسي في مرجعية السَّيد فضل الله
أكتفي بذكر مجالين فقط:
• المجال الاجتماعي.
• المجال الثقافي والتبليغي والإعلامي.

(1)الأدوار الاجتماعية:

1-رعاية الأيتام:
من خلال نمطين من المشاريع:
(النمط الأول) تأسيس مبرَّات الأيتام:
بدءًا من (مبرَّة الإمام الخوئي) وانتهاءً بأعدادٍ كبيرة من المبرَّات، فيما تمارسه هذه المبرَّات من أدوار مادية واجتماعية وتربوية وثقافية.
(النمط الثاني) رعاية الأيتام في داخل الأسر:
حيث يتم تأمين الحاجات لأسر اليتامى من خلال توفير (رواتب) و(ملابس) و(رعاية صحية) و(حاجات مدرسية).

2-الفقراء والمساكين والمعوَّقون
فكان مكتب الخدمات الاجتماعية يتابع حاجات العائلات المستورة أو العائلات التي أقعدها العجز والإعاقة عن العمل، فيؤمِّن لها كلَّ الاحتياجات.

3-أصحاب الاحتياجات الخاصة
• مدرسة النور للمكفوفين.
• مدرسة الرجاء للصُم.
• مدرسة النطق واللغة.

4-المؤسَّسات الصحيَّة:
• مستشفى بهمن (مستشفى نموذجي).
• مستشفى السَّيدة الزهراء.
• عدد كبير من المستوصفات الصحية.

(2)المراكز الثقافية والتبليغية والإعلامية:
1-من أبرز المؤسَّسات الثقافية:
• المركز الإسلامي الثقافي.
• المكتبة العامة.
• المؤسَّسات الأكاديمية والمهنية (15 مدرسة نموذجية/ معهد فني تقني).
• مؤسَّسات ثقافية للمغتربين.

2-عدد كبير من مكاتب التبليغ والإرشاد في الداخل والخارج.

3-المؤسَّسات الإعلامية:
• إذاعة البشائر.
• قناة الإيمان.
• نشرة (بيِّنات).
• شبكات التواصل الاجتماعي.

السَّيد فضل الله الكاتب والمؤلف
يمكن أنْ نصنِّف كتابات السَّيد محمد حسين فضل الله إلى المجالات التالية:
(1)الكتابات الأصولية والفقهية:
‌أ-الأبحاث الاستدلالية (تقدَّمت بعض العناوين).
‌ب-فقه الشريعة (الرسالة العملية ثلاثة أجزاء).
‌ج-أحكام الشريعة (تلخيص للرسالة العملية).
‌د-الفتاوى الواضحة (تعليق على الفتاوى الواضحة للسَّيد الصدر).
‌ه-المسائل الفقهية (جزءان): أكثر من ألفين مسألة في مختلف المجالات.
‌و-فقه الحياة.
‌ز-تحديات المهجر.

(2)التفسير وشؤون القرآن:
• من وحي القرآن: كتاب تفسير يقع في (24 مجلدًا).
• فهارس سلسلة تفسير من وحي القرآن.
• أسلوب الدعوة في القرآن.
• الحوار في القرآن.
• من عرفان القرآن.
• حركة النبوة في مواجهة الانحراف: تفسير لبعض السور.

(3)مفاهيم إسلامية:
• الإسلام ومنطق القوة.
• قضايانا على ضوء الإسلام.
• خطوات على طريق الإسلام.
• مع الحكمة في خطة الإسلام.
• مفاهيم إسلامية.
• قضايا إسلامية معاصرة.
• الإسلاميون والتحديات المعاصرة.
• في صراع الإرادات.
• تحديات الإسلام بين الحداثة والمعاصرة (محاضرة).
• الإسلام وقدرته على التنافس الحضاري (محاضرة).

(4)حوارات الوحدة والاختلاف:
• في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي.
• أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة.
• الإسلام والمسيحية بين ذهنية الصراع وحركية اللقاء (محاضرة).
• الحوار بلا شروط تمرد على الخوف (مقابلة).

(5)السيرة والتاريخ:
• في رحاب أهل البيت (عليهم السَّلام).
• الزهراء القدوة.
• نظرة إسلامية حول الغدير.
• عليٌّ ميزان الحق.
• من وحي عاشوراء.
• حديث عاشوراء.
• تأملات في آفاق الإمام الكاظم (ع).

(6)دنيا المجتمع:
• دنيا الطفل.
• دنيا الشباب.
• دنيا المرأة.
• تأملات إسلامية حول المرأة.

(7)روحانيات:
• في رحاب دعاء كميل.
• في رحاب دعاء مكارم الأخلاق.
• في رحاب دعاء الافتتاح.
• آفاق الروح.

(8)دنيا الشعر:
• يا ظلال الإسلام (ديوان الشعر).
• قصائد للإسلام والحياة (ديوان شعر).
• على شاطئ الوجدان (مجموعة شعرية).

(9)الندوة:
سلسلة مؤلفة من (عشرين مجلدًا).
وهي مجموعة كبيرة من المحاضرات والمطارحات في العقيدة والتربية والفقه والسيرة والتفسير (ندوات الحوار الأسبوعية التي أقامها سماحة السيد في منطقة السَّيدة زينب (عليها السلام).

(10)كتابات وحوارات في السِّياسة
وحياة السيد محمد حسين فضل الله السِّياسية حافلة وغنية.

كلمة أخيرة
لا زالت الألسن تلهج بالدُّعاء لهذا الوطن، ولأمنِهِ، ولوحدتِه، ولتآلفِهِ…
ولا زالت الألسن تلهج بالدُّعاء لأنْ يتعافى الوطن من كلِّ أزماته التي باتت تشكل همًّا كبيرًا للنظام ولكلِّ أبناءِ هذا الوطن.
ولن يتعافى هذا الوطن بالخيارات المتشدِّدة فهي خيارات تدفع للمزيد من التعقيدات والتشنجات والانفعالات، وللمزيد من التباعد والتباغض والتعادي، وللمزيد من الصراعات.
يتعافى الوطن من أزماته بالتفاهم والتحاور، والتقارب، والتصافي، والتلاقي…
يتعافى الوطن حينما تتعزَّز الثقة بين جميع مكوِّنات هذا الوطن، بين النظام والشعب، بين أطياف الشعب وطوائفه ومذاهبه…
الخيارات المتشدِّدة لها منتجاتها الصعبة جدًّا، وهذا ما لا نريده لهذا الوطن، ولكلِّ أوضاعه الدِّينية والاجتماعية والحقوقية والسِّياسية والأمنية…
أما آن الأوان لإعادة كلِّ الحسابات فيما يخدم مصالح هذا الوطن، وأبناء هذا الوطن، خاصة وأنَّ المرحلة تمر بأعقد التحديات ممَّا يفرض قراءة جديدة لكلِّ الخيارات، ولكلِّ المتغيرات، انطلاقًا من الثوابت والمسلمات الدينية والأخلاقية والوطنية.
لهذا الحديث تتمة إنْ شاء الله تحاول أن تلقي الضوء أكثر على مسارات المعالجة لأزمات الوطن، بما يجنبه الكثير من التكاليف المرهقة، والأثمان الباهضة.
وهنا أؤكد اعتذاري أني اقتصرت على هذه الإطالة العابرة فيما يلامس أوضاع هذا الوطن، كون حديثي أنصب على أحد أبرز شخصيات هذه المرحلة وهو المرجع الديني الكبير آية الله السيد محمد حسين فضل الله، وإن كنت أعتقد أن الإطلالة على شخصية في موقع السَّيد فضل الله هي إطلالة على كلِّ واقعنا، وفي كلِّ أوطاننا، فقد علَّمنا سماحته أنْ يحمل همَّ الأوطان، وحراستها، والدفاع عن مقدراتها، كما علَّمنا أنْ نمارس المحبة، والوحدة، والحوار مهما تعقَّدت الظروف، ومهما تأزمت الأوضاع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى