قضايا الساحةقضايا محلية

خطاب المسجد وقضايا الواقع

قد تسمع من بعض الشباب حينما تسألهم لماذا لا يكون لكم حضور في المساجد وفي الحسينيات وفي الفعّاليات الدينية، قد تسمع منهم: لماذا نحضر وهل سوف نسمع غير الحديث عن الصلاة، وعن الفساد الأخلاقي، وعن المواعظ والتخويفات، وسوف لن نسمع حديثاً عن السياسة، عن مشاكل الشباب، عن أزمات المعيشة، عن حقوق المرأة.
أنا لن أدافع عن كلِّ خطابات المساجد والحسينيات وكل خطابات الدينيين، فمن الواضح أنَّ هناك حاجة حقيقية إلى تطوير الكثير من هذه الخطابات.
ولكنّي أقول لهذا البعض من الشباب والذين لاشك في إخلاصهم للدين ولقيم الدين:
أولاً: إنّه من التجنّي الواضح أن نتهم كلَّ خطاب من خطابات المساجد والحسينيات والفعّاليات الدينية بأنّه غائب عن قضايا الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وهل هذا الضجيج الذي يثيره العلمانيون ضد الخطاب الديني، إلا كوّنه يحاول أن يتدخل في شؤون السياسة والاقتصاد والثقافة، وإلاّ فلو كان هذا الخطاب لا يتجاوز حديث الوضوء والصلاة، والمواعظ الأخلاقية والإرشادات الروحية، لكان هذا أقصى أمنيات العلمانيين ولباركوا هذا الخطاب لأنّه اعتزل الساحة وتركها لخطابهم العلماني، هذا الضجيج الذي يحركه العلمانيون يعبر عن قلق واضح وخوف من اقتحام الخطاب الديني لكلّ الساحات، فها هم يطالبون العلماء ويطالبون الدينيين أن لا يتدخلوا في قضايا السياسة وقضايا الاقتصاد وقضايا الثقافة.
أيّها الشباب: إنَّ خطابنا الديني في العديد من المساجد والحسينيات والفعّاليات خطاب يعيش الحظور في كل قضايا الساحة وفي كلّ قضايا المرحلة.
وهنا نقطة هامة يجب أن يفهمها شبابنا الأعزاء الذين نحمل لهم كل الحب والتقدير فهم رصيدنا الكبير، هذه النقطة هي أنَّ الحضور في قضايا الساحة وفي قضايا المرحلة لا يعني أبداً ضرورة أن ينفعل الخطاب بكلِّ حدث هنا أو حدث هناك، وبكلِّ قضية تتحرك هنا أو هناك، الخطاب قد يرى من المصلحة أن يقول كلمة وقد يرى المصالحة في السكوت أو التحرك بعيداً عن الضجيج وبعيداً عن الإثارات، المسألة خاضعة إلى قراءة دقيقة لكل الحيثيات والمردودات والنتائج، في مصالح الدين والناس.


إنّنا نفتح قلوبنا لكل أبنائنا وشبابنا لنسمع كلِّ همومهم وآرائهم إلاّ أننا نقول لهم بكل حب إنّ مسألة تحديد الموقف للخطاب العلمائي يجب أن يكون وفق المعايير الشرعية وليس حسب رغبة الناس أو انفعالات الناس مهما كانوا صادقين ومخلصين.


من حق الناس أن يطرحوا تصوراتهم وآرائهم إذا كانوا يملكون مؤهلات التصور والرأي، ولكنّهم ليس من حقهم أن يفرضوا الرؤية على الخطاب العلمائي، وإلاّ فسوف يجد هذا الخطاب نفسه أمام تباينات متعددة في الآراء والأفكار المتحركة في الشارع.
ثانياً: من قال لكم – أيّها الأحبة – أنّ حديث السياسة هو الحديث الأهم في هذه المرحلة؟!


صحيح أنّ حديث السياسة يفرض نفسه، وأنَّ هموم السياسة تفرض حضورها وهيمنتها على عقول الناس وعواطف الناس وحياة الناس، وصحيح أنَّ أنظمة السياسة هي التي تتحكم في كلِّ مصائر الشعوب وأوضاع الشعوب وحياة الشعوب، إلاّ أنه لا يعني أنَّ حديث السياسة هو الأهم، هناك حديث الثقافة، هناك حديث الاقتصاد، هناك حديث الاجتماع، وهناك حديث القيم والأخلاق.


وأمّا حديث الدين فهو حديث شامل لكل هذه الأنماط من الأحاديث.
نحن لا نفهم حديث الدين مفصولاً عن قضايا السياسة ومفصولاً عن قضايا الاقتصاد، ومفصولاً عن قضايا الثقافة، ومفصولاً عن قضايا المجتمع.
ثمَّ من قال لكم – أيّها الأحبة – أنَّ قضايا القيم الروحية وقضايا الأخلاق تقع في هامش القضايا وفي آخر قائمة الأولويات.


المسألة ليست كذلك، فقضايا الروح وقضايا الأخلاق تقع في واجهة الأولويات، ثمّ إنّ قضايا القيم الروحية والأخلاقية هي الضمانة لحماية كل المسارات.


فهل انحرفت السّياسة إلاّ لغياب الدين والقيم الروحية والأخلاقية؟
وهل انحرف الاقتصاد إلاّ لغياب الدين والقيم الروحية والأخلاقية؟
وهل انحرفت الثقافة إلاّ لغياب الدين والقيم الروحية والأخلاقية؟
ماذا لو أشبعت الأنظمة الحاكمة بطون الناس لكنّها جوّعت أرواحهم؟
ماذا لو كست الأنظمة أبدان الناس ولكنّها عرّت أرواحهم؟
ماذا لو وفرّت الأنظمة الحاكمة للناس المساكن والمنازل لكنّها سرقت كلَّ سكنهم الروحي..؟
ماذا لو أعطت الأنظمة للناس حرياتهم السياسية والاجتماعية لكنّها حاصرتهم بمشروعات الفساد والعبث الأخلاقي؟
القيــم الروحيــة والأخلاقيـة من أولـويـات المرحلة الراهنـة:


أيّها المؤمنون:
لا تجعلوا دينكم وأخلاقكم وقيمكم الروحية هي آخر اهتماماتكم، وآخر مطالباتكم، وآخر قضاياكم..
قد يكون هذا مقبولاً من علماني لا يؤمن بالدين ولا يؤمن بقيم الدين، إلاّ أنه لا يمكن أن يكون مقبولاً من مؤمن يؤمن بالدين ويؤمن بقيم الدين ويخاف الله ويخشى عقابه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى