حديث الجمعةشهر رمضان

حديث الجمعة 479: عظمة ليلة القَدْر!

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

عظمة ليلة القَدْر!
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّد الأنبياء والمُرسلين محمَّدٍ وآلِهِ الهداة الميامين.
السَّلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.

أيُّها الأحبَّة، أبارك لكم ليلةَ القدرِ العظيمة، وما أعظمها من ليلةٍ!

وما أعظم فيوضاتِها، وبركاتِها، وخيراتِها، وعطاءاتِها.
الليلةُ التي قال الله تعالى عنها:
1-﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (سورة القدر: الآية 2 – 3).
ما معنى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (سورة القدر: الآية 3)؟

هنا عدَّة تفسيرات:
1-ما ورد عن الإمامين: الباقر والصَّادق (عليهما السَّلام)، حيث قالا في معنى الآية: إنَّ «العمل الصَّالح فيها – في ليلة القدر – خير من العمل الصَّالح في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر» (انظر الكافي 4/158، ومَن لا يحضره الفقيه 2/158).

2-‹وقيل: إنَّ الله يتفضَّل على خلقه في هذه اللَّيلة – في ليلة القدر -، ويُنعم عليهم بنا لا يفعل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، …› (التبيان في تفسير القرآن 10/386، الطوسي).

3-«عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، قال: أُرِي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في منامه، بني أميَّة يصعدون على منبره من بعده، ويضِلُّون النَّاس عن الصِّراط القهقري، فأصبح كئيبًا حزينًا – إلى أنْ قال: -، فأنزل عليه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ جعل الله (عزَّ وجلَّ) ليلة القدر لنبيِّه (عليه السَّلام) خيرًا من ألف شهر ملك بني أميَّة» (وسائل الشيعة 10/352، الحر العاملي).

4-«…، عن ابن عبَّاس، قال: ذُكِر لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) رجل من بني إسرائيل، أنَّه حمل السِّلاح على عاتقه في سبيل الله تعالى ألف شهر، فعجب من ذلك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عجبًا شديدًا، وتمنَّى أنْ يكون ذلك في أمَّته، فقال: يا ربِّ، جعلْتَ أمَّتي أقصر النَّاس أعمارًا، وأقلَّها أعمالًا.

فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: ليلة القدر خير من ألف شهر الذي حمل الإسرائيليُّ السِّلاح في سبيل الله لك ولأمَّتك من بعدك إلى يوم القيامة في كلِّ رمضان» (تفسير مجمع البيان 10/409، الطبرسي).

5-في محاضرة للشَّهيد السَّيِّد محمَّد باقر الصَّدر (رضوان الله عليه) قال: ‹… إنَّ المسلمين إذْ يحتفلون بشهر رمضان المبارك، وليلةِ القدر يعيشون في احتفالِهم ذِكرى مولد الرِّسالةِ العظيمة التي أَنشأت هذه الأمَّة، وأعطتها مضمونها الكامل على مسرح التَّاريخ، فشهر رمضان، أو ليلة القدر على الخصوص هي التي شهدت مولد هذه الرِّسالةِ، وهبوطها على الإنسان في الأرضِ متمثِّلة في القرآنِ الكريم، فكانت خيرًا من ألف شهر، لأنَّ يومًا واحدًا من حياةِ أمَّةٍ رساليَّةٍ تحمل بيدها الرِّسالة التي تنير لها الدَّرب، وتحدِّد الأهداف هو أعظم بركة، وأكثر عطاء في حياة الأمم والشُّعوب من ألف شهر تعيشه أمَّةٌ ضائعة لا تملك هَدَفًا، ولا تعرف طريقًا› (ومضات، الصَّفحة 215، الشَّهيد السَّيِّد محمَّد باقر الصَّدر).

لماذا سُمِّيت ليلة القدر؟
هنا مجموعة أقوال:
القول الأوَّل: من القدر بمعنى القضاء
لأنَّها اللَّيلة التي يحكم فيها، ويقضي بما يكون في السَّنة بأجمعها.

1-عن الإمام الرِّضا (عليه السَّلام): «…، وفيها ﴿… يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (سورة الدخان: الآية 4) وهو رأس السَّنة يقدر فيها ما يكون في السَّنة من خير، أو شرٍّ، أو مضرَّة، أو منفعة، أو رزق، أو أَجَل، ولذلك سمِّيت ليلة القدر» (عيون أخبار الرضا 2/123، الصَّدوق).

2-وفي رواية عن الإمام الباقر (عليه السَّلام) قال: «…، يقدَّر في ليلة القدر كلَّ شيئ يكون في تلك السَّنة إلى مثلها من قابل خير، وشرٍّ، وطاعة، ومعصية، ومولود، وأَجَل، أو رزق، فما قُدر في تلك السَّنة، وقضي فهو المحتوم، ولله (عزَّ وجلَّ) فيه المشيئة، …» (الكافي 4/158، الكليني).

القول الثَّاني: من القدر بمعنى (الشَّرف)، وعظم الشَّأن
من قولهم: (رجل له قَدْرٌ عند النَّاس)، أي: منزلة، وشرف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ …﴾ (سورة الأنعام: الآية 91)، أي: ما عظَّموه حقَّ تعظيمه، فسمِّيت هذه اللَّيلة بليلة القدر:

1-لشرفها، وعظم شأنها.
2-أو لأنَّ للطَّاعاتِ فيها قدْرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا.
3-أو لأنَّه أُنزل فيها كتابٌ له قَدْرٌ إلى رسولٍ ذي قَدْر. (انظر: مجمع البيان 10/405، الطبرسي)

القول الثَّالث: من القدر بمعنى (الضِّيق)
1-كما في قوله تعالى: ﴿… فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ …﴾ (سورة الفجر: الآية 16)، بمعنى (ضيَّق).
2-قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ …﴾ (سورة الرَّعد: الآية 26)، أي: ويضيِّق.
وسمِّيت ليلة القدر ليلة (الضِّيق)، لأنَّ الأرض تضيق بالملائكة.

في تعيين ليلة القدر
في تعيين ليلة القدر عدَّة آراء:
الرَّأي الأوَّل: ما ورد عن علماء المذاهب غير الإماميَّة
اشتهر عند علماء المذاهب غير الإماميَّة أنَّها (اللَّيلة السَّابعة والعشرون من شهر رمضان)، وعند الإماميَّة رواية بهذا أيضًا.

الرَّأي الثَّاني: ما ورد عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السَّلام)
يمكن أنْ نصنِّف الرِّوايات الواردة عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السَّلام) إلى عدَّة طوائف:
طائفة من الرِّوايات تطلق، ولا تحدِّد.
وطائفة ثانية تحصرها في العشر الأواخر.
وطائفة ثالثة تحصرها ضمن ثلاث ليالٍ: (ليلة 19)، (ليلة 21)، (ليلة 23).
وطائفة رابعة تؤكِّد على (ليلة 23)، ولعلَّ هذه الطَّائفة من الرِّوايات هي الأشهر، ولذلك كان الاهتمام الأكبر لدى الشِّيعة الإماميَّة بهذه اللَّيلة.

1-رُوي عن الإمام الباقر (عليه السَّلام): «إنَّ الجهنيَّ أتى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، إنَّ لي إِبلًا، وغنمًا، وغلمة، فأحبُّ أنْ تأمرني ليلة أدخل فيها، فأشهد الصَّلاة، وذلك في شهر رمضان.
فدعاه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فسارَّه في أُذنه، قال: فكان الجهنيُّ إذا كانت ليلة ثلاث وعشرين دخل بإبله، وغنمه، وأهله، وولده، وغلمته، فكان تلك اللَّيلة ليلة ثلاث وعشرين بالمدينة، فإذا أصبح خرج بأهله، وغنمه، وإبله إلى مكانه» (بحار الأنوار 80/128، المجلسي).

2-وروي أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «كان يرشُّ على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين، …» (مستدرك الوسائل 7/473، النوري).
3-أوضح العلَّامة المجلسيُّ في (زاد المعاد) بأنَّه قد رُوي بأسناد معتبرة أنَّ ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة القدر (انظر: زاد المعاد، الصَّفحة 122 – 123، المجلسي).

إحياءُ ليلةِ القدر
أوَّلًا: من القرآن الكريم
فهي كما نصَّ القرآن الكريم:
1-﴿… خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (سورة القدر: الآية 3).
2-و﴿… فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ …﴾ (سورة الدخان: الآية 3).
3-و﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (سورة الدخان: الآية 4).

ثانيًا: من الحديث الشَّريف
وقد أكَّدت الرِّوايات على استحباب إحياء ليلة القدر:
1-قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «مَن قام ليلة القدر إيمانًا، واحتسابًا غفر الله له ما تقدَّم من ذَنْبِه» (روضة الواعظين، الصَّفحة 349، الفتال النيسابوري).

2-وقال أمير المؤمنين (عليه السَّلام) من خطبة ذَكر فيها ليلة القدر: «…، صيام يومها أفضل من صيام ألف شهر، والعمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر، …» (فضائل الأشهر الثلاثة، الصفحة 108، الصَّدوق).

3-قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «قال موسى – عليه السَّلام -: إلهي، أريد قربَك. قال: قُربي لمَن استيقظ ليلة القدر.
قال: إلهي، أريد رحمتك.
قال: رحمتي لمَن رحم المساكين ليلة القدر.
قال: إلهي، أريد الجواز على الصِّراط.
قال: ذلك لمَن تصدَّق بصدقة ليلة القدر.
قال: إلهي، أريد من أشجار الجنَّة، وثمارها.
قال: ذلك لمَن سبَّح تسبيحة في ليلة القدر.
قال: إلهي، أريد النَّجاة من النَّار.
قال: ذلك لمَن استغفر في ليلة القدر.
قال: إلهي، أريد رضاك.
قال: رضائي لمَن صلَّى ركعتين في ليلة القدر» (وسائل الشيعة 8/20، الحر العاملي).

4-قال الإمام الباقر (عليه السَّلام): «مَن أحيا ليلة القدر غفرت له ذنوبُه ولو كانت ذنوبُه عدد نجوم السَّماء، ومثاقيل الجبال، ومكاييل البحار» (مستدرك الوسائل 7/457، النوري).

الاستعدادات لإحياء ليلة القدر
الاستعداد الأوَّل: خُلوصُ النِّيَّة
إذا لم نستطع أنْ نتوفَّر على الإخلاص ليلة القدر، فمتى نستطيع؟!
1-الإخلاص روح العبادة.
2-وهو شرط قبولها.

وليست القيمة بالكمِّ!
القيمة كلُّ القِيمة بالكَيف «أَخْلِصْ قلبَك، يكفِكَ القليلَ من العمل» (بحار الأنوار 70/175، المجلسي).
فربَّما صلاة واحدة فيها النَّجاة!
وربَّما ذِكرٌ واحدٌ فيه الخَلاص!
وربَّما سورة واحدة فيها القُرْب!
وربَّما عمل واحد يرفع إلى أعلى المقامات!
فالإخلاص الإخلاص هو مطلق العروج إلى الله سبحانه في ليلة العروج.

الاستعداد الثَّاني: تنقية القلب
ليلة القدر هي (ليلة العشق الإلهي)!
ولا يتحقَّق عشق الله تعالى إلَّا إذا كان القلب في أعلى درجات الطُّهر، وفي أرقى مستويات النَّقاء، فلنتعب كثيرًا في هذه اللَّيلة على غسل القلوب قبل غسل الأبدان؛ لكي نتمكَّن من الانفتاح على الفيوضات الرَّبانيَّة، والنَّفحات الإلهيَّة في هذه اللَّيلة الغنيَّة بالفيوضات، والنَّفحات، والعطاءات.

الاستعداد الثَّالث: تنقية البطون
فحذارِ حذارِ أنْ تتلوَّث بطوننا بلقمة حرام، أو لقمة فيها شبهة حرام!
1-قال النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «يا عليُّ، مَن أكل الحرام سود قلبه، وخلف دينه، وضعفت نفسه، وحجب الله دعوته، وقلَّت عبادته.
يا عليُّ، مَن أَكَلَ الشُّبهات اشتبه عليه دينُه، وأظلم قلبُه.
يا عليُّ، مَن أَكَل الحلال صفَى دينُه وقلبه، ودمعت عيناه من خشية الله، ولم يكن لدعوته حجاب» (لئالي الأخبار1/3، التويسركاني).
والحذر الحذر أيُّها الأحبَّة من الإسراف في الأكل، والشُّرب.

2-في الحديث عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطَّعام والشَّراب، …» (مستدرك الوسائل 16/210، النوري).

3-ومن كلمات لقمان الحكيم: «يا بنيَّ، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة» (تنبيه الخواطر 1/110، ورام ابن أبي فراس).

الاستعداد الرّابع: اجتنابُ المعاصي والذُّنوب
فالمعاصي، والذُّنوب تُحْرِم الإنسان من توفيقات، وعطاءات، وفيوضات ليلة القدر!

فالتَّوبة الصَّادقة شرط أساس لأحياء ليلة القدر.
لكي نشعر بروحانيَّة هذه اللَّيلة، فلنتحرَّر من كلِّ الذُّنوب، وإلَّا كانت صلواتنا، وأدعيتنا، وأذكارنا، وتلاواتنا جافَّة كلَّ الجفاف!

1-قال أمير المؤمنين (عليه السَّلام): «كيف يجد لذَّة العبادة مَن لا يصوم عن الهوى» (مستدرك الوسائل 12/115، النوري).

2-وقال (عليه السَّلام): «ما جفَّت الدُّموع إلَّا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلَّا لكثرة الذُّنوب» (علل الشرائع 1/81، الصدوق).

الاستعداد الخامس: تصفيةُ الخلافاتِ، والخصومات
فحذارِ حذارِ أنْ نُبقى في قلوبنا شحناء، أو بغضاء على أحدٍ من إخواننا المؤمنين.

وحذارِ حذارِ أنْ تبقى الخصومات، والتَّدابُرات، وأنْ تستمرَّ أشكال الهجران.
فالمتهاجران لا تنفتح لهما أبواب السَّماء!
والمتخاصمان من المؤمنين لا يُغفر لهما في ليلة القدر حتَّى يصطلحا!

•في الحديث: «انظروهما حتى يصطلحا» (مسند الإمام أحمد بن حنبل 15/108، أحمد بن حنبل)!

الاستعداد السَّادس: برنامج الإحياء
وهنا مجموعة عناوين:
العنوان الأوَّل: الإحياء بالصَّلوات والأذكار
الصَّلوات، والأدعية، والأذكار، وتلاوة القرآن الكريم، ومجموعة من المستحبَّات العباديَّة المدوَّنة في كتب الأعمال.

وأؤكِّد هنا على:
•الإكثار من الاستغفار.
•الإكثار من التَّسبيحات الأربع.
•الإكثار من الصَّلاة على محمَّد وآلِ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
•الإكثار من تلاوة القرآن الكريم.
ولا تغفلوا – أيُّها الأحبَّة – عن صلاة اللَّيل!
وإذا استطعتم أنْ تصلُّوا صلاة جعفر الطَّيَّار، فهي من أعظم الصَّلوات.

العنوان الثاني: التَّزوُّد بثقافة الدِّين
خصِّص مقطعًا من وقتك في هذه اللَّيلة؛ لتتزوَّد بشيئ من ثقافة الدِّين
1-ففي الرِّوايات أنَّ جلسة تثقُّف وتفقُّه في الدِّين أفضل من قيام ليلة!
2-وأنَّ حضور مجلس علم يفتح لك سبعين بابًا من الرَّحمة!

العنوان الثَّالث: مَارِسْ عملًا اجتماعيًّا بنيَّة التَّقرًّب لله تعالى
1-زرْ أخًا مؤمنًا ولو بواسطة أدوات التَّواصل!
«مَن زار أخاه المسلم في الله ناداه الله (عزَّ وجلَّ): أيُّها الزَّائر طبت وطابت لك الجنة» (مستدرك الوسائل 10/374، النوري).

2-ارحمْ مسكينًا؛ لكي تشملك رحمةُ الله سبحانه.

3-اقْضِ حاجة مؤمن تُقْضَى حوائجك في الدُّنيا والآخرة.
ولا شكَّ أنَّ هذه الأعمال تفوق في ثوابها الكثير من العبادات، خاصَّة في مثل الظُّروف الصَّعبة الرَّاهنة، فلا أعظم في ليلة القدر من استنفار الطَّاقات، والإمكانات في خدمة النَّاس الذين هم في حاجة إلى الخدمة، وفي مساعدة مَنْ هم في حاجة إلى المساعدة.

ضرورة تقديم زكاة الفطرة مع الظُّروف الضَّاغطة

وهنا أنبِّه إلى مسألة: نظرًا للظُّروف المعيشيَّة الضَّاغطة والتي تمرُّ بها الأُسَر الفقيرة والمعوزة، فنوجِّه المؤمنين إلى ضرورة تقديم (زكاة الفطرة) قبل يوم العيد.
ويُفتي الكثير من الفقهاء بجواز هذا التَّقديم إمَّا بعنوان (زكاة الفطرة)، وإمَّا بعنوان (القَرض) على أنْ يحتسب هذا القرض (زكاة فطرة) في يوم العيد، ويمكن للمكلَّف أنْ يُوصل بنفسه (الزَّكاة) للفقير، أو بواسطة الجهات المتصدِّية الموثوقة والتي تحمل وكالة من الفقراء على أنْ تحاول هذه الجهات إيصال الزَّكاة إلى المحتاجين قبل أيَّام العيد.

العنوان الرَّابع: العمل بما ينفع النَّاس
إذا كنتَ تملك عِلْمًا ينفعُ النَّاس، ويهدي النَّاسَ، ويهذِّب النَّاسَ، فلا تبخل به في هذه اللَّيلة، فهذا من أرقى أشكال الإحياء، وأعظمها أجرًا وثوابًا، وربَّما لا يضاهيه أيُّ عملٍ آخر.

وإنْ كنت لا تملك ذلك، واستطعت أنْ تدعم بمالِكَ، بموقعِكَ، بكلمتِكَ (مشروعًا دينيًّا واعيًا)، أو (برنامجًا قرآنيًّا هادفًا)، أو (نشاطًا اجتماعيًّا نظيفًا)، فاجعل ذلك من أولويَّات برنامجك في ليلة القدر، فهذا العمل من أجلِّ الأعمال التي تقرِّبك إلى الله تعالى.

العنوان الخامس: جلسة المحاسبة
أستطيع أنْ أقول: إنَّ هذا العنوان من البرنامج هو العنوان الأهم، والأكبر قيمةً، والأعظم ثوابًا!

لماذا؟

لأنَّ جلسة المحاسبة هي التي ترشِّد مسارات البرنامج الإحيائيِّ، وتقوِّم كلَّ أداءاته، وكلَّ عطاءاته الإيمانيَّة، والرُّوحيَّة، والأخلاقيَّة، والسُّلوكيَّة.

ولا شكَّ أنَّكم – أيُّها الأحبَّة – تتطلَّعون بكلِّ رجاءٍ إلى عفوِ اللهِ تعالى، وإلى رحمةِ الله سبحانه، وإلى عطاءِ الله (عزَّ وجلَّ)، وإلى ألطاف الله (جلَّ جلاله) في هذه اللَّيلةِ التي تزدحم فيها الملائكة نزولًا إلى الأرض يُصَافحون كلَّ عابدٍ متهجِّد.

وكلَّ داعٍ وذَاكرٍ، وتَالٍ لكتاب الله تعالى.
وكلَّ متضرِّعٍ، وباكٍ، وخاشع.
وكلَّ ساهرٍ في طاعةِ الله تعالى.
وكلَّ ساعٍ في خدمةِ عباد الله سبحانه.
وكلَّ حارسٍ أمينٍ لدينِ الله (عزَّ وجلَّ).
هكذا تضعُنا (المحاسبةُ) في كلِّ هذه المساحات؛ لنعطي للإحياء كلَّ امتداداته، وكلَّ حضوره.

الإحياء المتحرِّك
فالإحياء ليس (مُتَمَوْقِعًا) في مكانٍ، بل هو متحرِّك، حيث يكون التَّحرُّك يمثِّل (طاعة لله تعالى)، وبقدر ما يكون موقع الطَّاعة أكبر فالعبادة أكبر، والثَّواب أعظم.
فالتَّنافس الحقيقيُّ في هذه اللَّيالي والأيَّام الشَّريفة على القُرب من الله تعالى، وعلى طاعة الله (عزَّ وجلَّ)، وعلى الفوز الأعظم عند الله سبحانه.
فلا تستصغروا عملًا يُقرِّب إلى الله (جلَّ وعلا).
ولا تضعف هممُكم في بلوغ المراتب العالية عند الله تعالى.

وأحسِنُوا الظَّنَّ بربِّكم، وإذا لم نحسن الظَّنَّ بربِّنا في ليلة القدر، وفي ليالي هذا الشَّهر الفضيل، فمتى نحسن الظَّنَّ؟!

في ليلة القدر، وفي هذه اللَّيالي أبواب الجنان مفتَّحة، وأبواب النَّار مغلَّقه، والشَّياطين مغلولة!
فدمعة صادقة تنزل من عيوننا تفتح أبواب السَّماء، وتستنزل رحمة الله (عزَّ وجلَّ)، وقد أقسم ربُّنا أنْ لا يُعذِّب عينًا دامعةً، وقلبًا خاشعًا، وأبدانًا مقشعرَّة من خشية الله سبحانه، وأرواحًا هائمة في حبِّ الله تعالى، وقلوبًا يملأها الحياءُ من الله (جلَّ وعزَّ).

الدَّمعةُ مِن خشيةِ الله تعالى تطفِئ بحارًا من النِّيران.
الدَّمعةُ مِن خشيةِ الله تعالى تَبْنِي قصورًا في الجِنان.
الدَّمعةُ مِن خشيةِ الله تعالى أثقل شيئ في الميزان.
الدَّمعةُ مِن خشيةِ الله تعالى فوزٌ، ومغفرةٌ، ورضوان.
وهكذا الدَّمعة من خشية الله تعالى جزاؤها السُّقيا من رحيق رحمة الله.

والسُّرورُ والحبورُ في جِنان الله.
وعطاؤها ما لا عَين رَأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وهي أمانٌ يوم الفزع الأكبر.
وكيف إذا كانت الدَّمعة في شهر رمضان!
وكيف إذا كانت الدَّمعة في ليلة القدرَ
فاستمطروا بدموعكم في هذه اللَّيلة رحمة الله، فرحمته وسعت كلَّ شيئ.
فكيف لا تسعُ الضَّارعين الباكين في ليلة القدر!
نسأله تعالى أنْ تشملنا فيوضاتُه، ورحماتُه، وعطاءاتُه.
فهو سبحانه الفيضُ المُطلق.
وهو سبحانه الرَّحمةُ المُطلقة.
وهو سبحانه العطاءُ المُطلق.
ولا تنسوا أحبَّةً لكم هنا أو هناك هُمْ في أمسِّ الحاجةِ إلى الدُّعاء.

فالبائسون والمرضى، وكلُّ الَّذين يعيشون أوضاعًا مأزومةً، وظروفًا ضاغطةً، وحاجاتٍ مُلحَّةً، وهمومًا ثقيلةً هم في أمسِّ الحاجة إلى الدُّعاء.
ولا تنسوا أنْ تدعوا لهذا الوطن، ولسائر أوطان المسلمين بالأمنِ والأمان.
ولهذا الشَّعب، ولسائر شعوب المسلمين بالخَير، والرَّخاء، والاستقرار.
وللعالم كلِّ العالم بالخَلاص من هذا الوباء.

وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربِّ العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى